تعتبر كيرالا من الجنات الجميلة على الارض فهي غنية بشواطئها الجميلة والمساحات الخضراء الكثيرة والشاسعة. وتقع في جنوب غربي الهند وتنتشر فيها أشجار جوز الهند والنخيل وتشكل جبالها ووديانها تجربة مثيرة لكل من يزورها. كما انها غنية بصنوف مختلفة من البهارات. وقد وصل اليها التجار العرب واقاموا معها علاقات تجارية قبل الاوروبيين والصينيين. وأنشأ العرب مراكز تجارية في كالكوتا وكانانور.وكانوا يقايضون التمر المجفف بالبهارات الهندية وبعد العرب جاء الصينيون وبعدهم الاوروبيون والبرتغاليون ثم الهولنديون ثم الانجليز. وترك كل شعب من هذه الشعوب آثاره في انحاء البلاد. وكل هؤلاء كانت محطتهم الاولى في مدينة البهارات حصن كوشين. واليوم مدينة كوشين هي العاصمة التجارية لكيرالا وكانت محطة العديد من الرحالة والارساليات خلال قرون عديدة. وعبر السنين الطويلة صار اسمها ملكة بحر العرب. وفيها مطار يصلها بأنحاء العالم وطرقات برية وسكك حديدية ومسالك مائية تصلها بما حولها من مناطق. ويعد حصن كوشين من أبرز المعالم السياحية والتاريخية والحضارية بمدينة كوشين. وهذا الحصن يستعمل اساسا لاغراض متعلقة بالصيد ويعود تاريخه الى العام 1341ه. والعرب كانوا اول التجار الذين قدموا الى المدينة وكانوا يدخلونها من جهة الحصن وجنوبه تحديدا. وقدموا من الحجاز وهم من اطلق على الحصن وكان العرب قد بدأوا تجارتهم مع كالكوتا قبل ان يستهدوا على كوشين. وكانت تنقل صنوف البهارات عبر البحر الاحمر والي السويس وتنقل الى اليابسة عبر كارافانات ثم الى البحر المتوسط لتصل الى القارة الاوروبية. وبعد العرب جاء الصينيون بأعداد كبيرة وتمركزوا على شاطئ كيرالا. يقول الرحالة والمؤرخ ابن بطوطة ان السفن الصينية كانت بضخامة المدن وتضم فيها العديد من أنواع الاعشاب والزنجبيل. وفيها غرف كبيرة خاصة بالملاحين والعمال وكان الصينيون أغنى الناس في العالم. وقال نيكولاس كونتي انه اذا كانت الصين مكان تجميع المال فان كوشين هي مكان انفاقه. ولاتزال آثار الصينين في ادوات الصيد حتى الآن على شواطئ كوشين تذكر بمدى قوتهم وبالايام الغابرة التي اتوا فيها الى المدينة. وصار حصن كوشين مركزا للاوروبين بين عامي 1500و1520وهو المكان الوحيد الذى توالى عليه ثلاثة من الشعوب الاوروبية. وكان أولهم البرتغاليون في العام 1500الذين قدموا بعشر سفن ووقع معهم ملك كوشين معاهدة صداقة نتيجة لعدائه مع حكام كالكوتا واستمرت هذه المعاهده لمدة163سنة. وقدم فاسكودي جاما في العام 1500بحثا عن التوابل وعاد بعد عامين. وسمح ملك كوشين للبرتغاليين ببناء حصن في كوشين على نفقة البلاد. وبني هذا الحصن من خشب شجر جوز الهند وسمي حصن مانويل نسبة الى الملك مانويل ملك البرتغال. وداخل الحصن بنى البرتغاليون مدينة فيها العديد من الشوارع والطرقات. وبقي البرتغاليون يتحكمون في نواحي كوشين الاقتصادية والسياسية حتى العام 1663 وانهى هذه السيطرة الغزاة الهولنديون. وخلال الحكم البرتغالي كانت المكتبة التي اسسوها اكبرالمكتبات في آسيا في وقتها. وكانت ملحقة بمدرسة في مدينة كوشين ودمرت هذه المكتبة ابان الغزو الهولندي. ولم يقيم الهولنديون المدارس او المراكز الخيرية وكان كل همهم التجارة والربح. وكان يرى الهولنديون انه من الحماقة بناء المدارس أو الابنية او المرافق التي تعود على اهل كوشين بالفائدة او اي شيء يطور ثقافة كوشين. كما كان كل ما بنوه هو مساكن لحكامهم وفيما بعد مقابر لمن يتوفى من الهولنديين. ولكن بعد قيام الثورة الفرنسية واعتراف الحكومة الهولندية بها استغلت بريطانيا الموقف وقامت الحكومة البريطانية في مدراس بالطلب من الهولنديين في حصن كوشين ان يستسلموا. وكان البريطانيون يدركون منذ مدة طويلة الاهمية الاستراتيجية لحصن كوشين ورفض الحاكم الهولندي الاستسلام فقام البريطانيون بتحطيم الجدران الجنوبية لحصن كوشين. واستسلم الهولنديون بعد ذلك للانجليز في 20 أكتوبر من العام 1795 الذين قاموا بهدم بعض الابنية التي بناها الهولنديون. واحتل الانجليز حصن كوشين حوالي 152 سنة وحتى 14 اغسطس من العام 1947واستفادوا كثيرا من تجارة التوابل في اصنافها المختلفة وخلال الحكم البرتغالي والهولندي شهد حصن كوشين بناء العديد من السفن اما الانجليز فلم يهتموا ببناء السفن في حصن كوشين لان بناءها كان مكلفا. وبعد فترة نشط بناء السفن التجارية وكان يستفيد منها التجار الفرس والعرب والعديد من التجار المسلمين المحليين وكانت على جودة عالية وذات نوعية متميزة. وعبر السنين الطويلة حافظ سكان كوشين على هويتهم الاسلامية واخلصوا لمعتقدهم وبنوا العديد من المساجد ليمارسوا فيها شعائر دينهم وصار الحصن الذي كان واجهة بحرية لمدينة كوشين هو بوابة المدينة وصار هو المدينة وهو لذلك يختلف عن اي حصن تاريخي آخر من حيث انه حصن ممتد ومتداخل مع اجزاء المدينة ولا يستعمل لاغراض حربية بل كان اساسا لاغراض متعلقة بالصيد. وشكل على مر العصور بوابة مر منها الغزاة ورحلوا منها في النهاية ولم تخرج منها عقيدتهم والرسالة السمحاء التي آمنوا بها وهي رسالة الاسلام التي طبعت اخلاقهم وتصرفاتهم وهذبت نفوسهم وقومت سلوكياتهم. ولذلك يمكن اعتبار الحصن «المدينة او المدينة الحصن» سدا منيعا في وجه الغزاة وحاميا رئيسا لعقيدتهم الاسلامية التي يتمسكون بها ولم تؤثر الارساليات والبعثات التنصيرية على معتقداتهم. اميمة وجيه