من كلام الأحنف بن قيس. واسمه الضحاك وقيل صخر. جنبوا مجلسنا ذكر النساء والطعام، فإني أبغض الرجل يكون وصّافا لفرجه وبطنه. وإن من المروءة أن يترك الرجل الطعام وهو يشتهيه. وسئل عن الحلم فقال: هو الذل مع الصبر، وكان يقول إذا عجب الناس من حلمه: إني لأجد ما تجدون ولكني صبور. وكان الأحنف يقول: ما تعلمت الحلم إلا من قيس بن عاصم المنقري لانه قتل ابن أخ له بعض بنيه، فأتي بالقاتل مكتوفا يقاد اليه فقال: ذعرتم الفتى! ثم أقبل على الفتى فقال: يا بني بئس ما صنعت نقصت عددك، وأوهنت عضدك، وأشمت عدوك وأسأت بقومك، خلوا سبيله، واحملوا إلى أمّ المقتول ديته، فإنها غريبة. ثم انصرف القاتل وما حل قيس حبوته، ولا تغير وجهه. أي أخلاق هذه! وأي ترفع عن الدنايا والسفاف سما إليه الأحنف! وأي حكمة وصبر وبعد نظر كان عند قيس بن عاصم! لقد تعالى فوق العصبية والمواقف العاطفية، ورقى إلى العقل والفهم والتأني وعمق النظر، فكان لا يأخذ بالزلة والتصرف الأهوج، بل يعفو ويصفح، ويرى انه ان عاقب ابن أخيه فقتله فلن يكون صاحب فضل واحسان، ورأى الفضل والاحسان أبقى في نفوس الناس من العقوبة، وبخاصة اذا كان الشخص المعاقب ممن تعرفه أو تربطك به وشائج قربى وصلة، فإنك عندما تعفو عنه فكأنك أعتقته بل ربما يراك كأنك وهبته الحياة في الوقت الذي كنت قادرا فيه على الانتقام أو الأخذ بجريرة القتل، لأجل هذه المواقف والأخلاق كان الأحنف حكيما وعظيما، وكان قيس كذلك في عقله وصبره وحلمه وحكمته وجلده وتحمله، هكذا فليكن الرجال الأشداء، يضبطون أنفسهم، ويهيمنون على انفعالاتهم وعواطفهم، فليس الشديد بالصرعة أي الذي يصرع الناس ويغلبهم، إنما الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب، ويملك نفسه عند الحزن، ويملك نفسه عند الفرح، ويملك نفسه عند كل شهوة من شهوات النفس وميل من ميولاتها وهوى من أهوائها، فلا يشتط ولا يبالغ، ولا يفْرط ولا يفرط، ويقود نفسه إلى الخير ولا يتركها تقوده إلى الشر. د.علي مشاعل تواجه الأمة الاسلامية تحديات متعددة.. تستوجب على جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.. ان يتضاموا على قلب رجل واحد.. استجابة لدعوة القرآن الكريم الى توحدهم وتعاونهم، حيث يقول الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا».. كما يقول عز وجل في سورة المائدة: «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان». حول هذه القضية الخطيرة يقدم لنا الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الازهر كتابه المهم: التضامن في مواجهة التحديات» الذي يتضمن أربعة فصول.. «124 صفحة ـ دار الشروق». يؤكد المؤلف في الفصل الأول ان مخططات أعداء الاسلام تركزت في تمزيق وحدة الأمة وتفريق صفها وجعلها أقاليم وقوميات.. وكان شعارهم في هذه المخططات: «فرق تسد». ولما كان كتاب الله تعالى أكبر شيء يوحد المسلمين. عملوا على محاولة ابعاد المسلمين عن دستورهم السماوي.. وقال قائلهم: «لا قرار لنا ما دام المصحف في أيدي المسلمين».. وأيضا حاولوا هدم أسباب تواصل المسلمين الثقافي عن طريق ترويج نظريات مادية بعيدة عن الاسلام ومعادية له.. وعن طريق اشاعة بعض التيارات والمذاهب المادية. كالوجودية والشيوعية والوثنية والدهرية والقاديانية والعلمانية. الى غير ذلك من التيارات. كما عملوا على نشر الآراء الغربية. وبث الأفكار البالية. التي تعمل على تفريق الأمة. وحرص الاستعمار قبل تخليه عن بعض المواقع والبلاد التي نزح عنها.. ان يدع بعض مواقع في الحدود لتكون بمثابة شوكة تتثير الخلافات بين وقت آخر. كما أشعل نار الفتن بين بعض الدول حتى لا تجتمع كلمتها.. وحتى لا يتوحد صفها. وقد بذلت محاولات مخلصة في طريق التضامن.. استهدفت في أخلاص أكيد قيام التضامن الاسلامي بين بلاد العالمين العربي والاسلامي.. بيد ان التمزق والخلافات السياسية والعقدية.. تمثل عقبات في طريق هذا التضامن المنشود. فكان لابد من مناهضة أسباب التمزق والخلافات.. والدعوة الى تنقية الأجواء.. والدعوة الى سوق اسلامية مشتركة.. حيث ان الأوضاع العالمية اليوم تستوجب