عندما نصل الى الصحن كأحد المكونات الرئيسة للمساجد، فإننا نعود ـ على الفور تقريبا وبشكل تلقائي ـ الى ما قاله حسن فتحي من ان العمارة في ابسط معانيها ليست الجدران، وانما الفضاء الذي تحتازه الجدران. فالصحن في اي مسجد او جامع هو فضاء، ولكنه فضاء جرى احتيازه معماريا على نحو يجعله مختلفا اختلافا جذريا عن الفضاء خارج جدران المسجد، بحيث يصبح الصحن واحة للروحانية والتأمل وطمأنينة النفس، على الرغم من انه لا يفصله عن الفضاء الخارجي، في الغالب الا المدخل والردهة والمجاز التي هي ادوات المعماري في تشكيل الفضاء والتلاعب بمقوماته، لاثارة التوقعات في نفس من يلج هذه العمارة الاسلامية الفريدة، حتى اذا وصل الى الصحن ألفى نفسه امام فضاء مختلف يحقق التوقعات بهذه الدرجة او تلك من النجاح. قبل ان نفصل القول في هذا الشأن، ونلقي نظرة على مساجد بعينها يبرز فيها بهاء الصحن كمكون معماري في المسجد، من المهم ان نتذكر انه في لغتنا الجميلة يقال صحن الشيء (بفتحتين) سحقه وضربه، وصحن المرء اعطاه شيئا في صحن، وصحن بين القوم اصلح بينهم، والصحن (بتشديد الصاد وفتحها وسكون الحاء) القدح الكبير وقصعة الطعام وجوف حافر الفرس، وصحن الدار ـ جمعها صحون وأصحن ـ وسط ساحتها والمستوى المرتفع من الارض، و صحن الاذن داخلها، والصحنان آلتان صغيرتان من نحاس تضرب احداهما على الاخرى للطرب، والصحناء (بتشديد الصاد وكسرها) ادام من السمك الصغير المملح. وقد يقال للصحن ساحة او باحة. الصحن في العمارة الدينية كالمسجد والمدرسة والخانقاة وما الى ذلك، مساحة مكشوفة او مغطاة تعد امتدادا لبيت الصلاة وتتصل بأروقته. وفي العمارة المدنية فإن الصحن هو نواة الدار والقصر والخان والوكالة وما الى ذلك، وعليه تنفتح العقود والشبابيك وفيه تعمل الفوارات وتزرع الاشجار، وتتوزع المرافق. وقد قام الصحن في العالمين العربي والاسلامي بأدوار عديدة منها: 1) التخفيف من حدة الضوء الواصل الى الاروقة. 2) الاقلال من نسبة الغبار المتصاعد من الطرقات المحيطة بالمبنى. 3) المحافظة على الدفء شتاء والرطوبة صيفا. 4) اتاحة المجال لفساقي الوضوء في الابنية الدينية وفوارات الجمال والترطيب في الابنية المدنية. 5) استيعاب المصلين الذين لا يتاح لهم المجال لأداء الصلاة في بيت الصلاة في الصلوات الجامعة والمناسبات كالأعياد. 6) العزل عن ضوضاء الشوارع المحيطة وتشويش المارة. نور ونارنج وياسمين يلفت روبرت هيلينبراند نظرنا الى ان الصحن يعد الملمح الاكثر اثارة للاهتمام وقدرة على استقطاب الانظار في تصميم المسجد، ويرجع تأثيره الى مساحته، فذلك الفضاء الممتد يعطي الانطباع لمن يلج المكان بأنه قد خلف وراءه عالم العمل والصراع وأنه ينتقل الى مجال روحي مختلف له قداسته واجلاله ولم يكن هناك شكل بعينه معتمد للصحن، غير ان الشكل المستطيل غلب في معظم المساجد، سواء اكان التشديد ينصرف الى العمق ام الى العرض. ولو أننا عدنا الى الجد الاعلى لكل المساجد، وهو مسجد الرسول عليه افضل الصلاة والسلام في المدينة لوجدنا انه لم يكن إلا مساحة مصورة، اتخذت الشمال، وجعلت بينهما رحبة، هي التي تحولت في المساجد اللاحقة الى صحن ينهل منه النور ويتدفق الهواء الى المصلين، لأن بيوت الصلاة في تلك المساجد