انتهى حكم دولة بني امية للاندلس في 12 ذي القعدة 432 هـ/ 20 نوفمبر 1031م، بعد حكم دام 234 عاماً شهدت فيه بلاد الاندلس تطورات سياسية واقتصادية واجتماعية مهمة، وانجازات حضارية بارزة ذات ابعاد علمية وفكرية وثقافية كان لها ابلغ الاثر في الثورة العلمية التي شهدتها أوروبا والعالم كله بعد ذلك. وحيث تحولت الاندلس خلال هذه الحقبة الزمنية إلى كيان مهم في أوروبا بل وفي العالم الإسلامي والعالم المعاصر كله. وكان سقوط الخلافة الاموية العامل الرئيسي والوحيد الذي ادى إلى انفراط عقد الوحدة الاندلسية، واستقلال كل امير من امراء المسلمين بامارته ومقاطعته ومدينته، واعلان نفسه ملكاً أو سلطانا عليها. وقد بلغ عدد هؤلاء الحكام في الاندلس حوالي عشرين حاكما فيما عرف آنذاك وفي التاريخ بـ «ملوك الطوائف». وقد ادت هذه الفرقة إلى ضعف الاندلس وعجز المسلمين عن الصمود أمام الممالك النصرانية التي اخذت تتوحد في شمال الاندلس وتزحف إلى الجنوب مستولية على البلاد وعاملة على القضاء على الوجود الإسلامي. ساعد على ذلك الانهيار في الدولة الإسلامية بالاندلس وظهور التمزق والشحناء والطغيان والبغي وتسلط الامارات على بعضها البعض، وذلك بعد الغاء نظام الخلافة، وافتقاد القيادة الدينية والسياسية المركزية التي كانت موجودة في قرطبة وتستمد قوتها من مقر الخلافة في دمشق. وقد اتخذ امراء الطوائف لانفسهم تسميات مثل المعتضد والمعتمد والمستعين.. الخ، وجرت الحروب بينهم وطمع فيهم نصارى الشمال الذين توحدوا على عكس حال المسلمين الذين تفرقوا، وكان هدف النصارى استكمال إزالة الوجود الإسلامي في جنوب الاندلس، واخذوا يفرضون الاتاوات على المسلمين، لاسيما وان أي من امراء المسلمين لم يكن لديه القدرة على بناء جيش قوي خاص بامارته، ناهيك ان عدداً منهم اتصفت تصرفاتهم بالانانية والغدر والخيانة والتحالف مع النصارى ضد اخوانه من امراء المسلمين، مما أدى إلى التشتت والضياع. تعاظم قوى النصارى في الاندلس فقد دفع الجزية للملك النصراني «فرديناند» ملوك وامراء الطوائف في طليطلة، واشبيلية، وبطليموس، وسرقسطة لأنهم لم يكونوا قادرين على الدفاع عن ديارهم، وطلب بعضهم التحالف مع النصارى، بل اصبحوا تابعين لهم، وبلغت حركة طرد المسلمين ذروتها في عهد «فرديناند»، وبدا للناس ان ايام المسلمين في الاندلس معدودة، ولولا وفاة فرديناند عام 1065م وتفرق شمل ملكه عقب ذلك لانتهت دولة المسلمين في الاندلس نهائيا آنذاك. آلت زعامة النصارى إلى الملك الفونسو السادس الذي اخذ يعمل على طرد المسلمين بعد ان جمع ملك ابيه «فرديناند»، واستطاع ان يجعل الحرب الدائرة في الاندلس حرباً صليبية ترعاها كنيسة روما وتجند مسيحيي اوروبا كلها من اجل المشاركة فيها، بل ان البابا اوريان قال: «ان الحرب في الاندلس لاتقل عن الحروب الصليبية في الشرق من حيث أهميتها». كانت اضعف الامارات الإسلامية في الاندلس امارة طليطلة التي كان يحكمها ابناء ذي النون، وكانت ولاية واسعة تمتد من حوض نهر تاجة إلى مشارف حوض الوادي الكبير، بل كانت هذه الامارة تمثل ربع مساحة الاندلس، وكان يحكمها امير من بني ذي النون يلقب بالمأمون، وكان يدفع اتاوة سنوية لملك قشتالة وليون النصراني المجاورين له من الشمال والغرب. وكان الملك الفونسو السادس قد بدأ يتطلع إلى طليطلة للاستيلاء عليها، وقد نجح في ذلك بعد ان انتزع من صاحبها، الحصون المحيطة بها، وضرب حصاراً حولها ثم انقض على المدينة