عاش الفيلسوف اليوناني القديم سقراط في الفترة 470 ـ 399 قبل الميلاد على نحو التقريب عمد سقراط الى تلخيص محور فلسفته وجوهر تعاليمه في تلك الجملة الشهيرة التي يقال انه قرأها على معبد دلفي في بلاد اليونان وهي: «اعرف نفسك» على اساس ان تأمل الانسان ذاته وسلوكياته هو بداية السير على مدارج معرفة الآخر ومن ثم معرفة الكون الاعظم. حارب سقراط نفاق السفسطائية الذين كانوا يحاولون ببلاغتهم تلبيس الحق بالباطل . ولكنهم تآمروا عليه واتهموه بافساد الشباب في اثينا وحاكموه واجبروه على تجرع السم تنفيذا لحكم الاعدام ورغم ان سقراط لم يترك مؤلفا مكتوبا او كانت تعاليمه شفوية فقد قيض الله له تلميذه الوفي النجيب افلاطون الذي خلد استاذه وحفظ افكاره على مر الازمان في مجموعة من الكتيبات الفلسفية الادبية التي وضعها افلاطون وتدور اساسا على شخصية سقراط ومن هذه الكتابات يأتي هذا العمل الذي نعايشه فيما يلي من سطور وهو: الجمهورية وبهذا المصطلح لايقصد افلاطون ذلك الشكل المعروف من اشكال الحكم ولكنه يقصد اي نظام للحكم في اي دولة على العموم حيث يكون الحق نبراسا والحق ناموسا للتسوية بين الناس ولان كتاب الجمهورية هو من صنع مفكر فيلسوف فقد جاء على شكل حوارات فلسفية. سقراط هو اشهر محاور بين الفلاسفة وكان يقصد بالحوار الوصول الى الحقيقة يتدرج بها مع محاوره واذا بها تتكشف وينبلج نورها شيئا فشيئا من خلال توليد الاجابات والردود. وقد نشر افلاطون «الجمهورية» في عام 380 قبل الميلاد تقريبا واتخذ موقعا لاحداث كتابه منزلا في ميناء بباريس جنوبي العاصمة اليونانية اثينا القديمة اما زمان العمل فهو بالطبع خلال حياة المعلم سقراط الذي يحكي في سطور «الجمهورية» عن حوار فلسفي مطول وقع في يوم سبق في اعقاب الاحتفال بأحد الاعياد الدينية التي كان يحييها اهل اثينا من قدماء الاغريق اما الراوي الذي يحكي وقائع هذا الحوار فهو شخصية مركبة كما قد نصفها هو من ناحية فنية السرد افلاطون بوصفه مؤلف الكتاب، ولكن هو من الناحية الفعلية سقراط الذي اختار تلميذه ان يحيي فلسفته وان ينقلها من حيز الحوار الشفاهي الى حيز النص المكتوب. افلاطون هو الحلقة الوسطى الذهبية في ثالوث الفلاسفة الكبار في تاريخ العالم القديم. يبدأ بسقراط وينتهي بارسطو وهو تلميذ افلاطون بامتياز بقدر ما كان افلاطون تلميذ سقراط باخلاص واقتدار. كان سقراط فقيرا ولكن كان افلاطون من عائلة ميسورة في اثينا وقد عاش في نحو الفترة 428 ـ 347 قبل الميلاد وكم رشحوا افلاطون الشاب لكي يتولى مناصب سياسية او ادارية كبرى في حكومات اثينا .. ولكنه ظل ملازما استاذه سقراط ـ ناقلا عنه ومتأثرا بتعالميه وبخاصة الاسلوب السقراطي في فن الجدل والوصول الى الحقيقة عن طريق الحوار وعندما اعدموا سقراط استبدت حميمة الغضب الثوري بالتلميذ افلاطون فقرر ان يتفرغ للفلسفة زاهدا في المناصب الرفيعة، وكأنما ندب نفسه لمواصلة رسالة استاذه الفيلسوف الكبير وبعد ان اسس افلاطون اكاديمية اثينا لتدريب رجال السياسية على فضيلة التفكير والتأمل العميق بدأ في نشر اعماله الكبرى عن محاورات سقراط ومنها المحاورة المطولة التي تحمل اسم «الجمهورية» وهي تقسم عادة الى 10 كتب اصعبها الكتاب الاول الذي حاول الوصول الى تعريف لمعنى العدل والاستقامة ويليه الكتب الثمانية من الثاني الى التاسع حيث يزداد هذا التعريف ايضاحا وتعميقا في حين ان الكتاب العاشر الاخير هو تذييل لتلخيص المعاني السابقة. أصل الحكاية هاهو الفيلسوف سقراط ومعه جلاوكون احد اخوة افلاطون يسيران معا من ميناء بيارويس عائدين الى اثينا بعد ان حضرا الاحتفال الديني وهاهي جماعة من الشباب المتحمس والمتطلع الى اجابات كثيرة عن تساؤلات اكثر يطرح اراءها حول الحق والعدل يقول قائلهم: ان العدل هو ان