الاسلام هو النظام الذي قرره الله للحياة البشرية وهو المنهج الذي يسير عليه نشاط الحياة والله جل جلاله هو صاحب الحق في وضع المناهج بلاشك قال تعالى: (ياأيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر ذلك خير وأحسن تأويلا). فشرع الله هو المعروف وتشريع البشر المخالف لشرع الله هو المنكر وما جاءت شريعة الله الا لتكون كلمتها هي العليا فالذين يؤمنون بالله عليهم ان يسعوا للقضاء على المنكر الاكبر وان يحكموا شرع الله ويشغلوا انفسهم بالوسائل التي تؤدي لذلك والنظام الاسلامي يمضي مع الحياة مهمينا عليها يصونها من المنكرات ويحفظها من العبث ويقدم لها المقومات التي تقوم على الحق والعدل ليعيش الناس سعداء آمنين فلا منكرات تفرق جمعهم ولا تآمر يجعل القلق يسيطر عليهم وحين يخفت صوت المنكر ويتوارى الفساد من حياة الناس يستقر الخير عملا وسلوكا. وقد عودنا القرآن الكريم في سياقه التوجيهي ان يذكر المعروف في خير التكليف والترغيب وان يذكر المنكر في خير النهي والتشنيع وكثيرا ما نسمع الناس يناشد بعضهم بعضا بعمل المعروف أو يعير بعضهم بعضا بالمنكر، فالقرآن والفطرة الانسانية على تجاوب في هذا الصواب واقرب المفاهيم إلى القبول واليقين ما تجاوبت فيه الفطرة مع التشريع الديني كالذي نحن بسبيله وان كانت احكام الاسلام كلها كذلك غير الداعين لها وما دامت الفطرة متجاوبة مع القرآن في استحسان المعروف واستهجان المنكر فالمدى فسيح لكل منهما فيتناول ما يتصل بشئون الدين والدنيا جميعا يقول تبارك وتعالى: (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها اذى). وتبدو عناية القرآن واضحة في تنويع اسلوبه ومنهج دعوته ليدخل بهدايته إلى قلب الانسان من كل ناحية وبكل اسلوب يدركه الانسان كما في وصية لقمان لابنه (يا بني اقم الصلاة وامر بالمعروف وانه عن المنكر). ثم ان القرآن لا يعتبر الاخذ بالمعروف والتنزه عن المنكر مجرد وصف شخصي بل يعتبرهما رسالة متبادلة بين اهله وهذا وصف القرآن للمؤمنين الاوفياء لدينهم (الراكعون الساجدون الامرون بالمعروف والناهون عن المنكر). ويقول الله تعالى ايضا في وصفهم «كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر). ومن خلال هذه التوجيهات ندرك ان كل امريء مسئول عن رعاية غيره بالنصح ويعتبر الاسلام ان تبادل النصح بالمعروف واجتناب المنكر رسالة بين الرعية وحكامها ولقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم ان تبادل النصيحة بلغ من الشأن ان يكون هو الدين كله فقال صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة؟ قال قائل لمن يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم لله ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم». ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر له خمس مراتب: 1ـ التعريف. 2ـ الوعظ بالكلام اللطيف. 3ـ السب والتعنيف. 4ـ المنع بطريق المباشرة مثل اراقة الخمر واستلاب الثوب المغصوب منه ورده إلى صاحبه. 5ـ التخويف والتهديد بالضرب مثل تخويف المواظب على الغيبة والقذف فان سلب لسانه غير ممكن ولكن يحمل على اختيار السكوت بالتخويف. عن انس رضي الله عنه قال: قلنا يا رسول الله لا نأمر بالمعروف حتى نعمل به كله ولا ننهي عن المنكر حتى تجتنبه كله فقال صلى الله عليه وسلم «بل مروا بالمعروف وان لم تعملوا به كله وانهوا عن المنكر وان لم تجتنبوه كله». فان اراد احدكم ان يأمر بالمعروف فليوطن نفسه على الصبر وليثق بالثواب من الله فمن وثق بالثواب من الله لم يجد مس الاذى ولذلك قرن الله تعالى الصبر بالامر بالمعروف فقال حاكيا عن لقمان (يا بني اقم الصلاة وامر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما اصابك). ويدل على وجوب الرفق ما استدل به المأمون اذ وعظه واعظ وعنف له في القول فقال يا رجل: ارفق فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني وامره بالرفق فقال تعالى (فقولا قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) وهذه الرواية تدل على مدى صبر النبي صلى الله عليه وسلم في تهذيب النفوس فقد روى ابو امامه ان غلاما شابا اتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال «يا نبي الله اتأذن لي في الزنا؟ فصاح الناس به فقال النبي صلى الله عليه وسلم (قربوه ادن «اي اقترب» منا حتى جلس بين يديه فقال النبي صلى الله عليه وسلم (اتحبه لامك؟) فقالك لا جعلني الله فداك قال: كذلك الناس لا يحبونه لامهاتهم اتحبه لابنتك؟ قال لا جعلني الله فداك قال: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم اتحبه لاختك؟ وزاد ابن عوف حتى ذكر العمة والخالة والشاب يقول في كل واحد: لا جعلني الله فداك وهو صلى الله عليه وسلم يقول (كذلك الناس لا يحبونه) فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره وقال «اللهم طهر قلبه واغفر ذنبه وحصن فرجه» فلم يكن شيء ابغض اليه منه أي من الزنا. واذا انتقلنا بعد ذلك إلى المنكرات والعياذ بالله فلنعلم ان المنكرات تنقسم إلى مكروهة ومحظورة، فإذا قلنا هذا منكر مكروه فاعلم ان المنع منه مستحب والسكوت عنه مكروه وليس بحرام الا اذا لم يعلم الفاعل انه مكروه فيجب ذكره له لان الكراهة حكم في الشرع يجب تبليغه إلى من لا يعرفه واذا قلنا محظور أو قلنا منكر مطلقا فنريد به المحظور ويكون السكوت عليه مع القدرة محظورا وانواع المنكرات على سبيل المثال لا الحصر. 1ـ منكرات الصلاة وهي العجلة في الصلاة واخطاء القراءة وتطويل الاذان وبعض ثياب الخطيب وبعض كلام الوعاظ. 2ـ منكرات الاسواق وهي الكذب في المرابحة والشروط الفاسدة وبيع الملاهي. 3ـ منكرات الشوارع ربط الدواب على الطريق وتحميل الدواب من الاحمال ما لا تطيقه وكذلك طرح القمامة في الطريق أو ترك مياه الثلج والمطر والاوحال فيها. 4ـ منكرات الحمامات ومنها كشف العورات والنظر اليها وغمس اليد والاواني النجسة في المياه القليلة. 5ـ منكرات الضيافة ومنها فرش الحرير للرجال فهو حرام واجتماع النساء على السطوح للنظر إلى الرجال والاسراف. ونوجز القول لنقول ان على الانسان ان يتعب نفسه في دفع المعاصي كما عليه ان يتعب نفسه في ترك المعاصي والمعاصي كلها في تركها تعب وانما الطاعة كلها ترجع إلى مخالفة النفس وهي غاية التعب ثم لا يلزمه احتمال كل ضرر فالمقصود حق الشرع والغرض دفع المعصية. حسن صلاح عزام