الاسلام دين يصلح لكل زمان ومكان اذ يحمل بين دفاته كل عناصر المعاصرة والمواكبة والرقي والتحضر.. وقد قدم المسلمون منذ ازمان بعيدة الكثير من الابتكارات والابداعات التي اسهمت في مسيرة البشرية.. وفي زمن العولمة والتطور التقني ودخول عصر التكنولوجيا كثر الحديث عن صراع الحضارات وطرح العديد من القضايا المتداخلة بين الشرق والغرب وبين الاسلام والاديان الاخرى.. وموقف الاسلام من قضايا عصره ومدى تفاعله معها. طوال الشهر الفضيل سنطرح يومياً قضية مهمة ونلتقي بأحد العلماء والمفكرين لمعرفة رأيه معززا بالادلة ومؤكدا بالبراهين. أكدت الدكتورة فوزية عبد الستار أستاذ القانون الجنائي بكلية الحقوق جامعة القاهرة ورئيس اللجنة التشريعية بالمجلس القومي للمرأة أن الإسلام منح المرأة الحق في المشاركة في الحياة العامة مشيرة إلى أن المرأة قبل الإسلام كانت مجرد تابع للرجل وتحرم من كل حقوقها ولا تعبر عن إرادتها حتى في الأمور التي تخصها. وقالت ان المرأة لها الحق في تولية منصب القضاء سواء القضاء المدني أو الإداري أو قضاء الأحوال الشخصية والأحداث أو القضاء الجنائي في أغلب الجرائم موضحة أن الولاية العامة للمرأة غير مناسبة من الناحية الدينية. وأشارت إلى أن الإسلام ساوى بين الرجل والمرأة منذ القرن السابع الميلادي في حين لم تظهر هذه المساواة في الغرب إلا في العصر الحديث مؤكدة ضرورة أن تضحي المرأة بعملها إذا تعارض مع رعايتها لأسرتها وأبنائها. وأوضحت أن الإدعاء بأن حجاب المرأة هو حجاب للعقل يمثل فكرا سطحيا فجا مشيرة إلى أن كثيرات من المحجبات قدن الحركات الوطنية وتولين مناصب مرموقة. وطالبت بالتمسك بالتقاليد والقيم الإسلامية وعدم الإنسياق وراء الحضارة الغربية الخادعة والشعارات الزائفة التي تدعو إلى تحرير المرأة مشيرة إلى ضرورة تحرير المرأة من الجهل والخرافة والمعتقدات الخاطئة. وتناقش هذه القضايا في الحوار التالي مع الدكتورة فوزية عبدالستار استاذ القانون الجنائي: ـ ما مدى حرية المرأة المسلمة في المشاركة في الحياة العامة في المجتمعات الإسلامية؟ ـ المرأة لها الحق في المشاركة في الحياة العامة بمقتضى الدستور والقانون فهي تشارك في الحياة السياسية وفي الجمعيات والإتحادات والنقابات المختلفة، وكانت المرأة في العصور الإسلامية تشارك في الحياة العامة، وكلنا نعرف الواقعة التي حدثت في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عندما أراد أن يضع حدا أقصى للمهور فتصدت له امرأة وذكرته بقول الله تعالى: «وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا» فما كان من عمر إلا أن تراجع عن رأيه وقال: أصابت امرأة وأخطأ عمر وهذه الواقعة تدل على المشاركة العامة للمرأة في كل القضايا التي تهم الإسلام والمسلمين. ـ تولية المرأة منصب القضاء من الأمور التي تثير خلافا حادا بين علماء الدين ورجال القانون فهل يجوز للمرأة أن تتولى مسئولية القضاء من وجهة نظرك؟ الولاية العامة للمرأة غير مناسبة من الناحية الدينية، ولكن بالنسبة لتولي المرأة مسئولية القضاء هناك آراء مختلفة في الفقه الإسلامي فهناك من يجيز وهناك من يرفض ذلك تماما، وهناك رأي وسط يمثله الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه ـ، حيث يرى أنه يجوز للمرأة أن تتولى القضاء فيما عدا قضايا الحدود والقصاص وهذا معناه أن المرأة تستطيع تولي القضاء المدني والإداري وقضاء الأحوال الشخصية وقضاء الأحداث والقضاء الجنائي في أغلب الجرائم، وإذا نظرنا إلى الدستور المصري نجد أنه يقرر المساواة في الحقوق والواجبات العامة بين جميع المواطنين دون تمييز بينهم بسبب الجنس أو الدين أو العقيدة وكذلك القوانين التي تدور في فلك الدستور لا تميز بين المواطنين ولا تميز بين الرجل والمرأة في تولي منصب القضاء، وقانون السلطة القضائية الذي يتضمن شروط تعيين القضاء لا يشترط أن يكون القاضي ذكرا أو أنثى. ـ كيف استطاع الإسلام أن يدفع المرأة للمشاركة في المجالات المختلفة بعد أن كانت مجرد كم مهمل ولا قيمة لها؟ ـ لا يستطيع أحد أن يجادل في أهمية دور المرأة في المجتمع فالمرأة التي تدرك حقيقة دورها وتلتزم بواجباتها وتحرص على ممارسة حقوقها إنما تؤثر في معركة الحياة في وطنها تأثيرا بالغا يدفع به إلى مزيد من التقدم والرقي وملاحقة الركب الحضاري على المستوى العالمي وقد عانت المرأة في الماضي معاناة كبيرة، حيث كان ينظر إليها على أنها أدنى من الرجل وأنها تابعة له ولذلك كانت تحرم من كثير من الحقوق فكان يحظر عليها أن تتصرف في أموالها أو أن تعبر عن إرادتها حتى في الأمور التي تخصها مثل اختيار شريك حياتها، ولقد ظل الوضع كذلك إلى أن بزغ نور الإسلام وأقر من بين الميادين التي جاء بها مبدأ المساواة بين الناس جميعا، ومن ذلك المساواة بين المرأة والرجل فيما لا يتعارض مع الطبيعة البشرية والمساواة بينهما في التكاليف الدينية وفي الثواب والعقاب وفي الإلتزام بطلب العلم ، وكذلك المساواة بينهما في الحقوق المدنية فللمرأة ملكيتها الخاصة لا يشاركها فيها الزوج ولها حرية التصرف في أموالها دون قيد، وهي تحتفظ باسم أسرتها مدى الحياة فلا تفقده بالزواج وهذه المساواة - التي مكنت المرأة من المشاركة في مختلف مجالات الحياة - أقرها الإسلام في القرن السابع الميلادي في حين لم تظهر في الدول الغربية هذه المساواة إلا في العصر الحديث بعد كفاح مرير حينما صدر غداة الثورة الفرنسية الاعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي نص على أن الناس يولدون أحرارا ويتساوون أمام القانون وأقرت هذا الاعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1948. وأدرجته معظم الدساتير في نصوصها. التزام دولة ـ هل يميز الدستور والقانون المصري بين الرجل والمرأة في المعاملة؟ ـ الدستور المصري قرر مبدأ المساواة بين المرأة والرجل حيث تنص المادة «40» منه على أن المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو العقيدة، وبمقتضى هذا النص تتمتع المرأة بالحقوق التي يتمتع بها الرجل ومن ذلك حق التعليم، وحق العمل، وحق الترشيح، وحق الإنتخاب وحق تكوين الجمعيات وحق الإنتماء إلى النقابات، كذلك تلتزم المرأة بما يلتزم به الرجل من واجبات عامة مثل أداء الضرائب والمساهمة في الحياة العامة والحفاظ على الوحدة الوطنية، وعلى ذلك ليس هناك أي نوع من التمييز بين الرجل والمرأة. التوفيق ـ ما أهم أشكال الحماية التي قدمها القانون للمرأة وتنطلق من الشريعة الإسلامية؟ ـ هناك أشكال عديدة من هذه الحماية مثل حماية الأمومة والطفولة ويجعل الدستور هذه الحماية التزاما على الدولة بالإضافة إلى رعاية النشء والشباب وتوفير الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم، وتحرص القوانين على أن تهيئ للمرأة المناخ الصالح لأداء دورها المزدوج في المجتمع، دورها في الأسرة كزوجة ترعى الزوج والأبناء وهي نواة المجتمع، ودورها في المجتمع كعامل منتج بناء وقد نص الدستور على أن تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة وعملها في المجتمع، وتلتزم القوانين المصرية