يرجع علماء الاستراتيجية العسكرية الحديثة منشأ نظرية الدفاع الدائري الى الحرب العالمية الثانية! والحقيقة ان أول من استخدم هذه النظرية هو رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق للدفاع عن المدينة المنورة! ويدعي خبراء الاستراتيجية العسكرية ان فكرة الهيئة الحيوية والتي بالاستيلاء عليها تحدث تغييرات سياسية وعسكرية هامة في العدو.. تم التفكير فيها بعد معارك الجنرال ماك أرثر في الباسفيك!! والواقع ان أول من تنبه الى هذه الفكرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نبه رماة السهام بأهمية جبل أحد ونصحهم بعدم تركه مهما حدث.. وعندما تركوه التف من حوله المشركين واستولوا عليه وأحدثوا أول هزيمة للمسلمين!! ويزعم علماء العسكرية أنهم أول من أرسوا قواعد الاستعداد القتالي.. أي وجود قوات على درجة عالية من الاستعداد القتالي.. جاهزة للعمل الفوري دون أدنى حاجة الى اجراءات تدريبية.. وهو ما يطلق عليه «درجة الاستعداد القصوى». ولم يدرك هؤلاء العلماء ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديثه الشريف: «خير الناس منزلة: رجل على متن فرسه يخيف العدو ويخيفونه». حول هذا الموضوع المهم يقدم لنا اللواء أنور أبو خطوة كتابه الجديد: «محمد صلى الله وسلم معلم الاستراتيجية» الذي يتضمن ثلاثة أبواب ويقع في 196 صفحة. يتحدث المؤلف في الباب الأول عن العقيدة العسكرية الاسلامية موضحا ان علماء الاستراتيجية أكدوا ان محتوى العقيدة العسكرية للدولة هو محتوى تاريخي في طبيعته.. ويتغير تبعا للتغيرات الجذرية للأفكار السياسية والعسكرية. ولكن العقيدة العسكرية الاسلامية.. لصلتها العضوية برسالة الاسلام.. الذي هو دين سلام.. لا تتغير ولا تتبدل.. كما تتغير وتتبدل عقائد الأمم الأخرى بحسب أهواء الساسة أو القادة أو تحقيقا للمصالح والأطماع. فحتى تقوم الساعة ستظل العقيدة العسكرية الاسلامية عقيدة غير عدوانية. لا تقاتل للسيطرة أو التوسع أو الاستيلاء. وانما تقاتل للدفاع ورد العدوان.. والأمة الاسلامية ملتزمة بتلك العقيدة التزامها بعقيدة الاسلام.. فهي تصلها وتخضع لتوجيهاتها وتمدها بروحها.. فتعاليم الاسلام هي مصدر القوة والفاعلية للعقيدة العسكرية التي هي الدرع التي تحمي رسالة الاسلام وتدافع عن الأمة الاسلامية. وهذا الارتباط الوثيق هو الذي جعل المسلمين في صدر الاسلام كما وصفهم الفيلدمار شال مونتجمري، والقائد البيزنطي نققور فوقاس «بأنهم قوم لا يقهرون». ولنسأل أنفسنا: ما هي مصادر تلك العقيدة العسكرية؟! انهما: القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.. فالقرآن الكريم ليس كتاب دين فقط.. يحث على اخلاص العبادة لله والتقريب اليه فحسب.. وانما هو الى جانب ذلك دستور من أعظم الدساتير التي عرفتها الانسانية في تاريخها الطويل عبر الزمان.. بل هو أعظم وأقدس وأشرف دستور عرفته الانسانية جمعاء. وقد أوضح ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف حيث قال: «تركت فيكم ما ان تمسكتم به، فلن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي». رباط الخيل! وفي الباب الثاني يستعرض المؤلف استراتيجية الردع في الاسلام مؤكدا أنها تقوم على العديد من الأسس التي تستمد منها الفاعلية تماشيا مع قول الله تعالى: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم». القوة: هي الأساس الأول. وقد ورد لفظ القوة مطلقا بغير تحديد.. فهو يتسع ليشمل كل عناصر القوة ماديا ومعنويا.. فالقوة العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والنفسية.. هي كلها عناصر القوة. التأهب الدائم «رباط الخيل» : والتأهب الدائم من ضروريات الردع الحيوية.. بل أنه لا قيمة للقوة ما لم يلازمها مستوى عال من اليقظة والحذر ودرجة عالية من الاستعداد للعمل الفوري.. وقدرة فائقة على الحركة السريعة لرد العدوان. اعداد الأمة للحرب: تتطلب استراتيجية الردع في الاسلام اعداد الأمة للحرب.. فان نظام التكليف بالجهاد فرض كفاية أو فرض عين على جميع أبناء الأمة. ومن واجبهم الاستعداد والاعداد والتدريب وكل مال يدعم الأمة وقت الحرب من أسباب القوة المادية والمعنوية. تحقيق الاكتفاء الذاتي للأمة: ومن مقتضيات استراتيجية الردع في الاسلام ان تحقق الأمة الاسلامية الاكتفاء الذاتي في مجالات بناء القوة.. فتكون المصادر المختلفة لانتاج القوة في أرضها ومن اعداد ووضع أبنائها.. لان اعتماد الأمة في ذلك على غيرها ينطوي على مخاطر كثيرة ويضعها في مهب تقلبات المصالح والأهواء وموازين القوة.. ولايمكنها من الوفاء بالمهمة التي كلفت بها. استمرار وجود قوة الردع واستمرار تطويرها: ومن الضرورات الحيوية لاستراتيجية الردع في الاسلام توفير عنصر الاستمرار في أعداد ووجود قوة الردع وبكل قدرات الردع في كل زمان.. فالتكليف القرآني للأمة «وأعدوا» قائم وباقي الى ان تقوم الساعة.. ومقتضى ذلك ألا تفتر عزائم الأمة الاسلامية عند اعداد القوة بكل مقومات الردع وعناصره تحت أي ظرف من الظروف. وورود لفظ «القوة» دون تقيده بشكل معين يعني منطقيا ان تطور القوة في شكلها ونوعها وتركيزها وأساليب استخدامها لتتناسب روح العصر الذي يحتويها.. لان الأمة الاسلامية ان لم تغفل ذلك وتخلفت عن مقتضيات عصرها. فان قوتها التي أمرها بها ربها لاعدادها تفقد قيمتها وفاعليتها وتعجز عن الوفاء بمهمة ارهاب الاعداء واخافتهم.. وبالتالي ستتعرض الأمة الاسلامية للخطر والهلاك. التصدي للقوة المضادة: واستراتيجية الردع الاسلامية تستلزم التصدي للقوة المضادة المستترة.. سواء داخل البلاد.. أو خارجها. وتستوجب مواجهتها بكل الوسائل لحماية الجبهة الداخلية للأمة.. ويقتضي ذلك وجود أجهزة متخصصة نذكر منها: قوات الشرطة.. أجهزة مباحث أمن الدولة.. قوات الدفاع الشعبي وحراسة المنشآت الحيوية.. أجهزة المخابرات.. أجهزة مقاومة الجاسوسية.. أجهزة الاعلام والتوعية والى جانب ذلك كله وعي عام لدى أبناء الأمة الاسلامية جميعا بواجبهم في هذا المجال. النظر البعيد! وينتقل المؤلف في الباب الثالث الى الحديث عن المبادئ الأساسية للحرب في الاسلام.. والتي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يطبقها في حروبه.. تلك المبادئ التي تتمثل في عدد من العوامل الهامة: الاستكشاف «الاستطلاع» : لقد ظهر الرسول صلى الله عليه وسلم في عصر لا يعرف فيه عن الحرب سوى الكر والفر والاقدام والاحجام.. لم تعرف فيه الحرب كفن.. ولهذا لم تخضع الحرب عند العرب لمبادئ أو أصول. ولما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم وبدأت غزواته لم تعد الحرب على تلك الصورة التي كانت عليها قبل بعثته فقد كان الرسول يفكر بعقلية رجل حرب ذي العقل المدبر والتفكير السليم والرأي الصائب والنظر البعيد. وكان الحصول على المعلومات عن العدو من أهم النواحي التي عني بها الرسول صلى الله عليه وسلم.. فهو لم يلتق مع جيش من جيوش أعدائه الا بعد ان درس حالة الجيش وعدته وتسليحه.. وبعد ان وضع الخطة التي تتناسب مع هذه الدراسة وتتفق مع ما لديه من معلومات عن جيش عدوه. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث بعيونه للاستطلاع وأحيانا كان يقوم بنفسه بهذه العملية. الحشد: الحشد معناه جمع أكبر عدد من القوات المقاتلة وتوجيهها الى الغرض الرئيسي للعملية. وبقراءة تاريخ الحروب نجد ان النصر كان دائما حليفا للجيش الذي تم حشده وحسن تنظيمه.. وأمثلة الحشد في التاريخ الحربي كثيرة ومتعددة. ولقد أدرك الرسول القائد قيمة الحشد. فبذل جهدا كبيرا في حشده قواه خلال العمليات المختلفة.. تقديرا منه لمبدأ الحشد.. واعترافا بفضل هذا المبدأ في الحصول على النصر. المفاجأة: تعتبر المفاجأة عنصرا قائما بذاته.. لما لها من الآثر المعنوي الذي يؤدي الى أحداث الارتباك والرعب في صفوف الأعداء. ولو ان المفاجأة في الحروب الحديثة.. يبدو أثرها واضحا بالنسبة لكثرة الأسلحة وموارد النيران.. الا أنها في عهد الرسول كان لها أثر كبير أيضا على القوات التي يهاجمها.. رغم بساطة الأسلحة المستعملة في تلك الحروب. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحارب دائما بجيش قليل العدد.. أي ان التفوق العددي والتفوق في التسليح.. كانا دائما في الجبهة المعادية.. ومع هذا فان المعارك كلها انتهت لصالح الرسول.. ومعنى هذا ان مفاجأة الرسول لاعدائه لم تكن مفاجأة عددية.. أي شن الهجوم بقوات كبيرة.. بل كانت مفاجأة لاغراض استراتيجية وتكتيكية. التعرض: التعرض معناه الهجوم أو المبادأة.. ومن المعروف ان الحروب تكتسب بالعمل الايجابي لا بالعمل السلبي. وان الهجوم هو خير وسيلة للدفاع.. والقيام بالهجوم يعطي الثقة التامة للقوات المحاربة. كما يمنح الفرصة لاحراز النصر. وكان الرسول دائما يتخذ خطة المبادأة والتعرض.. وكان دائما هو المفاجئ في الحرب. التطويق: ويسمى أيضا الحصار.. ويتم اكتساب النصر دون الحاجة الى المطاردة عندما تطوق القوات جيش العدو تطويقا تاما وتجبره على الخضوع والاستسلام. والتطويق في فن الحرب. هو أسهل وسيلة للقضاء على العدو. وقد عرف ذلك القاده العسكريون في جميع العصور. وأدركوا أنه وسيلة عسكرية فعالة. والتاريخ مليء بالأمثلة الناجحة في عمليات التطويق. فمثلا عندما قام الجنرال نابليون بونابرت باحتلال مدينة أولم عام 1805 لأكبر دليل على نجاح التطويق.. وكذا ما قامت به ألمانيا من عمليات التطويق عام 1914. حيث عزلوا الجيوش الفرنسية عن القوات البريطانية التي كانت تنزل في ذلك الوقت في ميناء الهافر. ورغم تباعد العصور التي تمت فيها هذه العمليات. والعصر الذي نشأ فيه الرسول. الا أنه أدرك أهمية التطويق في الوصول الى النصر. المطاردة: من المعلوم ان المطاردة تتم حتى لا يترك الجيش المنتصر الجيس المهزوم يعيد تنظيم قواته من جديد ليعود الى مسرح العمليات فيصبح شوكة من جديد في جانب الجيش المنتصر.. ومن هنا يجب ازالتها وبمعركة جديدة. ومما لاشك فيه ان الجيش المنهزم يفقد الكثير من روحه المعنوية ومن قدرته على حمل السلاح.. وتفتر عنده الرغبة في الحرب. ومن هنا فان أي ضربة حتى ولو كانت بسيطة وضعيفة تقضي عليه قضاء مبرما.. ولا يستطيع استعادة رغبته في القتال من جديد.. وتاريخ المسلمين مليء بالكثير من هذه الأمثلة في غزوات: السويق وبدر وحنين.