على المسلمين ان يحافظوا على اقتصادهم ومكاسبهم ومصالحهم.. وأخطر ما يواجه العالم الاسلامي هو انعزالية بعض الدول والبلاد. ولقد أصبح من أهم الأهداف الاستراتيجية للنهوض بالاقتصاد الاسلامي قيام سوق مشتركة. ولكن هذا لابد ان يسبقه توحيد القوى والصفوف.. ولعل ما تعانيه الأقليات الاسلامية في العديد من الدول.. يستوجب علينا ان نحقق الدعوة الى التضامن حتى تصبح واقعا ملموسا عمليا لامرية فيه. وفي الفصل الثاني يوضح المؤلف ان الاسلام هو العقيدة الوحيدة التي لها قاعدة تربط بين الأمم والشعوب وتوحد الصف الانساني. واذا أستنبأنا التاريخ البشري عبر أشواطه البعيدة عن هذه الحقيقة لما وجدنا سوى الاسلام الذي ارتضاه الله دينا قيما ملة ابراهيم حنيفا. ولكم طالعنا التاريخ بأمم بلغت في القوة ما بلغت ووصلت في تقدمها الحضاري ما وصلت. ولكنها كانت بعيدة عن روح الاسلام.. فما دارت عليها دورة الحياة الا وأندكت عروشها وتصدعت حضارتها.. لأنها لم تقم على أساس ولم يكن لها من القوة الروحية نصيب. والأمم التي لا تأخذ بشريعة الاسلام ومبادئه يدب بينها الخلاف.. ويستشري بين صفوفها التشاحن. وتشتعل فيها الفتن والحروب.. وأمة الاسلام المترامية الأطراف لها من عقيدتها أقوى رابطة لو أنها حرصت عليها وجاهدت في سبيلها.. فانها تغدو قوة كبرى لا تنازعها أمة في الوجود قاطبة ومن هنا دعت الحاجة الملحة الى التضامن الاسلامي لايقاظ مشاعر الأخاء والتواصل في سائر أرجاء الوطن الاسلامي. ليهب الجميع عن بكرة أبيهم متعاطفين متساندين على البر والتقوى. وفي التضامن الاسلامي قوة في شتى المجالات. أولا: في الجانب الاقتصادي مجال واسع يؤدي التضامن فيه أدوارا بالغة الأثر بين الأفراد والجماعات. والأمم والشعوب.. فتخف الأمة الاسلامية لاغاثة المسلمين. وسد حاجاتهم ومعاونتهم وتفريج كربهم.. سواء كانوا من بلدهم أو من غير بلدهم. قربوا منهم أو بعدوا.. فالوطن الاسلامي لا حدود له تحده.. ولا فوارق جنس أو لغة تقف في سبيل تضامنه. وفي سبيل تكاملة الاقتصادي تتلاقي تعاليم الاسلام لاستثمار خيرات الأرض للصالح العام بين المسلمين.. يعاون كل فرد أخاه وكل مجتمع غيره بما لديه من خير أيا كان نوعه. وقد أوجب الاسلام حقوقا في كل الجوانب الاقتصادية دعما لتكافل المسلمين وتساندهم. ثانيا: في الجانب الثقافي.. ويظهر التضامن بصورة واعية تدرك أبعاد الحركات الثقافية التي تدور حول آفاق العلم والمعرفة.. وتدرك أهمية التخصصات العلمية في كل مجال. ليسهم كل تخصص في بناء الحياة في الجانب الذي يحتاج اليه.. ويفسح المجال أمام نهضة علمية اسلامية.. تتجاوب معها كل أرجاء العالم الاسلامي. داعية الى الاسلام.. مقاومة كل حركات المناوئين للدعوة.. المتربصين بها. ونشر الوعي الديني الصافي في كل قطاعات الأمة الاسلامية وفي كل ميادين الحياة صناعية كانت أو تجارية أو زراعية وفي كل ميادين العمل المختلفة.. حتى لا ينحصر الوعي الديني لدى الطبقات من المثقفين فحسب. ويسهم في هذا كل بلد اسلامي بما لديه من امكانيات علمية وتخصصات دقيقة في سائر فنون العلم والمعرفة. وبحيث تكون هناك دوائر عامة تربط بين البلاد.. وتنظم شيءون الفكر والثقافة.. شريطة ألا تحيد عن منهج الاسلام وقيمة. ثالثا: في مواجهة أعداء الاسلام وللتضامن الاسلامي رسالته الجليلة في مواجهة الفكر المادي ومقاومة الغزو الفكري والالحاد في كل صوره وأشكاله. والجهاد في سبيل الله.. ذلك أقوى دلالات الايمان الصادق والعقيدة الصحيحة. كما ان النكوص عن مواجهة التيارات الوافدة والعقود عن الجهاد في سبيل الله.. وأيثار أعراض الدنيا.. دلالة على الخروج عن روح الاسلام ومبادئه. قال تعالى في سورة التوبة: «قل ان كان آباؤكم وأبناؤكم واخوانكم وأزواجكم وعشريتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب اليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين». وفي الفصل الثالث يشير المؤلف الى الوحدة باعتبارها من أهم ركائز التضامن الاسلامي الذي تنشده الأقطار الاسلامية عبر التاريخ.. فيوم ان يتحد العالم الاسلامي في مشارق الأرض ومغاربها تحت