سورة الشعراء من السور المكية وعدد آياتها مئتان وسبع وعشرون آية. وهي السورة السابعة والأربعون في عداد نزول السور بعد الواقعة وقبل سورة النمل، وهذه السورة جاءت بعنوان له أصل عند العرب ألا وهو الشعر وان سورة مثل هذه حملت في طياتها كثيراً من الأنبياء ولكن الاسم لم يكن لها لأن مرادها الرد على أهل الفهم من قريش وغيرها. لأن تسمية القرآن لسورة منه بهذا الاسم كان له وقع في نفوس العرب كبير، وكان لجرسه هذا اثر في اسماعهم، وكان له اثر السحر فيهم وأشد، أرأيت الوليد بن المغيرة حين سمع جزءاً من القرآن ماذا قال؟ قال: والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر، لهذا حار المشركون في هذا القرآن بماذا يؤولون هذا الذي فيه، فقالوا: انه سحر، انه كهانة، انه شعر، ويرد الله عليهم بأنه ليس كهانة ولا شعراً. وهذا الرد المقصود منه نزع ما كان عند العرب من تعظيمهم للكهانة وللدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن القرآن بقوله: هل أخبركم أيها الناس على من تنزل الشياطين، انها تنزل على كل كذّاب، أفاك، أثيم فاجر تلقي الشياطين عليه ما سمعته، وأكثرهم كاذبون يضمون الى ما سمعوا أكاذيب أخرى كثيرة، فهل انتم ترون النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الكهّان؟! وبعد ازاحة الستار والكشف عن بطلان قولهم سحر، ننظر الى ما سميت به السورة وهو الشعر، وما أدراك ما الشعر، فله تأثير السحر، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بالشاعر ولا ينبغي له أن يقول الشعر لسمو مكانته وشخصيته عن قرض الشعر. وإذا نظرنا الى اسم السورة (الشعراء) ثم تتبعنا الآية التي ذكرت ما نسب اليه الاسم إليه عند قوله تعالى (والشعراء يتبعهم الغاوون) لوجدنا بصريح العبارة ذم الشعر لماذا لأن الشعراء يتبعهم الغاوون البعيدون عن الحق، محمد صلى الله عليه وسلم يتبعه الهداة المهتدون، أما الشعراء في كل وادٍ يهيمون، على وجوههم، ولا يلوون على شيء وذلك ان عماد الشعر الخيال والخيال لايحده حد، ولا يقف دونه شيء، فكلما كان الشاعر واسع الخيال قوي العاطفة كان شعره جيداً قوياً، والشعر لايعتمد على الصدق بل على المبالغة والتجوز ولذا قيل: أعذب الشعر أكذبه. والشعراء قوم خياليون عاطفيون يقولون ما لا يفعلون لهذا كله ما كان ينبغي للنبي صلى الله عليه وسلم ان يقول الشعر. والشعر نوع من أنواع الكلام فيه الحسن والرديء والمقبول والمردود ومن هنا يمكن أن نوفق بين قول النبي صلى الله عليه وسلم (لأن يمتلئ جوف أحدكم فبيحاً حتى يريه خير من أن يمتليء جوفه شعراً) وبين قوله صلى الله عليه وسلم (ان من البيان لسحراً، وان من الشعر لحكمة) فالشاعر الذي وقف نفسه على نصرة الحق والدفاع عن الوطن والذود عنه، وعلى مدح من يستحق المدح، كمن مدح النبي صلى الله عليه وسلم قديماً وحديثاً، ومن تكلم فأجاد من المواقف الوطنية التي تربي النفوس، وتهذب العقول، وتوحد الصفوف، ليس كالشاعر الذي يتكلم في الغزل ويتشبب بالنساء والغلمان والذي يدعو الى الفجور والفسق فالأول ممدوح شرعاً والثاني مذموم، ولهذا جاء الاستثناء من رب العالمين عند قوله تعالى: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً..) وهم الذين آمنوا ودافعوا بشعرهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن الإسلام مثل حسان بن ثابت وابن رواحة، وما شعر حسان والبوصيري وشوقي والإمام علي والشافعي وغيرهم عن ذلك ببعيد). وبعد هذه الجولة في اسم السورة (الشعراء) وما كان منها من حديث عن الشعر والكهانة وما وضحته من أمور، ننظر من زاوية أخرى لهذا الاسم ولماذا (الشعراء) نقول بما أن الشعر ديوان العرب ولأهميته ضربت المجالس والأسواق والمبارزة وان العشائر لتقتتل عشرات السنين بسبب بيت من الشعر فهذا الأمر العظيم الذي يحمله العرب بداخلهم لا يستطيعون تركه وبما انه ملازم لهم كان لابد من توجيه هذا النظم ليُوضع في مساره الصحيح ويكون في خدمة البشر بدل شقائهم، فلو أن القرآن توقف عند الآية (224) لاندثر ديوان العرب وأخفت معه فصاحة وبلاغة العرب ولأضرب على هذا السفر النسيان، ولكن الله تعالى عليم بعباده والقول الحسن مطلوب والبلاغة أصل في اللغة لهذا أردف قبل ختام السورة في الآية (227) بالثناء على شعراء الإيمان والتوحيد والذود عن الاسلام بهذا كان لسورة الشعراء تميز وتوضيح دلالات الشعر ووضع الشعر في الميزان حيث يُعمل بالطيب ويندثر القبيح.أ خي الكريم في سورة الشعراء الكثير من الأقوال والحكم والأمثال ولكن المساحة لا تفي لهذا كله وما ذكر فيه الكفاية ولعل شعراء اليوم يصححون بعض ألفاظهم ويظهرون لنا الجيد من القول الذي ينُم عن الإيمان ودخوله في عمل الصالحات ويأخذون بأيدي الناس الى حسن المنطق وذوق الكلام والبعد عما نراه ونسمعه من كلام مستهجن وكذلك نرجو من الشعراء البعد عن الشعر الذي يذكر فيه أسماء الحق ولفظ الجلالة ثم يعطى لـ (الفيديو كليب) يتلاعب به. فنسأل الله ان يلهمنا مراشد أمورنا ويعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. والله من وراء القصد.. وحتى نلتقي لكم منا التحية والسلام. د.سيف الجابري