فكان لابد من التسليم. كان لسقوط طليطلة اثر ضخم في تزايد حركة طرد المسلمين والهاب حماس القوى الصليبية والعمل على القضاء على المسلمين نهائيا في الاندلس. وبادر ملوك وامراء الطوائف في خطب ود الملك الفونسو الذي كان يطمع في الاستيلاء على قرطبة حاضرة الخلافة بعد ان بدأت الحصون الاسلامية تتهاوى امامه دون ان يرتفع امامه سيف واحد، وهكذا استولى الفونسو على ربع الاندلس دون ان يستعمل سلاحا. استدعاء المرابطين من المغرب إلى الاندلس عندما سقطت عاصمة الاندلس «طليطلة» في ايدي النصارى عام 478 هجرية، اجتمع علماء المسلمين هناك والراشدين من الامراء مثل المتوكل بن الأفطس أمير امارة بطليموس، وقرروا الكتابة إلى زعيم دولة المرابطين في المغرب يوسف بن تاشفين لانقاذ ما تبقى من دولة المسلمين في الاندلس بعد ان ضيعها ملوك الطوائف. وكان على قادة المغرب ان يستجيبوا لهذه الدعوة، لاسيما وان المغرب كانت مهيأة بحكم الواقع الجغرافي والسكاني والعقيدة والدين ان يتحرك اهلها لنجدة اخوانهم في الاندلس. فكما وقع على المغرب دور الفتح في عهد موسى بن نصير وطارق بن زياد عام 92 هجرية، فقد وقع على يوسف بن تشفين زعيم دولة المرابطين، ومن بعده عبدالمؤمن ابن علي زعيم دولة الموحدين، وزعماء بني مرين ان يكون لهم دور الانقاذ، وبذلك تأخر سقوط الإسلام في الاندلس لما يقرب من أربعة قرون اخرى. فقد ادت الفتن المتتالية بين امراء الطوائف، واقتسام المقاطعات والمدن بينهم، وما حل بهم من ضعف وهوان، إلى اندفاع جيوش النصارى كالسيل الجارف للاستيلاء على ثغور الاندلس، ولو ان الامر ترك على هذا النحو لضاع الاندلس كله قبل نهاية القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، وكانت البلاد في اشد حالات الفقر والقهر والضعف، بعد ان فقد المسلمون هناك اقاليمها الغنية ومدنها الكبرى. استعداد المرابطين للتدخل في الاندلس بعد ان اتم يوسف بن تاشفين فتح بلاد المغرب، اخذ يجوب ارجاءه محرضاً القبائل على الجهاد في سبيل الله والتوحد دفاعا عن الإسلام والمسلمين في الاندلس، كما اعد العدة للتدخل هناك، وسير قواته لفتح سبتة وطنجة، وبذلك اصبح المرابطون على صلة بما يجري في الاندلس، ويرقبون المعركة الدائرة بين المسلمين والنصارى هناك، لاسيما وان الفقهاء والعلماء كانوا يرحلون من الاندلس إلى المغرب معتصمين بالمرابطين، ويحضونهم على وجوب التدخل بعد ان اشتدت وطأة النصارى عليهم. ادرك يوسف بن تاشفين ان خطر النصارى لن يكون قاصراً على الاندلس فقط، ذلك ان هدفهم كان أكبر من ذلك ويتمثل في القضاء على مركز الدولة الإسلامية في شمال افريقيا، باعتبار ان المغرب هي القاعدة التي شن منها المسلمون في عام 92 هجرية هجومهم على الاندلس، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً لدولة المرابطين في المغرب. لاسيما وان حركة الاسترداد في عهد «فرديناند» كانت قد اتخذت صفة دولية، بعد ان بدأ النصارى في كافة اوروبا ينظرون اليها كجهاد مقدس، وكان فرديناند يريد ان يلعب دوراً عالمياً ليبسط نفوذه لا على شبه جزيرة ايبريا التي تضم اسبانيا والبرتغال فقط، ولكن على كل غرب أوروبا، ومضت حركة طرد المسلمين من ديارهم في الاندلس حتى بلغت الذروة عند وصول الزحف الصليبي جنوبا إلى مدينة طريف الواقعة على ساحل البحر المتوسط، والتي كانت أول نقطة نزلت عندها قوات المسلمين بقيادة طارق بن زياد عام 92 هـ على ساحل الاندلس. احس ملوك الطوائف