بيان الكتب: مارتن ميلر مؤلف هذا الكتاب هو استاذ التاريخ في جامعة «ديوك» في كارولينا الجنوبية بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو اخصائي بالتاريخ الروسي المعاصر وبالحركات الارهابية منذ القرن التاسع عشر وحتى الفترة الراهنة. في هذا الكتاب «فرويد في بلاد السوفييت» يناقش المؤلف أيضاً بعداً تاريخياً روسياً، وإنما من زاوية التحليل النفسي الذي كان سيجموند فرويد هو، ولا يزال أحد رموزه الأساسيين. ويؤكد المؤلف ان المثقفين الروس استقبلوا في البداية بكثير من الحماس اطروحات «فرويد التي واجهت بالمقابل عداءً كبيراً من قبل البلاشفة الذين رأوا بها تعبيرات أيديولوجية بورجوازية ولا تمت للعلم بأية صلة، وما يؤكده مارتن ميلر بدوره هو ان اطروحاته تتعارض بشكل شبه كامل مع المقولات الماركسية اللينينية، إذ في الوقت الذي كانت الاشتراكية السوفييتية تقول ببناء عهد جديد يقوم على القيم ذات البعد الجماعي وليس الفردي، فإن التحليل النفسي يركز خاصة على أهمية النزعات الفردية التي تصيغ شخصية الانسان منذ سنوات طفولته الأولى، هذه النزعة الفردية تمت ترجمتها سياسياً على انها «بورجوازية» ولذلك تم رفضها جملة وتفصيلاً، بل وأراد البلاشفة «قتل» فرويد.. باسم «المادية الديالكتيكية» وعلى أساس انه فيلسوف «مثالي» يتناقض تماماً مع «المنعكس الغريزي الذي قال به بافلوف. ان مؤلف هذا الكتاب يشرح الأسباب التي دفعت النظام السوفييتي إلى رفض النظريات الفرويدية، وذلك على أساس انها «تسمم العقول» مما يستدعي بالضرورة محاربتها، وكأنها «كوليرا أيديولوجية». لكن المؤلف يؤكد بالوقت نفسه أيضاً انه لم يتم حتى الآن تقديم رؤية تاريخية متكاملة لتاريخ «التحليل النفسي» في روسيا، لا سيما وان «الروح الروسية» كانت شديدة الحساسية في البداية لأفكار فرويد ثارت من فترة التشوش التي عاشها المجتمع الروسي في نهاية القرن التاسع عشر في زمن القياصرة، وكان الكاتب الكبير «أنطون تشيخوف قد وصل الشخصية الروسية القلقة في عمله المشهور الذي يحمل عنوان «الأزمة» ورسمها أيضاً ليو تولستوي في «سوناتا» من أجل كروتزر ويشير المؤلف ضمن هذا السياق إلى انه تم نشر أول دراسة للتحليل النفسي تحت عنوان «اللاوعي» عام 1875 في روسيا، أي قبل عشرين سنة من البيان التأسيسي للفرويدية. وكان سيجموند فرويد قد بدأ منذ عام 1910 باستقبال أولئك الروس والروسيات الذين أصبحوا فيما بعد تلامذته ومريديه ونقلوا أطروحاته إلى امبراطورية القياصرة في ظل القيصر نيقولا الثاني، ومن الأسماء التي يذكرها «تاتيانا روزنتال» و «سابينا سبيرلين» و «نيقولاي اوسبيوف» وغيرهم، لكن المؤلف ينقل عن فرويد نفسه قوله: «ليس أكيداً ان الروس قد امتلكوا فهماً معمقاً للنظريات التي أطرحها»، وتابعت نظريات التحليل النفسي طريقها للانتشار أكثر فأكثر لدى المثقفين الروس حتى خلال السنوات الأولى التي اعقبت قيام ثورة اكتوبر 1917، بل وحاول بعض الكتّاب الروس ان يمزجوا بين «الماركسية» و «الفرويدية»، هذا «المزج» الذي أصبح شائعاً في الغرب لدى عدة تيارات فكرية. لكن بكل الأحوال لم يصبح «أوديب» أحد أبطال الثورة الاشتراكية» في أي يوم من الأيام بل ان لينين نفسه طالب بضرورة ادانة التحليل النفسي الذي رأى به مجرد «تمضية وقت بالنسبة للمثقفين لكن لا مكان له في الحزب أو لدى الطبقة العامة ـ البروليتاريا» فقط كان «تروتسكي» و «ناديا كرويسكايا» زوجة لينين من بين الذين تأثروا بالاطروحات الفرويدية.. وهكذا تم عام 1921 فتح مدرسة ذات توجهات «فرويدية» لاستقبال الأطفال «غير المستقرين عقلياً» وكان «فاسيلي» ابن ستالين أحد روادها. لكن منذ سقوط الشيوعية يبدو ان الروس بـ «تحليل أنفسهم» جماعياً لفهم ماضيهم القريب