الأولى لم تكن لها نوافذ او شبابيك وحتى مع ادخال هذه الاخيرة ظلت الصحون على ما هي عليه كعنصر متمم لعمارة المساجد، واستخدمت لاقامة بيوت المال وفساقي الوضوء وزيادة لاستيعاب الفائض من المصلين بأروقته وسبيلا اضافيا للتواصل الروحي مع السماء. هذا التصميم هو نفسه الذي سنجده في مسجد الكوفة حين شيد في العام السابع عشر للهجرة، وكان اول شيء بنى فيها، حيث اطل بوجوده الى الدنيا، فلا تخطئه عين، حيث نجد حدودا مربعة وبيتا للصلاة وصحنا، وهو التكوين الاساسي الذي سيتكرر على امتداد دار الاسلام ايا كانت الزيادات والتحسينات التي سيتم ادخالها على العصور. من الناحية التاريخية ظلت الصحون على امتداد عصور طويلة امتدادات سماوية بغير سقف، الى ان صغرت مساحتها في بعض الحالات فغطيت بأسقف خشبية منقوشة ومذهبة تتوسطها باذاهنجات، أي ملاقف هواء أو شخاشيخ مثمنة. على نحو ما نجد في العمارة المملوكية، وقد غطيت ارضياتها في البداية بالحصباء والحصر، ثم كسيت ببلاطات حجرية تنخفض عن الاروقة المحيطة بها بمقدار درجة واحدة تقريبا ونجدها في العمارة المملوكية على المستوى المنخفض نفسه، وقد فرشت بالرخام الملون متخذة القليل من الاشكال النباتية والكثير من الاشكال الهندسية البسيطة والمركبة رائعة الصنعة والتكوين. وكما اشرنا من قبل، فإن العديد من الظروف والضوابط، منها الجوانب المناخية، والتوسع الهائل في تصميم القباب الكبيرة، ادت الى تضاؤل الصحون في المساجد التركية الى حد الاختفاء. ومنذ البداية كانت للاشجار بصمتها في صحون المساجد، حيث تقرأ في كتاب «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى» للسمهودي انه كانت بصحن المسجد النبوي بالمدينة نخلات مغروسة. ويشير ابن جبير في رحلته الى انه على ايامه كانت في هذا الصحن عينه خمس عشرة نخلة، ويبدو ان هذا الامر قد انتشر في ارجاء العالم الاسلامي، وفي ما تتعدد حالات غرس الاشجار في صحون المساجد نجد ان للاندلسيين ولعا بذلك، حيث يذكر ابن بطوطة في رحلته انه رأى بصحن جامع مالقة اشجار نارنج بديعة، وكان صحن جامع قرطبة مليئا بأشجار البرتقال والنارنج ونسجاً على منواله نجد الاشجار مزروعة في صحون جميع المدن الاندلسية تقريبا. ويلفت نظرنا ان الوليد بن عبدالملك بنى بيتا لمال المسلمين في صحن الجامع الاموي بدمشق في سنة 96 هجرية ـ 714 ميلادية، وقد اخذ شكل حجرة مثمنة ذات ارضية مرتفعة تعلوها قبة نصف دائرية، ترتكز على ثمانية اعمدة اسطوانية يتم الوصول اليها بواسطة سلم خشبي متحرك يوضع عند بابها الوحيد عند الحاجة ثم يرفع بعدها حرصا على ما فيها من مال المسلمين. وعلى غرار ذلك بنى اسامة بن زيد التنوخي متولي خراج مصر من قبل الخليفة سليمان بن عبدالملك بيتا لمال المسلمين في صحن جامع عمرو بن العاص سنة 97 هجرية ـ 715 ميلادية. وفي 378 هجرية ـ 988 ميلادية امر العزيز بالله الفاطمي ان تعمل فوارة تحت قبة بيت المال هذا فكانت الاولى التي تعمل فيه، ولكنها ما لبثت ان ابطلت لما اصاب جدران المسجد من اضرار بسببها. العزف على أوتار التوقعات في صحن المسجد سنلتقي مع الثنائية التي سنصادفها طويلا في العمارة الاسلامية، وستتوقف الخلاصات التي يمكن الوصول اليها انطلاقا منها على درجة الابداع المعماري، ونقصد بها ثنائية الوظيفي ـ الجمالي. الصحن اذا نظرت اليه لن تجده الا فضاء، قد تتوهم انه لا يختلف كثيرا عن الفضاء خارج المسجد يتاح للمصلين الذين لا يجدون مكانا في بيت الصلاة ان يصلوا فيه، وقد يتخذ مكانا للدرس او لالقاء الخطب والعظات، كما انه قبل التسهيلات الحديثة كان يضم الفوارات والفسقيات وبيوت المال وغرف حفظ الوثائق والاشياء الثمينة الى غير ذلك من المرافق. لكن الصحن في جوهره ليس مجرد فضاء، ليس جزءا مما هو قائم خارج جدران المسجد، فأنت هناك، في «الخارج» تجد نفسك ضائعا في فضاء كوني، سواء أكان هذا الفضاء صحراء ام ميدانيا ام سوقا ام شارعا، لكنك عندما يكون لديك ارضية وأربعة جدران وسقف فإن هذه المكونات تحتاز فضاء خاصا، ومن هنا وكما يلاحظ حسن فتحي. فإن البدوي ساكن الصحراء عندما تحول الى مزارع احتفظ باتصاله بالسماء عن طريق مفهوم الفناء الذي يدخل في تصميم الدار، على نحو ما نراه في دور الفسطاط والعراق وشمال افريقيا والخليج، وفي وقت لاحق ومع تطور الاتجاهات الحضرية نقل مفهوم الفناء والايوان الى القاعة مع وجود الدرقاعة والايوانات خارجها وجعل الدرقاعة اعلى ولها سقف يرمز الى السماء اي القبة التي تعلوها كما لو كانت فناء مسقوفا. في المسجد نجد ان الخارج الدنيوي الضاج والمليء بالغبار يختلف عن داخل المسجد، حتى لو كان هذا الداخل هو الصحن الذي هو في جوهره قطعة من السماء تم احتيازها عمرانيا في الداخل المقدس، والشعور بهذا الانتقال القوي الذي لا سبيل الى تجاهله يتم تكريسه من خلال المجاز الذي يربط ردهة المسجد بالصحن، حيث يبرز شعور بالتتابع من الدخلة الى الردهة فالمجاز وأخيرا الصحن. بهذا المعنى فإن العمارة تصبح تكوينا للفضاء وتشكيلا له وتلاعبا فنيا بمقوماته، وهي اذ توجد التوقعات فإنما تخاطبها وتتوجه اليها وتجعل من تلبيتها فنا يفوق مجرد التحقق الوظيفي على الرغم من الاهمية الكبيرة التي يتمتع بها هذا العنصر الاخير. المثال التقليدي الشهير الذي يضرب في هذا الصدد هو موقع الصحن من المخطط الكلي لمسجد السلطان حسن بحي القلعة في القاهرة فالمدخل يفضي من الشارع الى الردهة ثم الى المجاز، وهذا الاخير في جوهره ممر طويل، ضيق نسبيا، معتم ربما الى حد الاظلام، ينفتح على صحن الجامع الرحب. ومن الناحية العملية، فإن التغاير والتباين في ما بين الظلام والضياء والانتقال من الشارع العام في الخارج الى داخل المسجد يتحققان عن طريق المجاز الذي هو فاصل في المكان. وعلى الرغم من ان الداخل الخاص هو في هذه الحالة صحن كبير الا انه معزول تماما في اطار الفضاء الخاص للمسجد. هذه الامثلة الدالة ربما يصعب الى حد الاستحالة اختيار امثلة او نماذج تلقي الضوء، ولو بحد ادنى من الانصاف، على عبقرية المعماري المسلم في تصميمه صنوف شتى من صحون المساجد التي تستجيب للوظائف والتوقعات وعناصر البيئة والمتطلبات الجمالية بالقدر ذاته من البراعة والاقتدار. لكن اذا كنا لابد فاعلين ذلك فلنبادر الى القاء نظرة سريعة على صحون كل من المساجد التالية: أ) مسجد احمد بن طولون في حي السيدة زينب بالقاهرة. ب) مسجد قوة الاسلام في لال قوت احدى مدن دلهي الثماني. ج) مسجد نيونو في مالي. وقد يبدو لأول وهلة انه ليس هناك من منطق وراء هذا الاختبار وانه