تعتبر معركة نهاوند من المعارك الحاسمة بين المسلمين والفرس التي وقعت في شهر رمضان، والتي عرفت بفتح الفتوح، لانها فتحت الطريق أمام المسلمين للسيطرة على ما بقي من بلاد الفرس عقب سقوط عاصمتهم المدائن. لذلك تعتبر هذه المعركة نقطة تحول في تاريخ انتشار الإسلام في بلاد الاكاسرة، والقضاء على عبادة النار في ارضها، واعلاء كلمة التوحيد تحت سمائها. وسيظل نصر المسلمين في نهاوند تتحدث عنه كتب التاريخ في الحرب والسياسة على الدوام، وذلك لأنه قضى على البقية الباقية من جيوش الفرس المزودة بالفيلة المدرعة، فما عادوا بعدها يشكلون على الاسلام خطراً داهماً كما كانوا في الماضي، ولا قوة عسكرية ذات أهمية. مقدمات معركة نهاوند حين استطاع جيش المسلمين في البصرة ان يطأ أرض فارس، اجتمع الفرس في نهاوند بقيادة يزدجرد، بعد ان هُزم القائد الفارسي ها رمزان واسلم على يد سيدنا عمر بن الخطاب. وتعتبر نهاوند مدينة حصينة تقع على ربوة شاهقة ارتفاعها 600 قدم. وكان سيدنا عمر يمنع المسلمين من الانسياح والقتال في المناطق الجبلية لكونهم لم يعتادوها. وقد اجتمع للفرس في نهاوند 150 الف مقاتل، وكانت تمثل بالنسبة لهم الرأس، اما الجناحان فهما اذربيجان واصبهان. وفي المقابل كان جيش المسلمين بقيادة النعمان بن مقرن المزني، فإذا استشهد كان على المسلمين حذيفة بن اليمان، فإن استشهد كان على المسلمين نعيم بن مقرن. وقد جمع الخليفة لهذا الجيش ثلثي قوات الكوفة والبصرة حتى بلغت 30 ألف مقاتل. أي خمس قوة الفرس المدافعين، وهو امر يعاكس كل قوانين الحرب المعروفة التي تقول بأن على المهاجمين ان يحشدوا من ضعف إلى ثلاثة اضعاف قوة المدافعين. وقد كلف سيدنا عمر قوات البصرة ان تهتم بمشاغلة باقي قوات الفرس في الجبهة حتى لا تتدخل في معركة نهاوند، كما كلف قوات الاهواز بتأمين ظهر جيش المسلمين وخطوط مواصلاتهم مع الخلف وبذلك قطع المسلمون عن قوات الفرس المدافعة في نهاوند معظم طرف امداداتها من اتجاه فارس ومن الجنوب. حيث انتشرت حاميات المسلمين على خط اقتسام النفوذ بين المسلمين والفرس، الأمر الذي اتاح للنعمان ان يتقدم بقواته إلى نهاوند في الطرق الجبلية الوعرة في أمان بعد ان حمت قوات المسلمين ظهره واجنابه، ولم يبق من احتمالات الخطر الا قوات العدو التي امامهم. لذلك عمد في مسيرته الجبلية الخطرة إلى تنظيم ارسال دوريات الاستطلاع امامه، كما شكل قوة مقدمة بقيادة اخيه نعمان بن مقرن، وحرس يمنة بقيادة حذيفة بن اليمان، وحرس ميسرة بقيادة اخيه سويد بن مقرن، اما قوة الفرسان فكان على رأسهم الصحابي الجليل القعقاع بن عمرو التميمي الذي قال في حقه سيدنا ابوبكر «لايهزم جيش فيه القعقاع بن عمرو التميمي.. ان صوته في المعركة يوازي الف رجل» واما قائد الفرس فكان «فيرزان»، وعلى يمنته القائد «زروق»، وعلى ميسرته القائد «جاذويه» وعلى فرسانهم القائد «انوشق» وكانوا يثبتون امام خنادقهم المحصنة موانع تتكون من حسك الحديد «اشبه بالخوازيق» لكي تعرقل هجوم الخيل والمشاه. فلما شاهد النعمان قوة عدوه، كبر ثم كبر المسلمون معه، فتزلزلت لتكبيراتهم دفاعات ونفوس الفرس، ثم امر النعمان بحط الاثقال، واقام المعسكر لقواته، ثم انشب القتال، فاقتتل الجانبان لمدة يومين بالنبال، الا ان الفرس لم يخرجوا من مواقعهم المحصنة، وكانوا في المواقع التي يخرجون منها لملاقاة المسلمين يسلسلون انفسهم كل سبعة في سلسلة، ويلقون حسك الحديد من الخلف حتى لا يفر منهم احد، فان فر عقره حسك الحديد، ورغم ذلك، ففي جميع المرات التي خرج فيها الفرس من مواقعهم لقتال المسلمين، كانت الهزيمة من نصيب الفرس. ومرت الايام والجبهة على هذا الحال من الجمود، والفرس ممتنعون عن الخروج من مواقعهم لمقاتلة المسلمين، وهو وضع لم يكن في صالح المسلمين الذين اشتد عليهم البرد، وبدأت روحهم المعنوية تضعف. لذلك عقد النعمان للتشاور مع قادته المرؤوسين في الكيفية التي يمكن ان تدفع الفرس للخروج من مواقعهم لمقاتلة المسلمين خارج المدينة. وكانت هناك ثلاثة خيارات: الأول ويقضي بالمطاولة في هذه الحالة من الحصار بأمل ان يستسلم الفرس تحت الضغط، والثاني باقتحام التحصينات عنوة وقد رفض الأول لأنه ليس من صالح المسلمين تجميد الموقف على ما هو عليه لكونه يفت في روحهم المعنوية وقواهم المادية، كما رفض الخيار الثاني لما يسببه من خسائر شديدة للمسلمين. أما الخيار الثالث ـ وهو ما تم الاتفاق عليه ـ فيقضي بخداع الفرس بالهجوم عليهم، ثم اظهار الانسحاب بواسطة مفرزة من الفرسان، وهو ما يمكن ان يغري الفرس على الخروج من مواقعهم لمطاردة المسلمين، وفي هذه الحالة يمكن إدارة معركة متكافئة بين الجانبين. أوكل النعمان تنفيذ دور الفرسان في الخطة إلى القعقاع، الذي تقدم نحو خنادق الفرس وحصونهم، وتحرش بهم اذ رماهم بالسهام، فنشب القتال بعد احتجاز من الفرس، فأخرجهم القعقاع من مواقعهم وجعلهم يقاتلون قواته، وهو يتراجع ويتراجع على مراحل حتى لا تنكشف خطة الخداع، وكان حريصاً على اظهار مظهر انهزام المسلمين وهي بالطبع مهمة صعبة نجح القعقاع في أدائها وفي ذات الوقت الذي كان فيه النعمان ينتقل بقواته إلى موقع آخر وراء ما كان يقف فيه كلما تراجع القعقاع حتى يخفي قواته عن عيون الفرس الذين ظلوا يخرجون من مواقعهم ويلقون بمجموعات من فرسانهم تباعاً ضد القعقاع، بعد ان ظنوها فرصة ينبغي استغلالها لفك الحصار عن مواقعهم، حتى لم يبق في حصونهم الا من يقوم على أبوابها. وكان الفرس في تحركهم خلف القعقاع يزيلون حسك الحديد من أمامهم. وظل الامر كذلك حتى رجع القعقاع بقوته تماماً إلى موقع القوة الرئيسية للجيش، وانقطع الفرس عن مواقعهم. بينما القوة الرئيسية للجيش على تعبئتهم بقيادة النعمان، ملتزمة الصمت وفي يوم الاربعاء 26 رمضان، وقد تم ما حدث في صدر النهار ـ ولم يكن الظهر قد حل بعد، أمر النعمان المسلمين ان يلزموا أماكنهم ولا يقاتلوا حتى يأذن لهم. وظل الفرس يرمون المسلمين بالنبل، وهم يستترون منه بالتلال والدروع لا يتحركون رغم ما اصابهم من جراح، وعندما ضغط قادة المسلمين على النعمان لكي يعطي اوامره بالقتال، رد قائلاً: «انه والله ما منعني من ان اناجزهم الا لشيء شهدته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان اذا غزا لم يقاتل أول النهار، ولم يعجل حتى تحضر صلاة الظهر، وتهب الرياح ويطيب القتال، فما منعني الا ذلك». فانتظر النعمان حتى زالت الشمس عن كبد السماء، وبدأ الظل يميل، ثم قال: «نصلي ان شاء الله، ثم نلقى عدونا دبر الصلاة» هذا بينما القعقاع وفرسانه يقاتلون الفرس، وهو نفس الأمر الذي فعله سعد ابن بي وقاص في القادسية في ايامها الثلاثة الأولى «ارماث، واغواث، وعمواس». قام النعمان بعد الصلاة يشد من أزر رجاله، وطلب منهم ان يحملوا على عدوهم عقب التكبيرة الثالثة، ثم اتجه إلى الله تعالى داعيا: «اللهم اني أسألك ان تقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الإسلام، وذلك يذل به الكفار، ثم اقبضني بعد ذلك على الشهادة، واجعل النعمان اول شهيد اليوم على اعزاز دينك ونصر عبادك». ثم طلب من المسلمين «أمنوا يرحمكم الله» فأمن المسلمون. قلنا ان الفرس كانوا يربطون انفسهم بالسلاسل حتى لا يفروا، ورجع النعمان إلى مركز قيادته، وكبر الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، فانقض المسلمون على اعدائهم. يقول جبير الراوية: «فوالله ماعلمت من المسلمين أحداً يومئذ يريد ان يرجع إلى اهله حتى يقتل او يظفر، فحملنا حملة واحدة، وقد ثبتوا لنا» وجرى الاقتتال بالسيوف واستمر حتى هبوط الليل، وكثر قتلى الفرس حتى صارت ارض المعركة دماءً يزلق الناس والدواب، وزلق فرس النعمان فلقي مصرعه، وكان اخوه نعيم بن مقرن قريبا منه، فأسرع وتناول الراية قبل ان تقع: وسجى النعمان بثوب اخفى الخبر عن باقي المسلمين، ثم اتى حذيفة بن اليمان من اليمنة واستلم الراية لكونه خليفة النعمان كما امر بذلك سيدنا عمر. استمر القتال حتى اظلم الليل، فانكشف الفرس وتراجعوا فسقط منهم الكثير في جرف عميق مات فيه ثمانون الفا، خلاف ثلاثين الفاً ماتوا في المعركة مقرنين بالسلال، كذلك من مات في المطاردة. وعندما اجتمع المسلمون بعد المعركة تساءلوا عن اميرهم، فأخبرهم اخوه معقل بن مقرن: «ان الله اقر عينه بالفتح وختم له بالشهادة» فبايع الجنود حذيفة، وكان سيدنا عمر في المدينة يستنصر لهم، ويدعو لهم الله تعالى. أما الفرس فلم يفلت منهم الا من شرد، وكان منهم قائدهم فيرزان الذي هرب مع الفلول إلى همذان التي تقع شمال نهاوند بـ 100كم. مع انهيار التماسك الفارسي في الجبهة، عاد نعيم بن مقرن يقود المعركة ويطارد فلول الفرس الهاربة نحو همذان حتى دخلوها، فاستسلم حاكم المدينة للمسلمين على ان يضمنوا له الامان، وقبل المسلمون ذلك، وبلغ اهل مدينة «الماهين» خبر استسلام همذان، فافقدوا بما فعل اهل همذان، وارسلوا طالبين الامان إلى حذيفة اليمان فأجابهم. وفي نهاوند دخل المسلمون المدينة بعد اندحار الفرس خارجها، واستولوا على كل ما فيها وما حولها، وجمعوا كل ذلك في السائب بن الاقرع المسئول عن حفظ الغنائم، ثم انتظروا ما يأتيهم من اخوانهم بهمذان. وانهم لكذلك إذ أقبل صاحب بيت النار ويدعى هربذ، فقال للقائد حذيفة: «اتؤمنني على ان أخبرك بما اعلم»، فأجابه حذيفة إلى طلبه، فقال هربذ: «ان «النخيرجان» وضع عندي ذخيرة كسرى فأنا اخرجها لك على اماني وامان من شئت معي». و«نخيرجان» هذا كان احد قادة الفرس على رأس قوة بالحيرة والكوفة قبل سقوطهما في ايدي المسلمين، وانسحب إلى بابل، وعندما هزم الفرس في بابل هرب فيرزان إلى نهاوند، ووضع يده على كنوز كسرى، وبقي نخيرجان للدفاع عن المدائن. وعندما وافق حذيفة على ما عرضه هربذ، اخرج له ذخيرة كسرى من الجواهر التي كان قد اعدها لنوائب الزمي، ونظر المسلمون في ذلك، فاجتمع رأيهم على رفعه إلى الخليفة سيدنا عمر، وان يجعلوا امر المتصرف فيه اليه، وعزلوا كنز كسرى، ثم بعثوا به مع ما يرفع للخليفة من اخماس الغنائم. اما حذيفة بن اليمان، فقد قام بتقسيم الغنائم بين جنوده، فكان نصيب الفارس يوم نهاوند 1000 درهم، ورجل المشاة 2000 درهم، واعطى من الاخماس من شاء من اهل البلاء، ورفع الباقي مع كنز كسرى إلى الخليفة في المدينة مع السائب بن الاقرع، ورسالة تحمل اخبار النصر الالهي العظيم. خرج سيدنا عمر إلى ظاهر المدينة ومعه كبار الصحابة، كعادته حين كان ينتظر اخبار المعارك المهمة، فأمعنوا النظر حتى رأوا السائب بن الاقرع قادماً، فبشرهم الخليفة بالنصر، وبكى عندما علم باستشهاد النعمان ومن استشهد معه من المسلمين، وطلب لهم من الله تعالى الرحمة. أما كنز كسرى، فقد طلب الخليفة من السائب بن الاقرع ان يعود به إلى حذيفة ليقسمه على من افاء الملك عليه، وعندماعاد السائب بالكنز إلى حذيفة، باع الكنز فأصاب أربعة ملايين درهم وزفهم على جميع المسلمين، وكان ذلك في مسجد الكوفة. وبعد المعركة عاد اهل الحجاز إلى حجازهم، واهل البصرة إلى بصرتهم، واقام حذيفة مع اهل الكوفة في نهاوند، وبهذا النصر العظيم انفتح الطريق امام جند الإسلام، وأمام اخوانهم من بعد، فاستولوا على ما بقي من مدن فارس، ثم ابادوا رؤوس الكفر الذين طوتهم بطون الأرض.