«ليلة القدر خير من ألف شهر» اختصت ليلة القدر بالأمة المحمدية ولم تكن لمن قبلنا من الأمم قال الامام النووي في شرح المهذب: «ليلة القدر مختصة بهذه الأمة زادها الله تعالى شرفا لم تكن لمن قبلنا هذا هو الصحيح المشهور الذي قطع به اصحابنا كلهم وجماهير العلماء». وسميت ليلة القدر اي الحكم والفصل وقيل: لعظيم قدرها. قال الامام مالك رضي الله عنه في الموطأ: بلغوا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ارى اعمار الناس قبله او ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر اعمار امته ألا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر. وروى ابن ابي حاتم عن عروة رضي الله عنه قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما اربعة من بني اسرائيل عبدوا الله ثمانين عاما لم يعصوه طرفة عين فعجب الصحابة من ذلك فأتاه جبريل عليه السلام فقال: قد أنزل الله تبارك وتعالى عليك خيرا من ذلك: «ليلة القدر خير من ألف شهر» هذا افضل من ذاك فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه. في ليلة القدر اشرق النور في شعاب مكة عندما هبط جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم حاملا اولى كلمات رب العالمين في كتابه الخالد الى يوم الدين: «اقرأ باسم ربك الذي خلق» وقد اختص الله عز وجل شهر رمضان بأن تكون الليلة المباركة واحدة من لياليه العشر الاخيرة ولقد أخفاها الله عز وجل ليجتهد العباد في احياء لياليها العشر طمعا في ادراكها والمشهور انها ليلة السابع والعشرين من رمضان وهو رأي لفريق كبير من الصحابة واحياؤها سنة لقول عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحراها في العشر الأواخر» وكل من يقوم هذه الليلة يؤجر عليها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». ويعلل بعض العلماء الحكمة في اخفائها فيقولون: «ان في الاخفاء اسلوبا من اساليب التشويق الى العمل والترغيب فيه ذلك لأن من طبائع الناس الرغبة في تتبع الاحتمالات المحصورة في عدد معين لنيل الربح العظيم». وبطبيعة الحال نجد ان نفوسنا البشرية مفطورة على حب الاسرار والبحث عنها ومحاولة الوصول اليها كما ان من حكمة اخفائها في العشر الاواخر من هذا الشهر تمييز اهل الحرص على التماس فكان فضل الله العظيم بالتحري والاجتهاد في الطاعة والعبادة. ونظير اخفاء ليلة القدر اخفاء ساعة اجابة الدعاء من يوم الجمعة واخفاء اسم الله الاعظم الذي اذا دعي به اجاب ليكثر المؤمن من دعاء ربه في كل الساعات من يوم الجمعة وليدعو الله بكل اسمائه الحسنى رجاء ان يكون قد دعاه باسمه الاعظم. ومن وصايا النبي صلى الله عليه وسلم للسيدة عائشة رضي الله عنها عندما قالت له: لقد قدر لي ورأيت ليلة القدر ماذا اقول؟ فقال لها قولي: «اللهم انك عفو تحب العفو فاعف عني» وهو اعز مطلب لدى الانسان ففي هذه الليلة نعاهد الله على عدم العودة الى الذنوب ويكون ذلك مصالحة بين العبد وربه فصفاء العبودية لله سبحانه وتعالى والتضرع والتقرب منه يفيض على نفوسنا بالاشراق وعلى سلوكنا بالخشوع لله عز وجل. نكثر في هذه الليلة من الدعاء فالدعاء مخ العبادة «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان» فالمبتلون بالمعاصي والذنوب احوج الى الدعاء من العاكفين في المساجد، والزاهدون القانعون بالكفاح احوج الى لطف الله عز وجل فالكل فقير الى الله: «يا أيها الناس انتم الفقراء الى الله والله هو الغني الحميد». بكل هذه المعاني نستقبل نفحات ليلة القدر مستلهمين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها». أحمد عبدالتواب أحمد