جاء نتيجة لاختيار عشوائي لكن الواقع غير ذلك فقد اردنا القول انه على الرغم من التباين الجغرافي والزمني البيئي الهائل في هذه المساجد بعامة وصحونها بخاصة الا انه تبقى هناك في النهاية عبقرية المعماري المسلم التي تتحدى التخرصات التي يزعم اصحابها ان الفن الاسلامي هو وليد تجميع ابداعات اقليمية وانه ما من خط ناظم يربط بين كنوزه وروائعه. اذا بدأنا بالمسجد الاول، لبادرنا الى القول انه يعد واحدا من اندر واجمل المباني الاسلامية الباقية الى اليوم وإذا كان هناك من شيء يدعو للأسف بشأنه فهو ان عمليات الصيانة والترميم التي اجرتها له وزارة الثقافة المصرية كانت من الاساءة الى الاثر والقدرة على اثارة الجدل والاختلاف بشأنها بحيث ان الامر غدا اليوم شيئا مطروحا في ساحة القضاء. شيد هذا المسجد فيما بين عامي 876 و879 ميلادية، في اطار تخطيط مربع، كان ولا يزال يشبه القلعة، يعكس اصداء عمارة سامراء في ملويته الشهيرة بخاصة. وقد اجريت له ترميمات كثيرة اهمها ما تم في ظل السلطان المملوكي حسام الدين لاجين 1297 ـ 1300. ويتألف المسجد من قسمين يكتمل بهما شكله المربع الذي يبلغ ضلعه 162.5 مترا، فهناك القسم المكشوف وهو ما يدور حول الصحن. صحن المسجد، كما يبدو واضحا من النظرة الاولى، فسيح، رفيع الجدران، تطل عليه البوائك من كل الجهات، اذ يحيط به بيت الصلاة ومجنبتان الى اليمين واليسار كل منهما رواقان، والمجنبة الخلفية تتألف بدورها من رواقين. ونظرة واحدة على الاروقة المطلة على الصحن كفيلة بكشف سر افتتان الاختصاصيين بهذا المسجد، حيث تظهر البدنات التي تجمع بين القوة والرهافة، وتبدو العقود والطاقات والحليات المقعرة يعلوها شريط من المثمنات المتلاصقة. كانت في صحن المسجد نافورة فوارة غير مخصصة للوضوء تعلوها قبة تتوسط ذلك الصحن، لكنها احترقت عام 986 ميلادية، وشيد السلطان لاجين مكانها الميضأة التي لا تزال قائمة حتى اليوم، وهي عبارة عن مبنى مربع الشكل يتوسطه من الداخل حوض مثمن للوضوء تعلوه قبة. اذا انتقلنا الى صحن المسجد الثاني الذي اخترناه فإننا سنجد انفسنا وقد أوغلنا في الابتعاد زمانا ومكانا، لكن عبقرية الفن المعماري الاسلامي تظل بصحبتنا حيث شيد مسجد قوة الاسلام فيما بين 1193 و1198 في المنطقة المعروفة باسم لال قوت التي تشكل احدى المدن الثماني التي يطلق عليها في مجموعها اسم دلهى. وقد شرع في تشييد هذا المسجد قطب الدين ايبك، مؤسس دولة المماليك الهندية، وضم المئذنة الشهيرة التي تحمل اسمه، وهو ينهض بين توسعتين لم يقدر لهما الاكتمال قط امر بهما من خلفاه على العرش، وهما التطميش وعلاء الدين. أول ما يلفت نظرنا في صحن مسجد قوة الاسلام تلك الرحابة الهائلة التي يتميز بها، واحاطته بالأروقة من ثلاث جهات، وانفصاله عن بيت الصلاة بفعل ستارة تنهض عاليا مؤلفة من خمسة مداخل مقنطرة. يلفت نظرنا ايضا ان اعمدة منتزعة من ابنية قديمة قد استخدمت في الاروقة المحيطة بالصحن بوضع عمود فوق الآخر، وتمتد الاروقة جميعها منفذة بأسلوب غابة الاعمدة، أي الاعمدة التي ترفع السقف من دون اللجوء الى عقود أو قنطرات، باستثناء تلك التي رأيناها في الستارة الحجرية الخماسية الهائلة التي تفصل الصحن عن بيت الصلاة. وثمة ملاحظة مهمة يطرحها