يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب الى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير». وإذا كانت القوة تعني القوة المادية ومواجهة العدو بأقصى ما يمكن من اعداد لها والقوة المعنوية المتمثلة في الايمان بالله ورسوله وأداء ما فرض الله المحافظة عليه فإن الصوم من امضى الاسلحة للنصر وهو كالتدريب على تحمل المشاق وثم كان هذا التدريب ومنه التدريب العام على جميع القادرين المتمثل في شهر الصوم الذي فرضه الله سبحانه وتعالى ليزود الصائم بطاقات وملكات يواجه بها تقلبات الدهر بما يملك من قوة بدنية او عقلية او مالية كما يواجه بها مع السلاح الذي في يده عدوه الذي يهدد حياته او يسلبه حقوقه التي بها حياته او يريد فتنته في دينه. ان المرء في اي ميدان من ميادين الكفاح والجهاد ما لم تكن اسلحته التي يذود بها عن نفسه بالغة ما بلغت من دقة الصنع ما لم تكن والروح التي تحركها الاخلاص وحب البذل وسخاء النفس ونكران الذات وشرف المقصد فستكون وبالا على حاملها وهو بها من الخاسرين. وحتى يثري الاسلام هذه الملكات عند المخلصين ذوي الهمم العالية والنفوس الزاكية والارواح الخيرة فتح ابواب فضله لمن يطرقها على مدار العام بالترغيب في الصوم ووعد على ذلك الثواب الجزيل كما شدد النكير على من يقصر او يفرط في اداء الصوم المفروض وثم فلا تكاد ملكة تخبو او يذهب اثرها بل يظل صاحبها وتظل على عين من الله ترعاها كما يمده الله بمدده ويكلؤه بعنايته ويؤيده بروحه. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يصوم عبد يوما في سبيل الله الا باعد بذلك اليوم النار عن وجهه سبعين خريفا» ويقول كذلك: «من صام رمضان وعرف حدوده وتحفظ فيه مما كان ينبغي ان يتحفظ منه كفر ما قبله» ويقول صلوات الله وسلامه عليه في الترهيب من الفطر في رمضان: «من افطر يوما من رمضان من غير رخصة يرخصها الله له لم يقض عنه صيام الدهر كله وإن صامه». والمسلمون ما بلغوا ذرى المجد وقمة العزة في عهودهم الزاهرة وما سادوا وتبوأوا ارفع مكانة وأسمى منزلة بكثرة عدد او وفرة عتاد ولكن بالنفوس التي صقلتها تعاليم الاسلام وبالأرواح المؤمنة التي استضاءت بأنواره وأشرقت عليها فيوضاته ولم تر الحياة الا في رياضة الامر الذي كان اول ثماره أولئكم الرجال الذين خاضوا معركة بدر الكبرى وهم قلة في العدد والعدة المهاجرين منهم والأنصار فحين قال صلى الله عليه وسلم ان الله وعدني احدى الطائفتين العير او النفير رأينا هؤلاء الرجال يسارعون في رضى الى تلبية داعي الجهاد وكان أبو بكر وعمر في مقدمة الجميع. اين نحن اليوم من هؤلاء؟ الفرق بيننا وبينهم كالفرق بين حياتنا وحياتهم هؤلاء صاموا صيام الابرار وعاشوا عيش الاخيار وترفعوا عن الصغائر والتفاهات فما كانوا يفرحون على شيء من الدنيا اقبل ولا يأسون على شيء منها أدبر فقد كانت في عيونهم اهون من التراب الذي تطأه اقدامهم. ان الصيام يخلية وتحلية وتطهر وتزكية وإذا بلغ العبد به منزلة المتقين فما اسعده بهذه البشارة وان كان ممن قال الله فيهم: «لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة». وقد ورد في الحديث: «ان الله ينادي يوم القيامة. يا عبادي: لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون» فيرفع الخلائق رؤوسهم ويقولون نحن عباد الله عز وجل ثم ينادي الثانية: «الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين» فينكس الكفار رؤوسهم». ويرحم الله امير المؤمنين الورع عمر بن عبدالعزيز الذي يقول: «الصلاة تبلغك نصف الطريق والصوم يبلغك باب الملك والصدقة تدخلك عليه». وبالله التوفيق أحمد عبدالتواب أحمد