لنذهب اليوم الى ما وراء الخيال حيث لاعين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولنتعرف على هذه الانهار التي في الجنة، والتي حدثنا القرآن عنها، يقول الله تعالى (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها انهار من ماء غير آسن وانهار من لبن لم يتغير طعمه وانهار من خمر لذة للشاربين وانهار من عسل مصفى) 15 ـ سورة محمد صلى الله عليه وسلم. كما ان الانهار التي تجري من تحت الجنات (جنات تجري من تحتها الانهار) كررت في القرآن خمسا واربعين مرة. اي ان كل جنة من هذه الجنان الخاصة بالمسلم تجري من تحتها الأنهار، كما انه ورد في الآثار ان هذه الأنهار تصعد الى المسلم على سريره والولدان المخلدون بأيديهم الاكواب. لكي يشرب هذا المسلم، كما ورد ان هذه الانهار ترابها المسك اي تسير على تراب من مسك لان الجنة خلق آخر مختلف. واما نهر الكوثر فانه جاء في الحديث ان حافتاه من لؤلؤ وترابه المسك الا ذفر، ابيض من اللبن واحلى من العسل. بعد هذا تعال لنتأمل هذه اللوحة، انهار من ماء وانهار من لبن وانهار من خمر وانهار من عسل، وهذا الماء أطيب من العسل وابيض من اللبن غير آسن اي ليس له رائحة مكروهة ولا يتغير ولا يفسد ولا تعبث فيه الجراثيم اذن كيف يكون العسل نفسه وكيف يكون اللبن نفسه؟ ثم ما هذه الخمر التي تكون لذة للشاربين لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون (يتنازعون فيها كأساً لا لغو فيها ولا تأثيم). وما هذا التنازع انه ليس تنازع بين البشر وإنما هو تنازع بين البشر والكأس دون لغو او اثم، اي ليس هو من قبيل تضييع الوقت والثرثرة الآثمة. اما المؤمن فان كان جالسا على سريره طاف عليه الولدان بالاكواب وطافت عليه الملائكة بالتحية (ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قوارير قوارير من فضة قدروها تقديرا) 15 ـ 16 الانسان. لكن هل نستطيع ان نتخيل هذه الانهار الخمسة كيف تسير في الجنة وكيف تجري وكيف يتنزه عليها المؤمنون وكيف يشربون منها بآنية من فضة وآنية من ذهب وكيف رائحة الماء اذا كان المسك من تحته، وكذلك كيف طعم هذا اللبن وذلك الخمر، اما العسل وما ادراك ما العسل كيف طعمه؟ وكيف رائحته، نعم انه لذة للشاربين، لكن كيف هذه اللذة؟ هل نستطيع تصورها؟ كلا لا نستطيع لان الله اعد في الجنة لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. واذا كان كذلك فما هذا الحديث عنها؟ انه حديث تقريبي، يقربه للاذهان ويخاطبها بما تعرف وما تعقل، ويعطيها مثلا ويبين لها اوائل الخيال، اما الحقيقة فهي اغرب من الخيال، بعكس الدنيا فان الخيال دائما بعيد عن الحقيقة، اما في الجنة فالحقيقة اغرب من الخيال لانها لا تخطر على البال ولم يسمع بها بشر ولم ترها عين، لا شك انها لوحة رائعة ولو لم نستطع تخيلها. فهد الهاجري