بهذا المبدأ الدستوري فوضعت عدة قواعد للمرأة العاملة في مختلف القطاعات لتحقيق هذا الهدف. كما حدد الدستور الإطار السليم الذي يجب أن يدور في نطاقه عمل المرأة حتى تكون نموذجا مشرفا للمرأة العاملة المنتجة دون تبذل أو تجاوز أو انحراف، وهذا كله في إطار الشريعة الإسلامية فعلى سبيل المثال ينص الدستور على أن تكفل الدولة مساواة المرأة بالرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والإقتصادية دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية والإلتزام بالقيم الدينية والخلقية حيث ينص الدستور على أن الأسرة هي أساس المجتمع وقوامها الدين والأخلاق والوطنية بجانب رعاية الأخلاق وضمان مستوى رفيع من التربية الدينية. عمل جليل ـ لكن البعض يرى أن خروج المرأة للعمل يكون على حساب رعاية الأسرة مما قد يؤدي إلى انحراف الأبناء وبالتالي يطالبون بعودة المرأة إلى البيت فما تعليقك على ذلك؟ ـ لابد أن ندرك أن رعاية الأسرة هي الدور الأساسي للمرأة لأن الأسرة السوية التي تسودها المودة والرحمة والوئام هي نواة المجتمع السوى المنتج المتحضر، ويجب أن تدرك المرأة أن العناية بتربية الأبناء تعتبر عملا جليلا لأنها لا تحقق بذلك مصلحة شخصية فحسب وإنما تقوم بواجب ديني ووطني يتمثل في تقديم أبناء صالحين قادرين على تحمل المسئولية وقد كفلت قوانين العمل للمرأة التوفيق بين واجبها نحو الأسرة وعملها في المجتمع من خلال اعطائها الحق في الحصول على أجازة لمدة لا تتجاوز سنتين لرعاية الطفل، لكن إذا تعارض عمل المرأة مع رعاية الأسرة والقيام بواجب الزوج فإنه يجب عليها أن تضحي بالعمل وتعود إلى المنزل لرعاية أسرتها، لأن الاسرة هي الأولى بالرعاية. ـ بعض الجمعيات النسائية والعلمانيين يهاجمون الحجاب ويطالبون بتقليد المرأة الغربية وأنماط الحياة الغربية، فبماذا تردين على هؤلاء؟ ـ أقول لهؤلاء ان الإلتزام بالقيم الدينية والخلقية من شأنه أن يقيم مجتمعا فاضلا ينصرف فيه كل شخص إلى عمله ويحقق مناخا نقيا يتيح للدولة زيادة الإنتاج ومسايرة ركب التقدم، والتزام المرأة بمظهر الاحتشام والسلوك الخلقي الرفيع يجعلها محل احترام الجميع ويدرأ عنها طمع الذين في قلوبهم مرض ويحول بينها وبين ذوي النفوس المريضة ، وبذلك تؤدي دورها ويؤدي الرجال الذين يعملون معها دورهم في جو مفعم بالإحترام ومشاعر الأخوة، ومن الخطأ البالغ أن يتصور البعض أن هذا الاحتشام أو التحجب يعتبر حجابا للعقل، فهذا التصور يمثل فكرا سطحيا فجا، فكم من سيدات ملتزمات محتشمات قدن مسيرة الحركة الوطنية وتولين مناصب مرموقة وتألقن تألقا كبيرا، وعلى هؤلاء أن يدركوا أهمية وضرورة رعاية الأخلاق وحمايتها والتمكن للتقاليد الاصيلة ومراعاة طبيعة مجتمعنا وقيمه وألا نضحى بها سعيا وراء حضارة غربية خادعة أو نهدرها، فللأفكار الغربية شطحاتها وسلبياتها التي تفرض قيمنا وتقاليدنا وقوانينا علينا الإبتعاد عنها وعدم التفكير فيها فعلى سبيل المثال ألغت فرنسا في عام 1975 جريمة الزنا استنادا إلى شعار زائف هو الحرية الشخصية وهذه ردة حضارية بكل المقاييس كذلك أباحت بعض الدول جريمة الاجهاض وهذه كلها توجهات مدمرة تتستر وراء الشعارات الزائفة التي لا يجب أن ننساق إليها فإباحة الزنا تؤدي إلى أن تختلط الأنساب واشاعة الفاحشة وهو عنصر هلاك ودمار، كذلك فإن إباحة الإجهاض تؤدي إلى انتشار العلاقات غير المشروعة وإلى انهيار خلقي فضلا عن مخالفة ذلك لأحكام الشريعة الإسلامية التي تحرم قتل النفس إلا بالحق. القاهرة - ضياء الدين أحمد