الحمد لله حمد الشاكرين وصلى الله على المبعوث رحمة للعالمين وبعد.. سورة الماعون من السور المكية وعدد آياتها سبع، وعدت السابعة عشرة في عداد نزول السور نزلت بعد التكاثر وقبل سورة الكافرون. وسميت هذه السورة بـ «الماعون» لورود لفظ الماعون فيها دون غيرها، هذه السورة جاءت بمقصد عظيم وهو التعجب من حال من كذبوا بالبعث وتفظيع أعمالهم من الاعتداء على الضعيف واحتقاره والامساك عن اطعام المسكين والاعراض عن قواعد الاسلام من الصلاة والزكاة لأنه لا يخطر بباله ان يكون في فعله ذلك ما يجلب له غضب الله وعقابه. والسورة هنا أخذت عنوانها من مضمونها، عند ذكر الماعون، والماعون يطلق على الإعانة بالمال، فالمعنى: يمنعون فضلهم، أو يمنعون الصدقة على الفقراء فقد كانت الصدقة واجبة في صدر الإسلام بغير تعيين قبل مشروعية الزكاة كما يطلق هذا التعريف (الماعون) على ما يستعان به على عمل البيت من آنية وآلات طبخ وشد وحفر، ونحو ذلك مما لا خسارة على صاحبه في إعارته واعطائه. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «الماعون، الماء، والنار، والملح، وفي هذا ذم كبير لكفار قريش بمنتهى البخل وهو الشح بما لا يرزءهم». وإذا نظرنا إلى مقاصد أسماء السور وحاولنا الوقوف عند هذه المعاني سوف نجد ان الإسلام يعالج قضايا الحياة بطريقة أعظم من كل صفة موجودة وكل لغة مدروسة، فلا تقل ديمقراطية ولا فلسفية ولا فكرية ولا.. إلخ، لماذا لأن هذه الكلمات في هذا القرآن العظيم كلمات معدودة ولكن لا تحصى وقد يعد الماعون ولكن مرادفاته وفضائله وعلومه تأتي على كل وجهة وعلى حسب المراد، لهذا كان مقصد سورة الماعون توضيح دلالة عظيمة في موعظة الايمان والصدق واليقين على ذات الله سبحانه وتعالى، لأن الله جعل في السورة أكثر من توجيه قبل ان يختتمها بالماعون ولو رجعنا إلى مفردات السورة ومعانيها وهو «الدين» وهو الجزاء، وقيل الاسلام كله، «يدع اليتيم» ينهره ويزجره زجراً شديداً «ولا يحض على طعام المسكين»، لا يحث عليه، «فويل» الهلاك، «ساهون» غافلون عنها «الماعون» كل ما يستعان وينتفع به، ومن خلال المفردات نرى ان الله تعالى ذكر حال هؤلاء المشركين وان من صفاتهم الذميمة، انهم يهينون اليتيم ويدفعونه ويغلظون له القول ويزجرونه، ولايفعلون الخير حتى ولا بالتذكير بحق المسكين والفقير، فلا هم احسنوا إلى المعاملة مع الله، ولا المعاملة مع خلقه، وما عبدوا الله ولا أحسنوا إلى عباده، بل هم في شك من أمر القيامة ولقاء الله تعالى. لذا نجد ان هذه السورة على صغر حجم آياتها إلا انها توعدتهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، وشنعت عليهم صنيعهم القبيح اعظم تشنيع بأسلوب يدعو إلى الاستغراب والتعجب، ومن جهة أخرى نجد ان هذه السورة تحاور هذا العقل وتدعوه إلى النظر فيما حوله وتذكره بنعمة الله عليه وتدعوه إلى العمل الصالح النافع من خلال ذم الخصال الذميمة وانها خصال غير حميدة وتحمل في طياتها الدعوة إلى الخصال الحميدة بمفهوم المخالفة عن طريق معرفة هذا الدين والمحافظة على الصلاة والزكاة والرحمة لليتيم والعطف على المسكين وبذل الماعون في مصالح العبادة المختلفة، هذه الاشارات في هذه السورة «الماعون» دلت قائله: أرأيت فلاناً ماذا صنع، أو كيف عرض نفسه للمخاطر، أنت في كل ذلك تريد بعث المخاطب على التعجب مما فعل، والدين: هو الخضوع لما وراء المحسوس من الشئون الالهية التي لا يمكن الانسان ان يعرف حقيقتها وإنما يجد آثارها في الكون باعثة على الإذعان والتصديق كوجود الله ووحدانيته وبعث الرسل مبشرين ومنذرين، وان من اشارات السورة «الماعون» كأنها تقول للمسلمين الذين يزعمون انهم يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ان يقيسوا أحوالهم وما يجدونه من أنفسهم بما يتلون في هذه السورة الشريفة؟ ليعرفوا هل هم من قسم المصدقين أو المكذبين؟ وليقلعوا عن الغرور برسم هذه الصلاة التي لا أثر لها إلا في ظواهر أعضائهم، وبهذا الجوع الذي يسمونه صياماً، لا أثر له إلا في عبوس وجوههم وبذاءة ألسنتهم، وضياع أوقاتهم في اللهو والبطالة وليرجعوا إلى الحق من دينهم، فيقيموا الصلاة، ويحيوا صورتها بالخشوع للعلي الأعلى سبحانه وتعالى، فلا يخرجون من الصلاة إلا وهم ذاكرون أنهم عبيد لله تعالى يلتمسون رضاه في رعاية حقوقه بما أمرهم به من طاعته في هذه العبادة، ويجعلون صومهم من صوهم مؤدباً للشهوة ومهذباً للرغبة ورادعاً للنفس عن الأثرة، وحملها على الطاعة بجميع أنواعها وصفاتها ولا يكون في صومهم إلا الخير لأنفسهم ولقومهم وحسن عبادتهم ثم يؤدون الزكاة المفروضة عليهم ولا يبخلون بالمعونة فيما ينفع الناس على وجه العموم، والأقارب والأرحام والمحتاجين على وجه الخصوص. فلنحرص أخي المسلم على حسن التأدب مع آيات الله وحسن تفهم مرادها، حتى يشملنا الله برحمته وعطفه، نسأل الله التوفيق والسداد، وإلى اللقاء غداً إن شاء الله. د. سيف الجابري