راية «لا اله الا الله محمد رسول الله».. يوم ان تنعم المجتمعات والشعوب بالأمن والاستقرار والسعادة والرفاهية.. فلا يتهددها عدو ولا يحدث بها خطر ولا يتآمر عليها الباطل مهما كان مدججا بالأسلحة. ولا يتسرب الى حماها غزو فكري.. ولا تيار من التيارات المادية. ولا تحلل خلقي.. وذلك ان الوحدة سياج منيع يصون حماها من كل دخيل.. ويحفظ عليها أمنها واستقرارها. بل لا خوف على غيرها من الأمم.. لان لديها ايمانها.. وهو ما يقرر العدل في الأرض.. ويحقق السلام والاصلاح. ويشيع في جوانب الحياة كل معروف. ويطهرها من كل منكر.. ويومها يفئ الناس في ظلال الايمان أحبة آمنين.. قال تعالى في سورة آل عمران «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله». ويقرر القرآن الكريم ان أهل الايمان والحق حين يتمكن الله لهم في الأرض. فهم ينصرون دين الله ويرفعون راية العدل الالهي.. ويقيمون شعائر الدين وأحكامه.. ويؤدون الأمانة الالهية على أكمل وجه.. أمر بالمعروف ونهيا عن المنكر.. قال تعالى في سورة الحج: «الذين ان مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور». وقد أكد الله تعالى روح هذه الوحدة وجوهر هذا التضامن الاسلامي في حب بين المؤمنين وموالاة ورغبة في الخير والاصلاح.. فقال عز وجل في سورة التوبة: «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله ان الله عزيز حكيم». ضرورة ملحة! وفي الفصل الرابع يتحدث المؤلف عن السوق الاسلامية المشتركة باعتباره ضرورة ملحة تستوجبها أحوال امتنا الاسلامية الراهنة التي تمر بها. فالتضامن لا يكون قويا الا باقتصاد قوى.. ولا يكون الاقتصاد قويا الا بالتكامل بين الدول.. الذي تتبدى أهم معالمه في سوق اسلامية مشتركة. والناظر الى الدول الاسلامية يرى أنها تشغل مساحة واسعة من الأرض. وقد حباها الله تعالى بثروات هائلة.. كالبترول والمعادن والزروع والثمار. وتتمتع بتربة خصبة ذات خيرات كثيرة.. ولقد كان من الممكن لو سارت الدول الاسلامية نحو التكامل والتضامن. ان تغدوا أعظم قوة على ظهر الكوكب الأرضي.. الا ان التفكك وعدم الاتحاد والترابط.. أفرز الضعف في بعض دويلاتها.. والتخلف في بعض مناحيها. ومهد للاستعمار طريقه اليها.. بينما اتجهت الدول الأوروبية نحو طريق التكامل بقيام السوق الأوروبية المشتركة.. مع أنه كان من المنتظر ان يكون الأمر على خلاف هذا.. لان الاسلام هو دين الوحدة والتضامن والدعوة الى التكامل.. يدعو المسلمين الى ان يسعى بذمتهم أدناهم.. وهم يد على من سواهم.. ويدعو الى الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق.. قال الله تعالى في سورة آل عمران: «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا». ومن أجل هذا نرى أنه قد آن الأوان لانشاء سوق اسلامية مشتركة تغطي المصالح المشتركة بين الدول الاسلامية الشقيقة.. حتى تقوى على محابهة التحديات المعاصرة التي تواجهنا بين وقت وآخر.. وفي امكان الدول الاسلامية ان تقوم بهذه السوق في تكامل اقتصادي يشمل التعاون في المجالات الزراعية والتجارية والصناعية ووسائل المواصلات والنقل. ومن الممكن ان تقوم السوق الاسلامية على التبادل التجاري في الموارد الاقتصادي.. التي أنعم الله تعالى بها على الدول الاسلامية: زراعية ومعدنية وبترولية وحيوانية.. وهي موارد لو تم التنسيق في دولنا الاسلامية.. لا قامت بها أعظم سوق اسلامية مشتركة. ولا يصح ان يقف التخلف أو الفقر عائقين دون قيام التكامل الاقتصادي.. فان الموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به الدول الاسلامية.. والموارد الاقتصادية.. طبيعية كانت أو بشرية.. من أكبر العوامل للنهوض بقيام هذا التكامل الاقتصادي. الذي يعتبر حجر الأساس في بناء التضامن الاسلامي القوى. ولابد من ان تتجه الدول الاسلامية الى قيام هذا التكامل.. متخذه طريقها الى هذا الهدف في آمرين: الأمر الاول: التغلب على العقبات التي تعترضها.. والتحديات التي تقف في طريقها. الأمر الثاني: العمل الجاد والدءوب على النهوض بالتعاون الاقتصادي فيما بينها. القاهرة ـ مصطفى على محمود