بيان الكتب: اولريش بيك هو استاذ علم الاجتماع في جامعة ميونيخ بألمانيا وهو من الشخصيات الفكرية الالمانية المرموقة بنشر العديد من المؤلفات حول العولمة والتطور التكنولوجي. والفكرة الاساسية التي يطورها المؤلف في هذا الكتاب «مجتمع المخاطرة» تقول ان فكرة التقدم تتراجع أكثر فأكثر بينما تتزايد اكثر فاكثر وبنفس النسبة تقريبا، اشكال الخوف من التقدم. ويبدو ان التقدم العلمي الذي يصعب تحديد الاهداف التي يسعى اليها هو احد المصادر الاساسية للخوف الذي يعيشه البشر، فالبشر يخافون من كل ما يعرض حياتهم للخطر، ثم ان احد وجوه التقدم العلمي الراهن ومنجزاته انما يتمثل في تعدد مصادر الخوف الجديدة خوفاً من الكحول ومن التبغ ومن السرعة ومن الذرة ومن الهاتف المحمول ومن المواد المهجنة ومن الاستنساخ ومن التقنيات الجديدة وربما من آلاف المفاجآت التي يخبئها لنا التقدم العلمي التكنولوجي «العولمي» انه «مجتمع المخاطرة» بالفعل ويركز مؤلف هذا الكتاب على القول ان «الجو الثقافي» السائد على مستوى العالم اليوم لا سابق له في تاريخ الانسانية من حيث درجة الخوف التي يعيشها البشر. ثم ان المجتمعات الاوروبية نفسها هي في مقدمة تلك التي تنتابها الخشية من المستقبل فهي الآن بصدد فقدان سلم القيم والمبادئ التي بنت بملء قرنين من الزمن؟ وخاصة في عصر التنوير، اسس الحضارة الاوروبية بصيغتها المعاصرة والتي بدت في القرن الثامن عشر بمثابة حداثة جديدة بالقياس الى ما قبلها ثم سادت في القرن التاسع عشر لتصبح موضع تساؤل في نهاية القرن العشرين. ان المجتمعات الغربية كما يرى المؤلف هي بصدد الدخول في مرحلة جديدة من مسيرة تطويرها وهي مرحلة تتسم بـ «وعي» المخاطر التي ولدتها العلوم والتكنولوجيات ثم ضخمتها العولمة وهذا كله ادى الى وضع جديد «راديكالي»، تشهده البلدان الغربية الاكثر تقدما ويتسم بعدة صفات اساسية لا يمكن فصلها عن بعضها البعض وهي ان العلم لايزال يمثل مفهوما تسلطيا وذا نزعة للسيطرة على موضوعه الرئيسي المتمثل في الطبيعة ولكنه يزعم ان هدف سيطرته هذا انما هو تحرر البشر وسعادتهم ثم ان فكرة التقدم التي تقوم على قاعدة التفاؤل العلمي، تبدو وكأنها ملازمة للمنظومات الديمقراطية فالعلم والديمقراطية يتقدمان معاً، بتعبير آخر يحاول العلم ان يفرض نفسه كقيمة كونية يونيفرسال مثله في ذلك مثل حقوق الانسان فاذا كان يتم قبول مباديء حقوق الانسان فانه ينبغي بالمقابل قبول «قوانين العالم» فهذه وتلك ينبغي ان تكون مقبولة بالنسبة لجميع البشر دون اي تمييز بين عرق او طبقة او جنس. لكن مثل هذا الرأي ينبغي ان يقتضي بالضرورة القبول باعادة توزيع الثروات بحيث يتم التوصل الى نوع من المساواة .. وهذا يطرح بالضرورة مسبقا المسائل المتعلقة بـ «الانتاج» ويشير المؤلف في هذا الصدد الى اعمال المفكر السياسي والاجتماعي الكسي دو توكفيل وكذلك الى مفاهيم النضال ضد اللامساواة التي رفضتها المقولات الماركسية. في محصلة التحليلات التي يقدمها مؤلف هذا الكتاب يبدو بوضوح مدى التمركز على الذات الذي تمارسه الحضارة الغربية اليوم وكأنها حضارة «السيطرة» وتتميز بأنها اوروبية وبيضاء وذكورية لكن الوجه الآخر لهذا المفهوم هو الادراك اليوم بأن مصدر المخاطر الكبرى لم يعد اليوم يتمثل بالطبيعة وانما بالاحرى البحث العلمي، وبالتالي لم يعد مطلوبا السيطرة على الطبيعة وان السيطرة على العلم، الذي يقدم وللمرة الاولى في تاريخ الانسانية للجنس البشري امكانيات التدمير الذاتي