وامراؤها باستعداد يوسف لدخول الاندلس، فكاتبوا يوسف تحت ضغط الفقهاء الذين لعبوا دوراً بالغاً في تدخل المرابطين، اذ وضعوا قضية الوطن امام الرأي العام الاندلسي، ودعوا لايجاد وحدة بين القوى الإسلامية للوقوف في وجه الخطر الصليبي الزاحف، ومن هنا عملوا على تأليب الرأي العام على ملوك الطوائف، وبدأوا يمهدون لدخول جيوش المرابطين حتى يلتف الشعب الاندلسي خلفه، بعد ان انهارت قواه المعنوية وفقد القدرة علي المقاومة نظراً لفساد الحياة في البلاد بعد ان خان الامراء الامانة على مرأى ومسمع من الناس. في عام 478 ه/ 1085م عبرت قوات المرابطين بقيادة داوود بن عائشة إلى الاندلس بجيش ضخم استطاع الاستيلاء على الجزيرة الخضراء بعد عبورهم مضيق جبل طارق، واحتلت طلائع المرابطين هذه الجزيرة واتخذوها معسكراً كبيراً لهم تتدفق اليه قواتهم من جنوب البحر المتوسط، والتي اخذت تتحشد وتؤمن نفسها وتقيم خطوط الاتصال مع قاعدتها في المغرب، حيث تتجمع باقي قوات الحملة عند مدينة سبتة، وعلت صيحات الجهاد في الاندلس. عبر يوسف البحر ونزل بالجزيرة الخضراء وخرج اليه اهلها، وسرت في البلاد روح الجهاد، حيث قام الفقهاء والعلماء وقادة الفكر يجوبون البلاد، يعملون على توحيد الجهود مع قوات المرابطين القادمين من المغرب لانقاذهم وانقاذ الاندلس من نير التسلط الصليبي. وقد اوضح يوسف بن تاشفين عند السيطرة على الجزيرة الخضراء حقيقة هدفه عندما قال: «لئن عشت لاعيدن جميع البلاد التي ملكها النصارى في طول هذه الفتنة إلى المسلمين، ولاملأنها عليهم خيلاً ورجالاً لاعهد لهم بالدعة، ولا علم عندهم برخاء العيش، انما هو احدهم فرس بروضة». بدا المجتمع الاندلسي وكأنه يفيق من نوم طويل، واخذ ينفض عن نفسه ما تراكم عليها من هموم، ودبت الحياة في اوصال هذا المجتمع على ايدي هؤلاء المرابطين الذين تاقت نفوسهم إلى الجهاد والاستشهاد. وشعر الناس كأن المعجزة التي طالما انتظروها قد تحققت، وبات الأمر وكأن الاندلس صارت يدا واحدة بعد طول فرق وتحاسد، وأصبح الاندلس بفضل الله وجهود يوسف بن تاشفين وكأنه معسكر واحد كبير. وهكذا تحقق الهدف الذي كان يصبو إليه تاشفين وهو حشد القوى الإسلامية والوقوف في خندق واحد حتى انه لم يبق من ملوك وامراء الطوائف بالاندلس احداً إلا بادر بالخروج بقواته للانضمام إلى قوات المرابطين. اراد يوسف ان يبقى على هذه الوحدة، فعاهد ملوك وامراء الطوائف على ان يكونوا يداً واحدة، ويوحدوا جهودهم لحفظ كرامة الإسلام والمسلمين في هذه الديار، والوقوف امام الزحف الصليبي الجارف، والاطماع التي تحرك الفونسو السادس بعد استيلائه على طليطلة ومحاولته القضاء المبرم على قوات المسلمين في الاندلس. ومع تدفق قوات ملوك وامراء الطوائف اضطر يوسف ان يقسم القوات إلى معسكرين احدها للمرابطين والاخر للاندلسيين. احس المعسكر الصليبي بأن الخطر الإسلامي يتهدده بعد ان توحدت قوى المسلمين في الاندلس تحت زعامة يوسف بن تاشفين، وكان الفونسو السادس يشدد الحصار على امارتي سرقسطة، فاضطر إلى رفع الحصار عنها، وتحول إلى حشد قوى النصرانية ليس في الاندلس فقط، بل في كل أوروبا، حيث ترددت أصوات النجدة في ارجاء البلاد الاوروبية، تذكيها وتشجعها تأييداً للكنيسة التي رفع قساوستها ورهبانها واساقفها الصلبان ونشروا اناجيلهم، وجاءت قوات أوروبية من ايطاليا وفرنسا من خلف جبال البرانس، ومن قشتالة وارغونة وجليقية وليون واشترويس. لواء ركن ـ حسام سويلم: