الاسلام دين يصلح لكل زمان ومكان اذ يحمل بين دفاته كل عناصر المعاصرة والمواكبة والرقي والتحضر.. وقد قدم المسلمون منذ ازمان بعيدة الكثير من الابتكارات والابداعات التي اسهمت في مسيرة البشرية.. وفي زمن العولمة والتطور التقني ودخول عصر التكنولوجيا كثر الحديث عن صراع الحضارات وطرح العديد من القضايا المتداخلة بين الشرق والغرب وبين الاسلام والاديان الاخرى.. وموقف الاسلام من قضايا عصره ومدى تفاعله معها. طوال الشهر الفضيل سنطرح يومياً قضية مهمة ونلتقي بأحد العلماء والمفكرين لمعرفة رأيه معززا بالادلة ومؤكدا بالبراهين. الاحتفال بشهر رمضان له طابع خاص في البلاد غير الاسلامية فالأقليات المسلمة تتجمع وتتعاون فيما بينها رغم اختلاف الجنسيات واللغات والألوان. وتحرص على الافطار وأداء الصلوات في المساجد والأقلية المسلمة في بريطانيا تمثل صورة مشرفة للاسلام والمسلمين رغم وجود بعض المشكلات التي تتطلب انشاء دار فتوى خاصة لحسمها انطلاقا من فهم الظروف التي يعيش فيها المسلمون في تلك البلاد. في هذا الحوار مع الدكتورة زينب الأشوح الاستاذة بكلية التجارة ـ جامعة الأزهر والتي عاشت في بريطانيا سنوات طويلة تحكي لنا عن مظاهر الاحتفال بشهر رمضان في بريطانيا وأهم المواقف التي واجهتها خلال هذا الشهر الكريم وكيف يستطيع المسلم من خلال الصيام تعريف الآخرين بالاسلام. ـ ما أهم مظاهر الاحتفال بشهر رمضان في بريطانيا؟ ـ شهر رمضان في بريطانيا فرصة لتجمع المسلمين بمختلف جنسياتهم وثقافتهم سواء من المهاجرين أو الدارسين بالجامعات البريطانية، فالمسلمون يتجمعون في المساجد والمراكز الاسلامية قبل الافطار بحوالي ساعة، ومن الأشياء الطريفة ان الرجال على اختلاف مستوياتهم الثقافية يقومون باعداد طعام الافطار، فأبناء كل جنسية يعدون الأكلات التي تتميز بها بلادهم، ويعد رمضان شهر راحة للسيدات حيث يقتصر دورهن على التجمع في المساجد واعداد الاطباق وأخذ جزء من الأطعمة وتوزيعه فيما بينهن، لان النساء يفطرن في مكان غير المكان الذي يفطر فيه الرجال، ويتنافس الجميع على توزيع المأكولات، ويبدأ الافطار بتناول العصائر والمشروبات ثم صلاة المغرب ثم تناول الطعام وتحتوي مائدة الافطار على جميع المأكولات حتى الكنافة والقطايف التي تقوم السيدات باعدادها بأنفسهن، وفي نهاية الشهر تتم ختم القرآن ثم صلاة العيد. ـ هل يؤثر الصيام على عدد ساعات العمل كما يحدث في البلاد الاسلامية؟ ـ المسلمون يعملون في شهر رمضان أكثر من بقية الشهور الأخرى لأنهم في هذا الشهر لا يضيعون وقتا في تناول الأطعمة والمشروبات مثلما يحدث في بقية الشهور وأذكر أنني في بعض الأيام كنت أعمل حتى الساعة الحادية عشرة ليلا ثم أتناول الافطار وأحيانا يكون الافطار في مكان العمل ثم نواصل العمل مرة أخرى. ـ هل يشارك الاوروبيون والأوروبيات المسلمين في الافطار؟ ـ رمضان يعتبر فرصة للاحتفال بالأوروبيات والأوروبين الذين أسلموا أو الذين يرغبون في اعتناق الاسلام، وتقوم المسلمات بدعوة غير المسلمات لتناول الافطار معهن ويكون ذلك فرصة لتعريفهن بالاسلام وبالعادات والمأكولات الاسلامية، وبعض السيدات تعبرن عن انبهارهن بتجمع المسلمين وبالمأكولات التي تشتمل عليها مائدة الافطار، وهناك أمور كثيرة تلفت نظر غير المسلمين الى الشهر الكريم من ذلك ان المسلمين الذين لا يستطيعون أداء صلاة المغرب في المسجد يقوم مسئولون من المساجد والمراكز الاسلامية بتوصل الافطار اليهم في بيوتهم وهذا يكون مثارا لاعجاب غير المسلمين بروح التعاون والتواد التي تربط المسلمين بعضهم ببعض. ـ كيف يعرف المسلمون بداية الشهر الكريم ونهايته؟ وهل هناك مشكلات في هذا الصدد؟ ـ تحديد بداية شهر رمضان يمثل أهم مشكلة تواجه جميع المسلمين في بريطانيا وللأسف كل مدينة تصوم في يوم يختلف عن المدن الأخري، فكل مدينة في بريطانيا كأنها دولة تحدد للمقيمين فيها بداية شهر رمضان ونهايته، وفي الغالب تصوم كل مجموعة عرقية حسب بداية رمضان في الدولة التي تنتمي اليها ويترتب على هذه المشكلة ان يكون هناك أكثر من عيد في بريطانيا وهذا يجعل غير المسلمين يتساءلون: لماذا يختلف المسلمون على بداية شهر رمضان ونهايته؟! ـ هل الصيام في بريطانيا سهل أم صعب؟ ـ عدد ساعات الصيام طويلة جدا فساعات الافطار من أذان المغرب وحتى أذان الفجر لا تزيد على أربع ساعات حيث يكون الافطار في الساعة العاشرة والربع، وهناك مشكلة أخرى تتعلق بالمناخ فنحن لا نرى الشمس وبالتالي لا نعرف موعد الغروب أيضا، المسلمون يضطرون في أحيان كثيرة الى تناول الافطار في العمل فليست هناك ساعات تمنح لهم وكذلك يستمر العمل بنفس الطريقة التي تكون في غير رمضان وهذا يسبب لهم التعب والارهاق. ومن أين تأتي الأموال التي يتم من خلالها اعداد طعام الافطار في المساجد والمراكز الاسلامية؟ ـ جميع المسلمين يساهمون في ذلك فالأغنياء يقدمون التبرعات والبعض يقدم تبرعات عينية مثل السلع الغذائية والأطباق والأواني، وهذا يجعل هذه المساجد والمراكز الاسلامية تقدم طعام الافطار بالمجان طوال شهر رمضان، وهذا يجعل المسلمين يظهرون بمظهر رائع وجميل خلال هذا الشهر لدرجة ان البريطانيين يعرفون بداية شهر رمضان رغم ان وسائل الاعلام لا تنشر شيئا عنه. شهر عبادة ـ ما أهم موقف تعرضت له خلال شهر رمضان في بريطانيا؟ ـ الطلاب والدارسون المسلمون في بريطانيا يميلون الى ان يجعلوا من رمضان شهر تعبد لله عز وجل ويقللون من ساعات العمل والدراسة بقدر الامكان. لكنني كنت أحاول دائما الموازنة بين العمل والعبادة وكنت أصر على ان أعطي العمل حقه كما أعطي العبادة حقها، وأذكر أنني كنت مصابة بصداع، فقال لي أحد الزملاء الألمان أعتقد ان هذا الصداع بسبب قلة الطعام وقال لي: يجب عليك ان تأكلي وتشربي حتى لا تتدهور حالتك أكثر، لكنني أصررت على الاستمرار في الصيام فقال الألماني: هل يكون الدين سببا في عذاب الانسان وتعبه؟ قلت له: أنني أصوم بارادتي ولا رقيب علي الا الله، وشرحت له حكمة الصيام في الاسلام ومدى حرص المسلمين على الصيام وتطرق الحديث الى قضايا اسلامية أخرى وهكذا يعتبر الصيام وسيلة لتعريف غير المسلمين بالاسلام. ابناء المسلمين ـ ما الذي أعجبك في صيام رمضان في بريطانيا؟ ـ أعجبني حرص المسلمين ـ الذين هاجروا منذ سنوات طويلة الى بريطانيا ـ على ان يأتي أبناؤهم الى المساجد حتى يرتبطوا بدينهم والشعور بالانتماء الى أمتهم كذلك يصر الأطفال على صيام رمضان، ويحرص المسلمون بصفة عامة خلال هذا الشهر على التمسك بتعاليم الاسلام والتزاور فيما بينهم وتوثيق روابط المودة فيما بينهم رغم أنه لا يربط بينهم الا الاسلام. ـ وما الذي يحتاجه المسلمون في بريطانيا؟ ـ أعتقد ان من أهم الأشياء التي يحتاج اليها المسلمون في بريطانيا هو انشاء داراً للفتوى تتولى الاجابة على أسئلة المسلمين وتقديم فتاوى تحسم الكثير من المشكلات والقضايا المعلقة التي لا يعرف المسلمون ماذا يفعلون فيها؟ وانشاء دار الفتوى في بريطانيا تعد مسألة في غاية الأهمية لان الفتاوى المستوردة من الدول الاسلامية في الغالب تكون غير ملائمة لمسلمين يعيشون كأقلية في مجتمع غير اسلامي، كما ان العلماء في بلادنا لا يدركون في الغالب الظروف التي يعيش فيها المسلمون في تلك البلاد ومن ثم تأتي فتاواهم غير ملائمة، أما اذا أنشئت دار للفتوى في بريطانيا فانها تستطيع تقديم الفتاوى الملائمة ادراكا منها بالأحوال التي يعيشها المسلمون. ـ كيف يكون الاحتفال بعيد الفطر في رمضان؟ ـ العيد يمثل فرحة كبيرة للمسلمين في بريطانيا ربما أكثر مما هي الحال في العالم الاسلامي فصباح العيد يمثل فرحة مثل فرحة الصائم بفطرة كل يوم، ويحرص المسلمون على ارتداء الملابس الجديدة وترتدي النساء والفتيات الحجاب، وبعد أداء صلاة العيد يتبادل المسلمون الزيارات ويوزعون الكعك والحلوى، ويعلب الأطفال بالبالونات، وفي اليوم الثاني من أيام العيد ينظم المسلمون رحلات، كل مجموعة عرقية تنظم في الغالب رحلة لأبنائها وفي هذه الرحلة تظهر التقاليد الخاصة بكل بلد، وفي خلال هذه الرحلات يكون الرجال في مكان يلعبون الكرة ويقومون بشواء اللحوم في حين تقوم السيدات بعمل مسابقات وتوزيع الجوائز ويتم توزيع المأكولات والمشروبات وفي اليوم الثالث يتم الرجوع الى العمل في الغالب. ليلة القدر ـ وما مدى حرص المسلمين في بريطانيا على الاحتفال بليلة القدر؟ ـ ليلة القدر تمثل عيدا آخر للمسلمين فالكل يحرص على ملازمة المسجد منذ الافطار وحتى صلاة الفجر من اليوم التالي ـ فعقب صلاة العشاء نصلي التراويح ثم تلقى الدروس الدينية ويقرأ القرآن وتلقى الابتهالات والمدائح النبوية ثم يصلي المسلمون صلاة التهجد ويبتهلون الى الله ويدعونه ان يقبل منهم الصيام والصلاة والعبادات ويقضون الليلة كلها على هذه الحال. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد