ان مبررات ديف لاجراء اول عملية زراعة للشعر كانت نموذجية فمستشار الانترنت البالغ من العمر 26 عاما والذي يعيش في لوس انجلوس اراد ان يشعر بالثقة في تعامله مع الجنس الآخر وفي تعامله مع مكان العمل الحافل بالتنافس. ولسوء الطالع، فإن خط الشعر المتراجع لديه ازداد سوءا في الآونة الاخيرة لدرجة انه اعتاد على ارتداء قبعة بيسبول معظم الوقت، وعندما كان ينزعها كان الناس يفاجأون بمظهره الذي يبدو اكبر بـ 10 سنوات. بعد تسعة اعوام، خضع ديف لثماني عمليات زراعة للشعر بتكلفة اجمالية قدرها 11000 دولار. ولكن بدلا من ان يعيد الشباب لرأسه، قتلت الازمة النفسية الناجمة عن العمليات الجراحية المتكررة الكثير من بصيلات الشعر. والآن كل ما يتمناه ديف هو ان يستطيع اخفاء الدليل على اجرائه تلك العمليات. ويقول بهذا الخصوص: «انني حتى لا أملك خيار حلاقة رأسي بسبب الندوب. وأبدو مثل من تعرض لحادث سير قوي». ان تجربة ديف ليست فريدة من نوعها، ففي خضم السعي للحفاظ على رأس مليء بالشعر، يقوم مئات الألوف من الرجال سنويا باخضاع انفسهم لعمليات مكلفة يمكنها في افضل الاحوال ان تعطي قليلا من التغطية الاضافية وان تنتهي في أسوأها الى خيبة امل وتشوه. اذن ما هو الحل؟ هل الحل هو الاختباء تحت قبعة بيسبول الى الابد؟ وحتى اليوم، لم يتميز العلم بالضبط في البحث عن اي شيء افضل. فلا يستطيع اي من العقارين المضادين للصلع الموافق عليهما حاليا من ادارة الغذاء والدواء الامريكية ان يحولا الرأس الاصلع الى رأس كثيف الشعر. افضل العقارين يقدم احتمالا بنسبة 50% بأن يعود بعض الشعر الى النمو بعد سنة من الاستخدام، بينما لا يزال السبب الذي يجعل العقار الثاني، الذي كان يباع اصلا كعلاج لضغط الدم، مفيدا في علاج هذه المشكلة ـ لا يزال يشكل لغزا. ولهذا فإنه عندما بدأ العلماء، الذين يجرون بحوثا على تساقط الشعر، الحديث بتفاؤل عن هجوم جديد على الصلع وعن علاجات متطورة تتراوح بين كريمات جينية وبصيلات شعر «مستنسخة» وعن جعل فروات الرأس الصلعاء امرا عفى عليه الزمن تماما مثلما حدث مع لثة الفم الخالية من الاسنان. وبسماع هذه الابواق، فإن من الصعب ان لا يشعر المرء بالشك حيال ما يقال. ومع ذلك، فإن هذا هو ما يقوله الخبراء هذه الايام. وفي هذه المرة، قد يكون هناك شيء من الصحة فيما يقال. ان ما تغير هو المستوى غير المسبوق من الفهم لدى العلماء الآن حول اسباب الصلع، والهجوم الجديد على الصلع سيشن لا بالمستحضرات السائلة المشكوك فيها او بالجراحة التي قد تصيب او لا تصيب وانما بالعقاقير والعلاجات التي تستهدف الجينات والبروتينات والهرمونات الحقيقية التي تتآمر لتحويل بعض الرجال الى صلعان. ويتنبأ رودني سنكلير، وهو عالم بالجلد وأمراضه في جامعة ميلبورن والذي يستعد للقيام بأكبر الجهود على الاطلاق لاقتفاء اثر الجينات التي تعرض الرجال سلفا للصلع يتنبأ بما سيجري قائلا: «خلال الاعوام العشرة المقبلة، سنرى نهجا مختلفا في العلاج. وسنبدأ برؤية المزيد من العلاجات القائمة على المورثات والتي ستدوم فترة اطول وتكون اكثر تحديدا». ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا بقوة هو هل يستحق الامر كل ذلك العناء وبرامج البحث التي تكلف ملايين الدولارات؟ ان المرضى المحتملين يعتقدون ان الامر يستحق بالتأكيد ما يبذل فيه من جهد وعناء وأموال. يقول رون كريستال، مدير معهد الطب الوراثي في ويل كورنيل ميديكال كوليج في نيويورك: «انه لأمر مذهل مدى اهمية هذا العمل لاعداد غفيرة من الناس. انني اتلقى رسالتين او ثلاث رسائل بالبريد الالكتروني في الاسبوع من رجال في انحاء العالم، اشخاص تدمروا بفعل الصلع يناشدوننا ان نفعل شيئا حيال ذلك. والناس يرسلون لي صورا مقطعية لرؤوسهم» وكريستال معروف بجهوده في تطوير علاجات جينية للسرطان وأمراض القلب، ولكنه اكتشف ايضا في خضم هذه العملية مورثة تجعل الشعر ينمو ـ على الاقل في الفئران. حوالي 15% من الرجال مثل ديف يفقدون كمية واضحة من الشعر بحلول سن الثلاثين ويفقد 50% منهم الشعر في سن الخامسة والاربعين. وعادة ما يكون ذلك صلعا على النمط التقليدي لدى الرجال والذي يبدأ بنقرة مقدمة الرأس ويزحف حتى يصبح الرأس كله اصلع باستثناء مؤخرة الرأس. لكن ما يعتبر تقليديا لدى الرجال يعتبر نادرا لدى بقية الكائنات في المملكة الحيوانية، ولا يعاني من هذه المشكلة سوى قرد المكاك الآسيوي. والنساء ايضا يعانين من فقدان الشعر المرتبط بتقدم العمر، ولكنه غالبا ما يكون قليل الانتشار وأقل تأثيرا من الصلع لدى الرجال. يبلغ عدد الشعر الذي يغطي جميع أنحاء الجسم خمسة ملايين شعرة في الاجمال، وهو شعر ناعم وقصير في معظمه بينما تمتاز الـ 100000 شعرة التي تغطي فروة الرأس بأنها اكثر كثافة وطولا وغمقا في اللون على الاقل طوال العقود الاولى من العمر. وفي اطار الجهود الرامية لحل اللغز المتعلق بغياب الشعر، يقوم الباحثون المتخصصون بفقدان الشعر باقتفاء اثر نوع مهدد بالانقراض من الغوريللا. ويقومون مرة في الشهر بتصوير نفس السنتمتر المربع من فروة الرأس وبصيلات الشعر بالمئة او ما يقارب ذلك الموجودة فيها، ويحلقونها ثم يعيدون تصويرها بعد يومين. ان بحثهم يجعل من الواضح تماما ان الصلع وعكسا للتوقعات لا يتعلق بعدم وجود الشعر وانما بوجود النوع الخاطيء من الشعر. فالرجل الاصلع لا يزال يملك نفس عدد البصيلات كالرجل المكتمل شعر رأسه وكل ما في الامر هو ان الشعر اصبح مصغرا. ومن الواضح ان هناك شيئا ما في بصيلات معينة يجعل هذا الامر يحدث ويعتقد برونوبرنارد، وهو عالم كيمياء يعمل في مجموعة بحوث بيولوجيا الشعر التابعة للوريال في كليشيه بفرنسا انه يعرف ماهية هذا الشيء. ولكن لا يزال من السابق لأوانه التحقق من صحة هذا الاعتقاد خاصة وان النتائج التي توصل اليها تمت من خلال دراسة نماذج على الحاسوب وليست من خلال تجارب على البشر بشكل مباشر. والى ان يتوصل العلماء والباحثون الى علاج شاف للصلع، يبقى المرضى متفائلين ومتمسكين بالأمل مهما كان ضعيفا في ان يعود اليهم الشعر الذي يزين رؤوسهم. ضرار عمير