لم تكن تلك الاحتفالية التي رافقت «سيرة بني هلال» لمجرد السهر أو الترفيه، وإنما كان الحافز أعظم وأنبل، ذلك لانها تعبر عن ارتباط الوطن العربي في نفسه وفي أمته كما ينبغي أن يكون، ومع ذلك أهمل الأدباء والمؤرخون هذه السيرة دهرا، في حين اهتم بها الحكيم العربي «ابن خلدون» المتوفى أوائل القرن التاسع الهجري. ليبرز سؤال: هل عرف الأدب العربي بصفة عامة، والشعر منه بصفة خاصة الأدب الملحمي؟ وهل تعتبر هذه السيرة من الأدب الملحمي؟ وعند قراءة «سيرة بني هلال» يصبح من اليسير معرفة المرحلة التي اكتملت فيها هذه السيرة الشعبية، أو الملحمة الشعبية، وهي مرحلة المد الاستعماري الصليبي، لتظل هذه الملحمة حاضرة في الذاكرة العربية حتى جعلها الشعب العربي من الخليج إلى المحيط زاده الفني، والتي لا تختلف إلا باختلاف اللهجة العربية من بيئة إلى أخرى. ولا شك ان «سيرة بني هلال» اعتمدت على الواقع التاريخي الذي أنتجته عن وعي، وعن غير وعي، ثم سمحت للخيال أن يعيد صياغته، وهنا تظهر الرغبة في اذكاء روح النضال والمقاومة، وتجسيم الخصائص التي يمتاز بها العرب في نظر أنفسهم عن بقية الأقوام. ولقد فعل الخيال الشعبي فعله في الحقيقة التاريخية، وطوع الفن القصصي لمقتضيات الوجدان القومي، وهكذا كانت الملحمة في ثلاث حلقات، أولها: بنو هلال في أرض اليمن، ثم الثانية: وهم في نجد، والثالثة: وهم ينتقلون إلى الشمال الافريقي. وأوردت «السيرة» بالتفصيل الظروف التي خرج فيها «أبو زيد» الى الحياة وجسم مؤلفو «السيرة» لهفة الإنسان العربي على الولد، فقد جاء أن «رزق» تزوج عشر نساء، ولم يكن يجمع بطبيعة الحال إلا بين أربع منهن فقط، كما يقضي بذلك الشرع، ولم ينجب منهن سوى ابنتين، ولما أتت احدى نسائه بصبي، ولدته مشوها. ثم تزوج «خضرة» ابنة شريف «مكة» المكرمة، التي حملت، ففرح «رزق» وبعث إلى الأمير «غانم» رأس بني زغبة يدعوه ليشاركه الحفل بولادة ابنه من بنات الأشراف، فاستجاب لدعوته. واتفق أن خرجت «خضرة مع الأميرة شحة» احدى زوجات «سرحان» فرأت طائرا أسود ينقض على جمع من الطيور، مختلف الألوان، فيتغلب عليه، ويقتل الجانب الأكبر منه، فرفعت وجهها إلى السماء، تدعو الله أن يمنحها غلاما على شاكلته، ولو كان فاحم اللون. فاستجاب الله لها، ولم يصدق الأمير «رزق» ان الغلام ولده، ولما رأى ضيوفه الغلام، أعلنوا ان بقاءه يجر العار عليه وعلى قومه، فأذعن كارها، وأرسلها مع ابنها إلى أبيها في «مكة» المكرمة. ولكن «خضرة» لم تذهب إلى أبيها، فنزلت واديا، حيث لقيها الأمير «فضل بن بيسم» وعرف خبرها، فاحترمها، ونشأ ابنها الذي بدأت علائم القوة تظهر عليه، حتى إذا وصل الثانية عشرة، استطاع أن يكون الفارس الشجاع، والمثقف بمعارف عصره. وتروي الملحمة ان هذا الشاب الذي أسمته أمه «بركات» طلب من الأمير «فضل» جوادا، فرد عليه بما يريب في أصله، فانكفأ إلى أمه حيث قالت له: إن الأمير «فضل» هو عمه، وان أباه قد قتل على يد الهلالي «رزق» فأقسم أن يأخذ بثأر أبيه. ثم تصور الملحمة «رزق» الذي اعتزل قبيلته حزنا على زوجه وابنه، وقد نزح كثير من قومه بعد جدب حل في أرضهم، لكن «بركات» تصدى لهم وألحق بهم هزيمة منكرة، فأرسل «سرحان» يستنجد بالأمير «رزق» فأجابه الى سؤاله، والتقى الابن بأبيه، وكاد الابن ان يقضي على أبيه لولا ان نهته أمه، وقالت له الخبر اليقين، فأقر الأب بابنه واسترد زوجه واعترف «بنو هلال» بمكانة «بركات» أو «أبو زيد». ثم تصور الملحمة الرحلة إلى «تونس» والتي لم تكن سهلة، فقد واجهت هذه القبيلة عقبات كثيرة، تخلصوا من بعضها بالقتال، ومن بعضها الآخر بالحيلة، وعند أسوار «تونس» سقط الكثير من فرسانهم، لان خصمهم لم يكن سهلا ولم ير الوجدان الشعبي بأسا من ان يتنكر «أبوزيد» في زي امرأة تبيع العطور، ليعرف أحوال الأعداء، ويؤمن النصر لقبيلته. إعداد ـ محمد سطام الفهد