أول واجب على الانسان المسلم نحو وقته ان يحافظ عليه كما يحافظ على ماله بل اكثر منه وأن يحرص على الاستفادة من وقته كله فيما ينفعه في دينه ودنياه وما يعود على امته بالخير والسعادة والنماء الروحي والمادي وقد كان السلف رضي الله عنهم احرص ما يكونون على اوقاتهم لأنهم كانوا اعرف الناس بقيمتها. يقول الحسن البصري ادركت اقواما كانوا على اوقاتهم اشد منكم حرصا على دراهمكم ودنانيركم. ومن هنا كان حرصهم البالغ على عمارة اوقاتهم بالعمل الدائب والحذر ان يضيع شيء منها في غير جدوى يقول عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه: ان الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما. وكانوا يقولون: من علامة المقت اضاعة الوقت ويقولون: الوقت سيف ان لم تقطعه قطعك وكانوا يحاولون دائما الترقي من حال الى حال احسن منها بحيث يكون يوم احدهم افضل من امسه وغده افضل من يومه ويقول في هذا قائلهم من كان يومه كأمسه فهو مغبون ومن كان يومه شرا من امسه فهو ملعون. وكانوا يحرصون كل الحرص على الا يمر يوم او بعض يوم او برهة من الزمان وان قصرت دون ان يتزودوا منها بعلم نافع او عمل صالح او مجاهدة لنفس او اسداء نفع الى الغير حتى لا تتسرب الاعمار سدى وتضيع هباء وتذهب جفاء وهم لا يشعرون. وكانوا يعتبرون من كفران النعمة ومن العقوق للزمن ان يمضي يوم لا يستفيدون منه لأنفسهم ولا للحياة من حولهم نموا في المعرفة ونموا في الايمان ونموا في عمل الصالحات يقول ابن مسعود رضي الله عنه ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي وقال آخر: كل يوم يمر بي لا ازداد فيه علما يقربني من الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم. وقد رفع هذا بعضهم الى النبي صلى الله عليه وسلم وقد رده ابن القيم في «مفتاح السعادة» وقال حسبه ان يصل الى بعض الصحابة او التابعين. وقال حكيم: من امضى يوما من عمره في غير حق قضاه او فرض اداه او حمد حصله او خير اسسه او علم اقتبسه فقد عق يومه وظلم نفسه. واذا كان هذا هو حرص سلفنا على الوقت وتقدير قيمته وخطره فإن مما يدمي القلب ويمزق الكبد اسى وأسفا ما نراه اليوم عند المسلمين من اضاعة للأوقات فاقت حد التبذير الى التبديد. والحق ان السفه في انفاق الاوقات اشد خطرا من السفه في انفاق الاموال وان هؤلاء المبذرين المبددين لأوقاتهم لأحق بالحجر عليهم من المبذرين لأموالهم لأن المال اذا ضاع يعوض والوقت اذا ضاع لا عوض له. ومن العبارات التي اصبحت مألوفة لكثرة ما تدور على الالسنة وما تقال في المجالس والاندية عبارة «قتل الوقت» فنرى هؤلاء المبذرين او المبددين يجلسون الساعات الطوال في الليل او النهار حول مائدة النرد او رقعة الشطرنج او لعبة الورق او غير ذلك مما يحل او يحرم لا يبالون لاهين عن ذكر الله وعن الصلاة وعن واجبات الدين والدنيا فإذا سألتهم عن عملهم هذا وما وراءه من ضياع قالوا لك بصريح العبارة انما نريد ان نقتل الوقت وما يدري هؤلاء المساكين ان من قتل وقته فقد قتل في الحقيقة نفسه فهي جريمة انتحار بطيء ترتكب على مرأى ومسمع من الناس ولا يعاقب احد عليها وكيف يعاقب عليها من لايشعر بها ولا يدري مدى خطرها. ومن النعم التي يغفل كثير من الناس عنها ويجهلون قدرها ولا يقومون بحق شكرها نعمة الفراغ روى البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». يقصد بالفراغ الخلو من المشاغل والمعوقات الدنيوية المانعة للمرء من حيث الاشتغال بالأمور الاخروية ولا ينافي هذا ما جاءت به النصوص الكثيرة من حث على الكسب وطلب المعاش ما دام ذلك لا يغرقه في لجة الحياة ومطالبها ولا يعطله عن القيام بحق الله عز وجل وفي الحديث الشريف: اغتنم خمسا قبل خمس وعد منها «وفراغك قبل شغلك». وبالله التوفيق.