كتابة تاريخ الادب في اي لغة من لغات الارض تبدو مسألة وقت بالنسبة لأي مؤرخ ادبي، ويمتد هذا الوقت طبقاً لحجم الادب الذي يرد الناقد ان يؤرخ له، لكن كتابة تاريخ الادب في منطقة مثل امريكا اللاتينية، او تحديداً امريكا الاسبانية، والتسمية هنا تخضع للغة التي كتب بها هذا الادب وهي اللغة الاسبانية، ، خاصة ان هناك كتاباً يكتبون بتلك اللغة في العديد من الولايات الجنوبية للولايات المتحدة الامريكية المتاخمة مع الحدود الشمالية للمكسيك، وهذه الصعوبة تكمن في المساحة الشاسعة التي تمتد عليها بلدان تلك القارة، والتي قد تؤثر على طريقة الكتابة ما بين مبدع واخر في تلك القارة بفعل انعكاس التأثر المناخي الذي يبدأ من المناطق الدافئة شمالاً، الى المناطق الاستوائية في الوسط، وحتى المنطقة القطبية في جنوب القارة الامريكية الجنوبية، بالطبع اضافة الى الجزر المنتشرة في المناطق البحرية المحيطة بتلك القارة العملاقة، سواء في الكاريبي او في الاوقيانوس. من هنا تنبع اهمية صدور الكتاب الضخم المكون من خمسة اجزاء الذي يضم تاريخ هذا الادب، والذي صدر الجزء الثالث منه في 584 صفحة، مؤرخاً لأهم الحركات الابداعية التي بدأت مع القرن العشرين، وحتى الستينيات منه «ما بعد الحداثة، الطليعية، الاقليمية»، يعكس هذا الجزء ايضاً جانباً من التاريخ السياسي لامريكا اللاتينية نظراً لارتباط حركة الابداع بالحركة السياسية والاجتماعية لدول وشعوب تلك القارة. لو بدأنا بمصطلح «ما بعد الحداثة» الذي يتحدث عنه المؤرخ والناقد الادبي خوسيه ميجيل اوفييدو، لربما اختلط علينا الامر نحن في العرب الذين وصل الينا هذا المصطلح مؤخراً، ونفهمه على انه «ما بعد الحداثة» المعاصرة، ولكن هذا المصطلح بالنسبة لابناء امريكا اللاتينية وغيرها من البلاد الناطقة باللغة الاسبانية تعني ما بعد تلك النهضة الشعرية التي بدأها الشاعر النيكاراجوي «روبين داريو» بعد صدور مجموعته الاولى «أزرق» في الربع الاخير من القرن التاسع عشر، واطلق عليها النقاد اسم «الموديرنيزمو» والتي يمكن ترجمتها الى اللغة العربية بمصطلح «الحداثة» او في ترجمات اخرى «الحداثية»، فقد جاءت حركة «ما بعد الحداثة» في تلك المنطقة من العالم في العقد الثاني من القرن العشرين، حيث يرى البعض انها انطلقت عام 1914 تحديداً، لربطها بالحرب العالمية الاولى باعتبارها احدى تأثيرات هذه الحرب، فيما يرى البعض الاخر انه يمكن التأريخ لما بعد الحداثة بداية من عام 1916، وهو عام رحيل الشاعر «روبين داريو» مؤسس الحداثة، وان حاول البعض ان يؤكد ان هذا الشاعر لعب ايضاً دوراً مهماً في نشأة «ما بعد الحداثة» ويصنف النقاد بعض اعماله الاخيرة في هذا الاطار. هناك من يرى ايضاً تحديدها بتاريخ 1910، وهو تاريخ الثورة الفلاحية المكسيكية التي امتد تأثيرها السياسي والاجتماعي الى القارة كلها، واثرت بالتالي على الابداع والمبدعين، حتى ان البعض يطلق على الجيل المبدع في اطار تلك الحركة في امريكا