في العلاقة بالأخر نستطيع القول بثقة ان هناك قصورا بين المسلمين، ويبين الرصد العام لحركة الفكر الإسلامي قصورا في الاهتمام بهذا الميدان، ربما لسوء تقدير أهمية هذا الجانب من كثير من المفكرين والعلماء المعاصرين. هذا لا يعني انه لا توجد حركة فكرية في هذا المجال، وإنما القصور الذي نعنيه يمكن في نوع الحركة واتجاهها بل وفي مفهوم الآخر بالنسبة للمسلمين. وإذا كان هذا القصور يعتبر خطأ في الماضي القريب، فإنه في الوقت الحاضر يعتبر خطيئة لا تغتفر، لأن الأمر أصبح يتعلق بوجود الأمة وبأخطار تحدق بالمسلمين وتطولهم لا شيء إلا لأنهم فقط مسلمون. ندع قليلا نظرية المؤامرة، ليس لأنها غائبة، ولكن لأنها ليست الوحيدة التي تفسر لنا حقيقة ما يحدث، فلا شك أن للآخر مصالحه وخططه الذي يعلن عنها وينفذها بغض النظر عن الشعار والسيناريو واسم الفيلم، ولكن من جانبا نشارك بجزء من المسئولية، تتمثل في الغياب الحضاري، وانعدام الفاعلية والتأثير، وإهدار الفرص المتاحة، والجمود الفكري. فمنذ الحملات الاستعمارية لعب الفكر الإسلامي في علاقته مع الآخر بخطة دفاعية تتمثل في مقاومة الغزو الفكري والدفاع عن الكيان والهوية والذاتية الثقافية الإسلامية في مواجهة الآخر (الغرب) ربما لأن الأخر جاء بوجهين أيضا : وجه العدو الذي يجتاح ديار الإسلام عسكريا ويقتسم نفوز الدولة العثمانية، ووجه المعلم الذي أضاف المطبعة إلى جانب المدفع في غزوته الاستعمارية وأحاطها بهالة من البريق وأضواء المدنية الغربية، فهو مركز العلم والتعليم الذي كان على أبناء المسلمين أن يقصدونه. إذا كانت هذه الظروف قد اقتضت أن يأخذ الفكر الإسلامي الموقف الدفاعي منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، فإن الراصد لمسيرة الفكر الإسلامي لا يجد عذرا لاستمرار هذا الموقف طيلة النصف الثاني من القرن العشرين أي بعد مرحلة التحرر الوطني، وحتى مع استمرار الغزوة الغربية في أشكالها الثقافية والاقتصادية، فإن التغيرات التي حدثت على خريطة العالم أتاحت فرصا كان يمكن أن تتغير فيها استراتيجية التعامل مع الآخر، وذلك من أكثر من زاوية: أولا: المقصود بالأخر، إذ أنه منذ أواخر القرن التاسع عشر يتجسد الآخر بالنسبة للمسلمين والعرب في الغرب، بينما يكاد يغيب الشرق وبخاصة الصين واليابان، رغم كل المقومات تؤكد أن مركز القيادة في المستقبل القريب سيكون في الشرق.وإذا كان أعداء المسلمين قد سبقوهم في التعامل الإيجابي مع مراكز القوى في الغرب (وسائل الإعلام، مراكز صنع القرار، جماعات الضغط) فهل يتكرر نفس السيناريو مع الشرق ؟ ومن المهم تسجيل حدود الأخر بالنسبة للمسلمين، وهو غير المسلمين من خارج ديار العالم الإسلامي، وهنا نثبت أن المواطنين غير المسلمين في دول العالم الإسلامي لا يدخلون في هذا «الآخر» ونسجل هنا اجتهادات غاية في الأهمية تؤكد انهم «مواطنون لا ذميون»على حد تعبير فهمي هويدي الذي اتخذه عنوانا لكتابه حول هذه المسألة. ثانيا: ان التقسيم التاريخي للعالم دار الإسلام ودار الحرب، قد تجاوزه الزمن، وهو اجتهاد قابل للتغير بتغير الزمان والمكان، بل أن بعض علماء المسلمين قدموا اجتهادات منذ عدة قرون تقسم العالم إلى أمة دعوة وأمة إجابة، وهنا أيضا نسجل محاولة علمية للاقتراب من هذه القضية وطرحها على بساط البحث العلمي تتمثل في مشروع العلاقات الدولية في الإسلام التي صدرت في عدة كتب مؤخرا عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي بالقاهرة. ثالثا: التحول من موقف رد الفعل إلى المبادرة والمبادءة، فالعجيب أنه باستثناء بعض المبادرات التي قامت به المنظمات والجامعات الإسلامية (المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (الإسيسكو)وجامعة الازهر)لا نكاد نجد مبادرات إسلامية أو عربية في العلاقة مع الآخر، وإنما غالبية اوجه الاحتكاك الفكري في هذا الميدان كان نتيجة لمبادرات غربية، خذ على سبيل المثال حوارات الأديان، فغالبيتها تصدر من الغرب، ومن الطبيعي أن صاحب المبادرة لديه مشروع وخطة، أما المدعو إليها فيكاد دوره يقتصر على القبول بما جاء فيها، أو في أفضل الأحوال تعديل بعض بنود الجدول، لذا نجد أن عددا كبيرا من هذه اللقاءات تغيب عنها قضايا حيوية بالنسبة للمسلمين وللأديان الأخرى أيضا مثل قضية القدس، بل أن أحد هذه الحوارات استهدفت توظيف اللقاء لصالح الصهيونية، لولا أن تصدى لها بعض المشاركين المسلمين، حيث تم تقديم سيناريو يتعامل مع المقدس كما يتعامل الحضور مع«التورتة»، فقدم أحد المشاركين حلا للصراعات الدينية مفاده أنه إذا كانت الفاتيكان هي المكان المقدس للمسيحيين، ومكة المكرمة هي المكان المقدس للمسلمين فلماذا لا نطالب بأن تكون القدس هي المكان المقدس لليهود !هكذا يتم تجاوز حقائق الواقع التاريخ والجغرافيا! هذا لا يلغي أهمية هذه اللقاءات ولا يقلل من دورها وانما ندعو إلى مبادرات إسلامية تقدم رؤية وأجندة لا تتضمن فقط قضايا المسلمين وهمومهم، وما يمكن أن تقوم به المؤسسات الدينية في هذا المجال وإنما تقدم تصورا لدور الأديان في حل المشاكل الكبرى التي تواجه الإنسانية اليوم وبخاصة ما يتعلق بقضايا الفقر والعدالة، الحفاظ على البيئة وحماية الأسرة، على النحو الذي حدث في التنسيق بين الأزهر الشريف والفاتيكان في المؤتمر الدولي للسكان والتنمية بالقاهرة لصالح حماية الأسرة. حينما ندعو إلى تجديد الفكر الإسلامي في هذا الميدان نشير أن ثمة خبرة للحضارة التاريخية في العلاقة مع الآخر فقد كانت عبر التاريخ في علاقات مستمرة مع الحضارات المجاورة، بل أن إبداعات الحضارة الإسلامية هي - إلى حد كبير- نتيجة لهذا التفاعل بين الداخل والخارج، أو بلغة العصر بين «الأنا» و«الآخر».وقد مرت العلاقة بالآخر بثلاث فترات يحددها الدكتور حسن حنفي في: الفترة الأولى كان الآخر (اليونان والرومان وفارس والهند)معلما وكانت الأنا(الحضارة الإسلامية الناشئة)متعلما.أما في الفترة الثانية فقد كانت الأنا (الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي)معلما، وكان الآخر (الغرب في العصر الوسيط)متعلما.ثم جاءت العصور الحديثة بفترة ثالثة أصبحت الأنا فيها متعلما والآخر معلما.ولكن هذا لا يعني الأخذ المطلق عن الأخر، فالغرب لم يفعل ذلك في تكامله مع الحضارة الإسلامية، وعلينا أن نمارس نفس المنهج في تعاملنا مع الحضارة الغربية اليوم. وإذا عدنا إلى أصول الإسلام نجد انه يقدم صورة إيجابية لـ «الآخر» تقوم على الاحترام والإخاء، فالدين الحنيف يكرم الآخر لمجرد كونه إنسان «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا»-الإسراء : 70-والمسلم ينظر للآخر باعتباره أخا له في الإنسانية مصداقا لقوله تعالى: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله اتقاكم»-الحجرات: 13. وفي السنة النبوية نجد ملامح هذه الصورة في عدة نصوص، و منها قوله صلى الله عليه وسلم فى خطبة الوداع: «يا أيها الناس ألا أن ربكم واحد وإن أباكم واحد ..كلكم لآدم وآدم من تراب »ومن استقراء النصوص الواردة في هذا الصدد نجد أن العدل سمة أساسية في التعامل مع غير المسلمين. فضلا عن أن الإسلام يعترف بالأديان السماوية كلها، بل لا يكتمل إيمان المسلم بدون الإيمان بجميع الرسل والنبيين فيقول تعالى «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل أمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير»-البقرة : 285-وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ان الإيمان هو «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره». وإذا كانت بعض الرؤى الأخرى تتبنى مفهومها للعلاقة مع الأخر وبخاصة المسلمين، يقوم على الصدام بحجة ما يسمى بصدام الحضارات (مثل: أراء هنتنجتون ونيكسون) فإن العلاقة بالآخر تقوم فى الفكر الإسلامي على التعايش السلمي و الحوار وليس على الصدام : «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون»-آل عمران 64- تؤكد الآية بوضوح دعوة الإسلام إلى التعايش السلمي مع الآخر،فإذا كان الإسلام قد جعل فى قلوب المسلمين متسعاً للتعايش مع بنى الإنسان كافة، ففيه من باب أولى، متسع للتعايش بين المؤمنين بالله، وإن كان هذا التعايش لا يعنى أننا متفقون في كل شئ. لا يتسع المجال لذكر المرتكزات الإسلامية للعلاقة مع الآخر، وإنما فقط ننبه إلى ثراء الفكر الإسلامي في هذا المجال، وفي الوقت حاجة المسلمين الضرورية إلى الاجتهاد والتجديد في هذا الميدان في ظل معطيات العصر وظروفه. د.محمد يونس