روى الإمامان البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى في صحيحيهما:عن عبدالله بن مسعود وانس بن مالك، وسهل بن سعد الساعدي وأبي هريرة وأسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهم أجمعين بروايات متعددة قال النبي صلى الله عليه وسلم: اني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا يرد على يوم القيامة رهط من أصحابي. وفي رواية بينا أنا قائم ـ اي الحوض ـ فإذا زمرة، حتى اذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم: أي فقال لهم هلم، فقلت له: أين؟ قال: الى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: انهم ارتدوا على ادبارك بعدك القهقرى، ثم اذا زمرة، حتى اذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم ـ قلت: أين؟ قال: الى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: انهم ارتدوا على ادبارهم بعدك القهقري، فلا اراه يخلص منهم الا مثل همل النعم وفي رواية: وليرفعن معي رجال منكم، ثم ليختلجن دوني، فأقول: يا ربى اصحابي وفي رواية: فأقول: يارب مني ومن أمتي. فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على اعقابهم، فكان ابن ابي مليكة الراوي عن اسماء بنت ابي بكر رضي الله تعالى عنهم يقول: اللهم إنا نعوذ بك ان نرجع على اعقابنا او نفتن عن ديننا. قول النبي صلى الله الله عليه وسلم: (أنا فرطكم على الحوض) اي سابقكم إليه لاصلحه وأهيئه لكم، والفرط هو الذي يتقدم من يريدون الماء، ليصلح لهم الحوض فهنيئا لوارديه، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه من غير عذاب، إنه منعم وهاب وفي هذا بشارة عظيمة، لهذه الأمة المحمدية، زادها الله شرفا. قال عليه الصلاة والسلام: (من مر علي شرب) اي من مكن من المرور على شرب منه وفي رواية: (ومن صرف عنه لم يرد أبدا)، (ان شرب منه لم يظمأ أبدا). (وليردن على اقوام اعرفهم ويعرفونني) (ثم يحال بيني وبينهم) وفي رواية: (ثم ليختلجن) اي يجذبون ويقتطعون مني، ويؤخذون بشدة، وقوله عليه الصلاة والسلام: (اختلجوا دوني) اي بالقرب مني. فأقول: (اصحابي) وفي رواية (اصيحابي) بالتصغير للتقليل اي هم من أمتي اي ان الذين يحال بيني وبينهم هم من أمتي. فيقال: (انك لا تدري ما احدثوا بعدك) اي من المعصية الموجبة لطردهم وبعدهم عن الحوض، فالمعاصي سبب الطرد والحرمان من الشرب. (فأقول: كفا كفا) اي بعدا، وكررها مرتين تأكيدا اي بعدا فبعدا (لمن غير بعدي) اي غير دينه، لأن هذا الكلام لا يقال للعصاة بغير الكفر، بل يشفع لهم النبي صلى الله عليه وسلم، ويهتم بأمرهم، لأنه صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رؤوف رحيم. أما قوله عليه الصلاة والسلام في بعض الروايات (يرد علي يوم القيامة رهط) الرهط ما دون العشرة الى الاربعين. (يختجلون) اي يبعدون ويطردون، ويصرفون عن الحوض. (انهم ارتدوا على ادبارهم القهقرى) القهقري هي الرجوع الى الخلف من غير أن يحول الإنسان وجهه الى جهة مشيه، والمراد الارتداد عما كانوا عليه. وقول النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الروايات: (حتى اذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم) اي ملك على صورة رجل موكل بذلك فقال الرجل لهم: هلم. أي تعالوا ـ قلت له: أين تذهب بهم؟ قال الملك: اذهب بهم الى النار قلت له: (ما شأنهم) حتى نذهب بهم الى النار (فلا اراه يخلص منهم) اي فلا اظن انه يخلص من هؤلاء الذين دنوا من الحوض، وكادوا يردونه، فصدوا عنه. (الا مثل همل النعم) اي ضوال الابل او التي ليس لها راع، يعني ان الناجي منهم قليل، في قلة الجمال الشاردة، وهذا يشعر بأنهم صنفان: كفار وعصاة الكلام على الحوض: اختلف في حوض النبي صلى الله عليه وسلم: هل هو قبل الصراط، أو بعده؟ قال ابوالحسن القابي من المالكية: الصحيح ان الحوض قبل الصراط. قال القاضي عياض في التذكرة شرح اسماء الله الحسنى: والمعنى يقتضي ان يكون الحوض قبل الصراط، فإن الناس يخرجون من قبورهم عطاشا، واستدل القاضي رحمه الله تعالى بما في البخاري من حديث ابي هريرة رضى الله تعالى عنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم بينا أنا قائم على الحوض، اذا زمرة، حتى اذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم. فقلت: الى اين؟ قال: الى النار والله. قال: فهذا الحديث يدل على ان الحوض يكون في الموقف قبل الصراط، لأن الصراط انما هو جسر محدود، يجاز عليه، فمن جازه سلم من النار. وقال آخرون: إن الحوض بعد الصراط، وهذا ما مال اليه البخاري رحمه الله تعالى وفي حديث انس بن مالك رضي الله تعالى عنه عند الترمذي رحمه الله تعالى ما يدل لهذا الرأي ولفظه: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يشفع لي، فقال: أنا فاعل. فقلت: أين اطلبك؟ قال: اطلبني أول ما تطلبني على الصراط. قلت: فإن لم القك؟ قال: أنا عند الميزان. قلت: فإن لم القك؟ قال: أنا عند الحوض ويؤيد هذا الرأي وان الحوض بعد الصراط ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من شرب منه لم يظمأ أبدا) لانه يدل على ان الشرب منه يكون بعد الحساب والنجاة من النار، لأن ظاهر حال من لا يظمأ، أن لا يعذب بالنار. وهناك قول ثالث بأن للنبي صلى الله عليه وسلم حوضين: أحدهما في الموقف قبل الصراط والآخر في الجنة، ذكر هذا القول القرطبي رحمه الله تعالى في التذكرة. والراجح القول بأن الحوض في أرض الموقف قبل الصراط، لأنه إنما يحتاج اليه في موقف يتعرض الناس فيه للعطش الشديد، وذلك إنما يتحقق في الموقف. فأهل النار مقطوع بحرمانهم من كل ما يدفع عنهم العطش كما قال تعالى: (ونادى أصحاب النار اصحاب الجنة ان افيضوا علينا من الماء او مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين) وأما أهل الجنة فهم في اعظم نعيم يسقون من رحيق مختوم، فلم يبق مكان يحتاج المؤمن فيه الى دفع العطش سوى ارض الموقف. د.محمود عبد المتجلي