اللاتينية «جيل الثورة المكسيكية». في رأي المؤرخ الادبي خوسيه ميجيل اوفييدو «ما بعد الحداثة» تعبر عن شيئين مختلفين في وقت واحد: انها اسلوب ادبي تكمن جذوره في الحداثة نفسها، ولكن العملية الابداعية نفسها تختلف فيما بعد الحداثة عن العملية الابداعية التي كانت تتم في اطار الحداثة، وتوجد احياناً بينهما خلافاً جذرياً، وبهذا المعنى تدخل في العملية الابداعية عناصر غريبة ومجددة. وبهذا المعنى يمكن النظر الى تلك العملية الابداعية على انها حلقة تالية للحداثة وان كانت مرتبطة بها من الناحية الجمالية، وربما لهذا السبب كانت حركة ما بعد الحداثة خالية من البيانات التي تصاحب عادة اي حركة من الحركات الادبية والفنية. هناك من يرى في «ما بعد الحداثة» رفضاً لحركة الحداثة السابقة عليها، وان كانت تجري في مجراها العام القديم، فما بعد الحداثة بهذا المعنى يعد رفضاً للحداثة ونقداً لها واختلافاً عنها، وان كانت امتداداً لها، مما يجعل البعض ينظرون اليها على انها نشأة عن قدر مبدعي الحداثة على نقد انفسهم خلال بحثهم عن التجديد. الغريب ان من اهم المبدعين في امريكا اللاتينية الذين ينتمون الى حركة ما بعد الحداثة من النساء الشاعرات اللاتي برزن بشكل لافت للنظر مثل ديلميرا اجوستيني من الاوروجواي، والفونسينا ستورني، وخوانا ايبربورو، او التشيلية جابرييلا ميسترال الحائزة على جائزة نوبل للآداب عام 1947، اضافة بالطبع الى مبدعين من الرجال مثل هوراثيو كيروجا، وكارلوس فاث فيريرا، وحتى روبين داريو نفسه. يتابع المؤرخ الناقد خوسيه ميجيل اوفييدو حركات التجديد في ادب امريكا اللاتينية ليربط ما بعد الحداثة بما جاء من بعدها في شكل حركة «الطليعية»، وربما كانت الطليعية فرعاً من فروع ما بعد الحداثة في البداية الا انها خضعت لتأثيرات خارجية اوروبية اكثر منها حركة اساسية نابعة من التطور الادبي الخالص في امريكا اللاتينية. وفي رأيه ان الطليعية وصلت الى امريكا اللاتينية مبكراً، الى درجة ان البعض ينظر اليها على انها تمتد تاريخياً من الحرب العالمية الاولى عام 1914، وبقيت آثارها حتى سقوط جدار برلين واختفاء الاتحاد السوفييتي عام 1989، وان الحركات الاخرى التالية عليها تعايشت معها كجزء منها. وخلال الحركة الطليعية امكن التوصل الى الاكتشافات العلمية الكبرى، فقد كانت الكلمة في تطورها متوازية مع الحركة العلمية والفنية، تماماً كما كانت متوازية في نشأتها وتطورها ما بين اوروبا وامريكا اللاتينية، مما يجعلها حركة عالمية حقيقية ولا تقتصر على مكان دون اخر، بل امتد تأثيرها خارج تلك الحدود الى آداب اخرى في الشرق والغرب. لكن ما يهمنا هنا الحركة الطليعية في امريكا اللاتينية لذلك يؤكد الناقد المؤرخ على ان اهم مظهر من مظاهر تلك الحركة هناك تجلت في ابداعات الكاتب التشيلي فيثنتي ويدوبورو في «المانفيستو» الذي اذاعه عام 1916، وظل يواصل نشره بعد ذلك على مراحل تاريخية لاحقة مع بعض التعديلات التي تتواءم مع كل فترة زمنية جديدة تمر عليها، وتبعه بعد ذلك الفنان التشكيلي خواكين توريس من الاورجواي، وغيرهما من كتاب وفناني تلك المرحلة، مثل رفائيل كانسينوس وجييرمو توريس، وسيسار باييخو، ومارتين فيرو واوليفيريو خيروندو، او بورخيس. ولكن ربما كان اكثر شعراء هذه الطليعة في امريكا اللاتينية الشاعر التشيلي بابلو نيرودا الذي تطور بابداعه مع تلك الطليعية في كل مراحلها حتى وفاته عام 1973، وكان من ابرز مبدعيها في كل حلقة من حلقاتها، ولهذا السبب كان هذا الشاعر الاغزر انتاجاً بين مبدعي الطليعية، مما يضيف صعوبة جديدة الى صعوبات امكانية دراسة ابداع امريكا اللاتينية بشكل عام، فالشاعر التشيلي بابلو نيرودا يحتاج الى متخصص في اعماله وحده لمتابعة ومناقشة تطوره، خاصة ان ابداعه مرتبط بتطور الحركة السياسية والاجتماعية في بلاده وغيرها من بلاد امريكا اللاتينية. اما الاقليمية التي يشير اليها المؤرخ الناقد خوسيه ميجيل اوفييدو في كتابه فانها تأتي في اطار الحركة الطليعية نفسها، لان تلك الحركة وضعت لنفسها قواعد عامة اساسية، لكنها قواعد قابلة للتعديل طبقاً لمكان وزمان المبدع، من هنا كان لابد من تقسيم امريكا اللاتينية الى مناطق ابداع محددة لدراسة تطور الطليعية في كل منها في اطار المنطقة الجغرافية، ومن هنا كانت نشأة الاقليمية. وهذه الاقليمية من اهم اسبابها ـ في رأي الناقد ـ اختلاف المناخ الجغرافي والديموغرافي في الوقت نفسه، مما يجعل الابداع مختلفاً ما بين مبدع واخر باختلاف المنطقة الجغرافية التي يعيش فيها، وايضاً باختلاف الظروف الاجتماعية الناشئة عن اختلاف العادات والتقاليد في كل مجتمع من المجتمعات الاقليمية التي يتميز بها سكان امريكا اللاتينية نظراً لعودة جذور بعض تلك المجتمعات الى اصول قبلية هندية مختلفة في كل منطقة، والكثير منها لايزال يحتفظ بسلوكيات قديمة مؤثرة في حالة الابداع، بل ان بعض هؤلاء المبدعين مزدوج اللغة، فهو متحدث بلغة منطقته المحلية واللغة الاسبانية التي يبدع بها والتي دخلتها العديد من الكلمات والتعبيرات التي يمكن ان تكون عامل تميز لدى كل مبدع عن الاخر. في اطار التأريخ للادب المكتوب باللغة الاسبانية خارج النطاق الجغرافي لاسبانيا صدرت العديد من الكتب التي كانت تحاول القاء الضوء على تطور هذا الادب وابراز اهم مميزاته، لكنها كانت كثيراً ما تركز على منطقة جغرافية دون اخرى، او تلقي الضوء على مناطق معينة يعتبرها النقاد من مناطق الابداع الاساسية وما عداها هوامش لا اهمية لها، الا ان كتاب «تاريخ ادب امريكا اللاتينية» يعتبر من الكتب القليلة التي حاولت ان تدرس كل المناطق التي برز فيها الابداع في تلك القارة الشاسعة، والثرية ادبياً، وربما يكون من الكتب القليلة التي تلقي الضوء على كل بقاع الابداع في القارة، وتقديم تفاصيل دقيقة لأهم المبدعين في كل مرحلة من مراحل الدراسة التي تناولها الناقد، مع ربطها بالتطور السياسي والاجتماعي لشعوب تلك البلاد. د. طلعت شاهين