مر معنا حديث عن جنات الدنيا وثمارها واشجارها، ولكن ثمار الجنة شيء آخر لونا وطعما ولذة ومنظرا، اما الشجر فلا تستطيع يد رسام ان تعبر عنه لانه لا يحيطه وصف، فلا انت تستطيع ان تتخيل كل الحقيقة، وحتى جزء الحقيقة انت لا تعرف عنه الا الاسم فقط، فالشجر في الجنة ظله دائم وظيل، كما قال تعالى: مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الانهار اكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا» 35 الرعد، وقال (وندخلهم ظلا ظليلا) 57 النساء. وكلمة (ظليل) هنا تفوق الخيال، لان ظل الشجرة في الجنة يسير فيها الراكب مئة عام لا يقطعها، كما ورد في الصحاح فكم هو ارتفاع هذه الشجرة؟ انها لو زرعت في الارض لغطى عشرها الارض كلها، واما الثمار فانها ثمار من عالم آخر، تأتي بقدرة الله وتتغير بقدرة الله، ويتلون طعمها كل يوم بلون آخر يقول تعالى (وبشر الذين امنوا وعملوا الصالحات ان لهم جنات تجري من تحتها الانهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل واتوا به متشابها ولهم فيها ازواج مطهرة وهم فيها خالدون) 25 ـ البقرة، انه ثمر من عالم آخر، ولا نقول انه عالم الخيال لانه عالم حقيقة بل الحقيقة بعينها، ولا نقول انه عالم غريب، لان الغرابة قد تعنى النكارة وقد تعني الشيء الغير مألوف، ولكن نقول انه عالم القدرة المطلقة وهو عالم بلا حدود، لان السموات السبع وما تحوي سوف تذهب جميعا وتبقى الجنة وسقفها عرش الرحمن، ولك ان تتصور ان العرش محيط بالكرسي والكرسي يحوي عالم السموات والارضين، اي هذا الكون كله ماهو الا حيز صغير من عالم الكرسي. وعالم الكرسي هو جزء من عالم العرش، ثم العرش يكون سقفا للجنة، فهو اذن اتساع لايحده خيال ولا يصل الى ادراك سعته عقل، وهذا يزيد اللوحة جمالا في النفس وعظمة وبهاء. وكذلك فان الانسان عندما يفكر في شيء لا يستطيع تصور حدوده، يمتلكه شعور بالحيرة الممزوجة بالسعادة والدهشة، ويحاول ان يفكر ويفكر ولكن لاينتهي به التفكير الى شيء، وهذا التفكير في حد ذاته يزيد الجمال جمالا، لانك ستعاود التفكير مرة ومرات، وانت في داخلك تربط هذا التفكير بالاحلام، فيراودك الحلم بدخول هذه الجنة، ثم يعرج بك التفكير الى اسباب دخولها، وثمن تذكرة الدخول، فتجد ان ثمن التذكرة مقدور عليه مهما كنت فقيرا بل الفقراء اقدر عليه من الاغنياء، فالاغنياء قد تشغلهم الدنيا ويطغيهم المال والسلطان (كلا ان الانسان ليطغى ان رآه استغنى) فيبعد بهذا الطغيان عن الجنة، وينشغل عن التفكير بهذا كله. اما الفقير فدائم التضرع واللجوء الى الله تعالى، ولا يشغله عن طلب الجنة مال ولا سلطان، فتزداد احلامه بالجنة كلما فكر فيها، وكلما تلا آيات من كتاب ربه تداعبه احلامه ان يدخل في رحمة الله في جنة عرضها السموات والارض. فهد الهاجري