هنا ريتشارد يومانز في كتابه «قصة العمارة الاسلامية» وهي ان الاقواس التي نجدها في هذه الستارة هي على وجه اليقين اسلامية التصميم، وتنتمي بامتياز الى ملامح العمارة الاسلامية المألوفة لنا من الاندلس الى الصين، غير ان طريقة البناء تعكس الاستعانة بمهارات البناء المتوافرة في المنطقة، بدلا من استقدامها من افغانستان، او فارس، حيث يوحي البناء بغياب خلفية حقيقية من المعرفة ببناء القوس والعقد، والستارة هنا من الناحية الفنية تبدو منحوتة بأكثر مما هي مبنية، وتبدو هذه المهارة المحلية في العربة والخط المنقوشين حول الستارة، حيث يحركهما التصميم بشكل ثعباني. تحت افاق نيونو مسجد نيونو الجامع في مالي هو نموذج حي لانطلاق العمارة الاسلامية وايغالها عميقا في غرب افريقيا، حيث تبرز تحت الافاق عمارة اسلامية بامتياز تستخدم فيها خبرات البناء بالطوب اللبن باستخدام قوة العمل واساليب البناء ومصادر التمويل المحلية. وقد شيدت قرية نيونو في عام 1937 تقريبا، وبدأ بناء المسجد في عام 1948 لخدمة احتياجات سكانها المقدر عددهم بخمسة الاف نسمة. يقع الجامع في قلب القرية غير بعيد عن السوق، وموقع الجامع الذي يصل طوله الى 60 مترا وعرضه الى 33 مترا يحيطه سور تحفه الشوارع من ثلاث جهات والبيوت من الجهة الرابعة، ويأخذ صحنه شكل حرف «إل» في اللغة الانجليزية، ممتدا على الجانبين الغربي والجنوبي، وهو يستخدم اساسا لاستيعاب المصلين الذين لا يجدون لهم مكانا في بيت الصلاة. يلفت نظرنا ان الزيادات المتتابعة في الجامعة قد جاءت على حساب الصحن، الذي يبدو الآن صغيرا بالمقارنة بالابعاد الصرحية التي اتخذها الجامع، فقد بدأ مسجدا صغيرا في عام 1948 ثم جرت توسعته على مراحل عديدة، وبعد عام 1969 اعيد بناء الجزء الاوسط بكامله، فغدا الصحن في النهاية على ما هو عليه الآن. وفي وضعيته الراهنة تمتد في الصحن مبان صغيرة على امتداد السور الخارجي الغربي، الذي يشكل جزءاً من السور الملتف حول موقع الجامع بكامله. وتحل محل الدعائم السميكة الموجودة في جوامع اخرى على الطراز نفسه في غرب افريقيا اعمدة مستطيلة ناتئة بعض الشيء عن الجدران لا ترتفع الى الطول الكامل للجدار وتتواصل بأقواس مرددة اصداء نظيرتها القائمة في بيت الصلاة. وكل عمود فيها تتوجه عند قمة الواجهة قبة مستدقة الطرف، وهي سمة غريبة الى حد ما تتواصل حتى فوق الأبواب الرئيسية. ايا كان الاطار المعماري لصحن المسجد، في اي مكان من العالم، فان الخط الناظم الذي يربط الصحون جميعا هو تلك الطمأنينة التي تحل على النفس بردا وسلاما حين يمضي المرء فيها مبسملا محوقلا داعيا بما شاء الله له من دعاء. ولم لا تطمئن النفوس في مثل هذه الاماكن من ارض الله وتحت سمائه؟ أليس يقال ان النفس المطمئنة هي التي تم تنورها بنور القلب حتى انخلعت عن صفاتها الذميمة وتخلقت بالاخلاق الحميدة وتوجهت الى جهة القلب بالكلية متابعة له في الترقي الى جانب عالم القدس؟ ألا يعلمنا التهانوي ان النفس المطمئنة انما سميت كذلك لاعتبار سكونها الى الحق واطمئنانها به وذلك اذا قطع الافعال المذمومة والخواطر المذمومة مطلقا وفوق كل شيء وقبله وبعده أليس يقول الحق عز من قائل: «يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي».