إذا سألوك هل أبو بكر النقاش خالك.. فقل: نعم، فسيقومون ويشربون لي فإذا تكامل شربهم لي. وجلسوا، فقل لهم: خالي يقرئكم السلام ويقول لكم: تحياتي يا فتيان: ردّوا على ابن اختي المئزر الذي اخذتموه امس من القارب فانهم يردونه عليك. فخرجت من عنده، ففعلت ما قال لي، وجرت الصورة على ما ذكره، ورُدّت الفوَطة علي بعينها، وما حل شدها. فلما حصلت لي قلت لهم: يا فتيان: هذا الذي فعلتموه هو قضاء لحق خالي، وأنا لي حاجة تخصني، فقالوا: مقضية، فقلت: أخبروني كيف اخذتم الفوطة؟ فامتنعوا، فأقسمت عليهم بحياة أبي بكر النقاش. فقال لي واحد منهم: تعرفني؟ فتأملته، فإذا هو الضرير الذي كان يقرأ، وإنما كان يتعامى حيلة ومكراً، وأومأ إلى آخر، وقال: أتعرف هذا؟ تأملته فإذا هو الملاح بعينه، فقلت: أخبراني كيف فعلكما؟ قال الملاح: أنا أدور بالقارب في أول أوقات المساء وقد سبقت بهذا المتعامي فأجلسته حيث رأيت، فاذا بلغ الى القارب وصاح بي شتمته، حتى لا يشك الراكب في براءة الساحة، فإن حمله الراكب فذاك، وان لم يحمله رققته حتى يحمله، فإذا حمله وجلس هذا يقرأ قراءته الطيبة، ذهل الرجل كما ذهلت أنت، فإذا بلغنا الى موضع نكون قد خلينا فيه رجلا متوقعاً لنا، يسبح حتى يلاصق القارب، وعلى رأسه وعاء مثل الكيس فلا يفطن الراكب، فيستلب هذا الرجل المتعامي بكل خفة الشيء الذي قد عيّنا عليه، فيلقيه إلى الرجل الذي عليه القوصرة فيأخذها ويسبح إلى الشط، فإذا أراد الراكب أن ينزل وافتقد حاجته، عملنا كما رأيت، فلا يتهمنا، ونتعرف، فإذا كان الغد اجتمعنا واقتسمنا ما أخذناه. واليوم كان يوم القسمة، فلما جئت برسالة خالك، استاذنا، سلمنا لك الفوطة كما هي، قال: فأخذتها وانصرفت. ـــ كانت الحكاية التي أصخنا السمع لها حكاية مثيرة انتشى لسماعها هانز وتواصل مع تفاصيلها الدقيقة، فقد نطقت بكل المعايير التي يحملها ذاك الزمان، حيث انتشرت ظاهرة العيارين والشطار والصعاليك بسبب ضعف السلطة السياسية او بطشها، وقد علق بعض الدارسين المحدثين على تلك الظواهر ومنهم المستشرق جيرارد زالنجر قائلاً: «يبدو ان اجرام العيارين كان يحمل فكرة محببة إلى الشعب البسيط، لعلها نوع من الافكار الاشتراكية، نظير محاولة القضاء على التوزيع غير العادل للثروة، ولو بطرق غير مشروعة». عموماً حاولنا ان نربط تلك الحكايات ببعضها حتى نصل إلى أصل الأشياء المتناثرة هنا وهناك، وبينما نحن نغادر المكان عائدين إلى زمننا سمعنا صوتاً شجياً من بعيد يحمل نبرة حزن ينشد شعراً، فاقتربنا وإذا الصوت يقوى ويتضح فاقتنصنا أبياتاً، تقول: أنزلني الدّهر على حُكمِهِ من شامخٍ عالٍ إلى خفضِ وغالني الدهرُ بوفر الغنى فليس لي مالٌ سوى عرضي ابكاني الدهرُ وياربما اضحكني الدهرُ بما يرضي لولا بنياتٌ كزغب القطا رددن من بعضٍ إلى بعض لكان لي مُضطرَبٌ واسعٌ في الأرض ذات الطول والعرض وإنّما اولادنا بيننا اكبادنا تمشي على الأرض لو هبّت الريح على بعضهم لامتنعتْ عيني من الغَمضِ اهتززت طربا وقلت لهانز: الله ما أجمل هذا الشعر وما اروعه انه حب مثير، فالريح لوهبت على بنت من بناته فان عينه لا تنام، وياله لا يهدأ. .. وغداً نكمل