في تجديد الفكر الإسلامي لا يمكن إغفال قضية الاستشراق ومناهج المستشرقين وأسلوب تعاملنا مع هذه القضية، فلا شك أن الرؤى التجديدية في هذا المجال تحتم علينا أن نطرح على أنفسنا العديد من الأسئلة حول أسلوب التعامل مع الاستشراق لدى باحثينا وجامعاتنا؟ وكيفية الخروج من النظرة التقليدية له وتحميله فوق طاقته، والبعد عن الأوهام التي تجعل من البعض يطلب من المستشرقين أن يقوموا بالعمل لتصحيح صورة الإسلام والمسلمين بالنيابة عنهم..! إننا نرى أن التجديد في هذا المجال يحتم علينا التأسيس لعلم يتعامل مع مجمل الفكر الغربي بما فيه ما ينتج عنا وما يجرى من دراسات، بمعنى آخر أن يكون لدينا ما يمكن أن نطلق عليه علم الاستغراب ليكون مقبلا للاستشراق. أما دواعي ذلك وأسبابه فيحتاج إلى تفصيل. لعل أول هذه الدواعي: أن جانبا كبيرا من الدراسات التي يقم بها علماء غربيون حول العالم الإسلامي تنطلق من رؤى وأهداف تتعلق بخطط الغرب ومصالحه في عالمنا العربي والإسلامي. من ثم فإنه لا تكفي ولا تحقق الأهداف التي يريدها العرب والمسلمون من هذه الدراسات، إذ هذه الدراسات تقدم للرأي العام الغربي وربما العالمي صورة لعالمنا العربي والإسلامي بعيون غربية لا تخلو من التحيز . ومن أمثلة الذين يتبنون هذا الموقف من الباحثين العرب والمسلمين الدكتورة الأستاذة بوحناشة نورة-الأستاذة بجامعة قسنطينة بالجزائر التي ترى أن الاستشراق هو «إعادة قراءة الشرق بمنطق سلطوي يؤسس للتميز بين نمط المعرفة الغربية التي توصف دائماً بالعقلانية وبين الثقافة الشرقية التي بدت في كل التقريرات الاستشراقية عنواناً لنمط التفكير الأسطوري ونموذجاً لعقل لا يمتلك الربط بين البرهان وبين المقدمات والنتائج المنطقية، لذلك فهو فاقد للقدرة على نتائج العلم بمضمونه الموضوعي وعاجز عن التحليل السببي للظواهر الطبيعية». ويتبنى هذا الموقف أيضا الدكتور عمار يزلي- الأستاذ بكلية العلوم الاجتماعية بجامعة وهران- الذي يرى أن الاستشراق في تأكيده على مسلمات مثل الأمية«و«الجاهلية»وعدم«قابلية الفكر العقلاني »وابتعاد العرب عن «الإنتاج المادي»إنما ينطلق من المنهجية ذات النزعة المركزية الأوروبية. وعلى الرغم من تغيير عمل الاستشراق مؤخرا ومحاولة كثير من المستشرقين التحلي بالمنهج العلمي، والتخلص من أوزار تاريخ الاستشراق المعروفة التي لصقت به خدمة الأهداف الاستعمارية للغرب، فإن الأمر لا يسلم تماما، ولا يسد حاجتنا لقيام العرب والمسلمون بتقديم صورتنا وواقعنا وحضارتنا للغرب وللعالم أجمع. وعلى الرغم من أن الغرب قد ألغى مصطلح استشراق في المؤتمر الدولي للجمعية الدولية للمستشرقين عام 1973م التي أصبحت تسمى «الجمعية الدولية للدراسات الإنسانية حول آسيا وأفريقيا»ثم أصبحت «الجمعية الدولية للدراسات الأسيوية والشمال أفريقية». إلا أن جهود هذه الجمعية منذ عام 1973 لم تنجح في تغيير الصورة النمطية للمسلمين والعرب في أذهان الغرب، فهذه الصورة التي ترجع جذورها للحروب الصليبية والتي تدين للمستشرقين بالكثير من أسباب بقائها، لا تزال نشطة في الذاكرة، وبل يتم توظيفها من حين إلى آخر ضد مصالح المسلمين وقضاياهم الجوهرية، بل في التسرع باتهامهم بالعنف والإرهاب كما حدث مؤخرا بعد تفجير نيويورك وواشنطن في ديسمبر الماضي. هذا لا يقلل من أهمية الدور الذي قام به ولايزال الاستشراق في رصد معالم الحضارة الإسلامية، على الرغم من تحفظات البعض على هذا العمل. بل أن جهود بعض مستشرقون المخلصين من أمثال د. زيجرد هونكا ود. آن ماري دي شمبل لا أحد ينكرها في بيان فضل العرب والمسلمين على الحضارة الحالية، وتقديم صورة حقيقة عن إسهامات علماء المسلمين في شتى فروع المعرفة، والبحث عن الأصول العربية للعديد من المفردات التي لا تزال تستخدم في اللغات الغربية. ولكن نظلم الاستشراق والمستشرقين إذا طلبنا منهم أن يقوموا بما يجب أن يقوم به العرب والمسلمون، أو يعملوا نيابة عنا. وإذا تأملنا ما يقوم به العرب والسلمون في هذا الميدان، نجد أنه ضئيل ومحدود، فدراسة الاستشراق أو الدراسات العربية والإسلامية في الغرب حول العالم الإسلامي جزء من البرامج الدراسية التي تتناول المذاهب الهدامة في كليات الدعوة بالجامعات الإسلامية وباستثناء قسم الاستشراق جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالمدينة المنورة، لا نجد أقسام عن هذا التخصص في الجامعات العربية والإسلامية. وفي أغلب الأحوال يتم دراسة هذا التخصص بشكل تقليدي من خلال التعرف على ما يقوم به الغرب من دراسات حول العالم الإسلامي من النواحي العقدية والتشريعية والتاريخية واللغوية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، للإفادة من إيجابياتها وتفنيد السلبيات والرد عليها. أما قسم الاستشراق الذي أنشئ عام 1983م بجامعة الإمام محمد بن سعود، فقد بدأ في تقديم برنامج الماجستير والدكتوراه حتى أصبح عدد الحاصلين على الدكتوراه خمسة . وهذا العمل تقوم به جماعات عربية وإسلامية عديدة وإن لم يكن بها قسم للاستشراق. وتنظم بعض الجامعات الإسلامية مؤتمرات حول هذا المجال، ومن أحدثها الملتقى الدولي حول: الدراسات الاستشراقي الذي نظمته جامعة وهران خلال العام الماضي. وينصب العمل عادة في مثل هذه المؤتمرات على دراسة ونقد ما يقوله علماء الغرب سواء تحت اسم الاستشراق أو الدرسات العربية عن العالم الإسلامي. كما أن العديد من الكتب المتخصصة في الاتجاهات الفكرية أو المذاهب الفكرية المعاصرة تجعل الاستشراق أحد هذه المذاهب أو الاتجاهات. وتتناول الاستشراق بصورة نمطية مكررة من قبيل : نشأة الاستشراق، دوافع الاستشراق وأهدافه، ومدارسه الجغرافية أو الفكرية. ولكن تجديد الفكر الإسلامي في هذا المجال يحتم أن نتساءل عما إذا كان الاستشراق حقاً أحد المذاهب الفكرية أو الاتجاهات الفكرية ؟ وهل ينطبق على الاستشراق ما ينطبق على الوجودية أو الماركسية أو الماسونية؟ وهل يمكن البحث في الاستشراق بعيداً عن مثل هذا التصنيف ؟ وهل يكفي ما تقوم به الدراسات الإسشراقية ؟ وهل يمكن لنا أن نعدل برامجهم بما يخدم مصالح المسلمين؟ ولأي مدى يمكن للباحثين العرب والمسلمين أن يشاركوا في مشروعات البحثية الغربية حول العالم الإسلامي؟ وكيف يمكن أن تكون هذه المشاركة إيجابية تدفع إلى مزيد من الموضوعية والتحلي بالمنهج العلمي في هذه الدراسات ؟ أم ستلاحق من يشارك في هذه الدراسات تهمة العمالة؟ ثم لماذا لا يوجد لدينا منهج وعلم لدراسة الغرب حضارة وثقافة وفكر، من خلال ما يمكن أن نطلق عليه : الاستغراب ليكون مقابل للاستشراق بحيث يكون دراسة الاستشراق جزء من هذا الاستغراب؟ وكيف يمكن أن نبتكر مناهج ترتبط بأهدافنا وليس تكرارا لمناهج المستشرقين؟ مثل هذه التساؤلات يشاطرنا في أهمية طرحها العديد من المفكرين وعلماء المسلمين المعنيين بهذه القضية، ومنهم الدكتور مازن صلاح مطبقاني استاذ الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة. وينبه إلى أن الدراساتّ العربية الإسلامية في الغرب تستمد قوتها وانتشارها من خلال الإمكانات الضخمة المتوفرة لها التي تكفل لها الانتشار في أنحاء العالم، فرابطة دراسات الشرق الأوسط الأمريكية تضم آلاف الباحثين من شتى أقطار الأرض، ويتساءل هل نسعى نحن في العالم الإسلامي إلى دراسة أنفسنا وتكوين الرابطات المتخصصة في ذلك بحيث يكون لنا يد في توجيهها الوجهة التي توضح الصورة الحقيقية للإسلام والمسلمين . د. محمد يونس