تعطي الناس ما يستحقونه ويقول آخر: ان العدل هو مساعدة الصديق والاضرار بالعدو لكن المعلم سقراط يجادل فيقول: اذا كان العدل فضيلة فكيف ينطوي على الحاق الضرر بالآخرين. هذا الرأي يدفع السفسطائي الذي كان بصحبتهم الى السخرية من سقراط والى التأكيد على ان العدل هو القوة وهو الغلبة على الضعفاء الا ترى يا سقراط ان من اهل الحكم من يفرض على رعاياه قوانينه واعرافه ويسميها فضيلة وعدلا ومهارة وتفوقا واذن يقول المنطق السفسطائي وهو منطق المغالطة اساسا فالظلم يعود على اهله بالتفوق والسعادة لانهم من خلاله يحققون التفوق على الآخرين يجيب سقراط ان هذا التفوق ينصرف الى الاشياء والاعراض المادية، وان الفيصل في الامر هو روح الانسان .. واذا شربت روح البشر بالظلم وجانبت العدل فذلك هو طريق الشقاء يعود الخصم السفسطائي الى تأكيد ان المطالبة بالعدالة والمساواة هي حجة يتذرع بها الضعفاء ويرد سقراط بان العدل فضيلة تطلب لذاتها وليس لانها طريق الى مغنم او مكاسب مادية وعند هذا المنعطف من الحديث يطالبه المستمعون بان يشرح لهم رؤيته لمجتمع يسوده العدل وهنا يبدأ سقراط وبالادق افلاطون في شرح هذه الرؤية التي يتوخاها للمدينة الفاضلة مدينة تنعم بالاستقلال ولها اقتصاد يلبي احتياجات سكانها الذين يتخصص كل منهم في عمل يتقنه وان كانت بحاجة الى فئة الحراس او الحفاظ الذين توكل اليهم مهمة حمايتها، هؤلاء الحفاظ الامناء لابد من تدريبهم وتثقيفهم كي يؤدوا مهمتهم في اتقان واخلاص، يوظف الواحد منهم صغيرا كي يدربوه على تلقي العلوم المفيدة والفنون التي ترتقي بها نفسه وعقليته وفي مقدمتها الموسيقى الرفيعة على ان تحقق هذه التربية توازنا مرهفا بين اشواق الروح وقوة الجسم ومطالب العقل على ان تشمل الفن والرياضة والعلوم الطبيعية العقلية بعيدا عن الخرافات والاساطير التي تحكى عن تعدد الارباب في ديانات الاغريق هؤلاء الحفاظ الحراس الامناء هم الذين يتولون السهر على سلامة نظام التعليم في المدينة الفاضلة التي كان يبشر بها الفيلسوف سقراط وكان يحلم ان يسودها من ثم قيم الحكم والشجاعة والاعتدال والعدالة، وهو في هذا يطبق على هذا المجتمع المنشود ماينطبق على ما اودعته الفطرة في خلق الانسان التي كان يراها سقراط وقد تم انشاؤها من عناصر ثلاثة هي: العقل والروح والغريزة، وعندما ننجح في ان يسيطر العقل والروح على الغريزة يسميها الشهية والشهوة يعج السلوك بالقسط ويسود العدل وبالتالي يقول المنطق السقراطي فالظلم هو في جوهره سيطرة الشهوة على العقل وغلبتها على روح الانسان. ماذا عن دور المرأة في مدينة سقراط او مدينة افلاطون الفاضلة، ان الفيلسوف يسلم بان الرجل اقوى عضليا او بدنيا من المرأة، لكن يستوحي امر الاثنين في مجال الفكر والسياسة ومن ثم يجب ان تشارك النساء في فئة الحراس او القيمين من الامناء على امر المجتمع الفاضل المنشود وان ينخرطن في سلك التدريب والتثقيف مثل الرجال سواء بسواء وسوف يتفوق من هؤلاء الرجال والنساء مفكر عبقري ومؤهل كي يقول او يسود هذا المجتمع النبيل هو الفيلسوف الذي يمكن الركون الى حكمته وانضباطه وترك مقاليد الامور بين يديه شريطة ان يتفوق في تدريبه على الآخرين فيمضي مثلا 15 سنة اخرى يدرس فيها الرياضيات وفلسفة الاخلاق وعلم الجدل وفن الوصول الى الحقيقة عن طريق الحوار مع انه بحذر افلاطون في الكتاب الثامن من الجمهورية على لسان سقراط طبعا من الركون الى حكم الفرد او حكم الاقلية الاوليجاركية الذي يفضي في رأيهما الى انهيار الدول وتحلل المجتمعات ومن عجب ان يكون لسقراط وافلاطون رأي في رفض الفن وبخاصة الشعر لماذا؟ لان الفن يخلط بين الواقع والخيال ومن ثم قد يلتبس الامر على بسطاء الناس مابين الحقائق والاوهام .. والشعر هو فن الكذب الجميل ولكنه كذب ينبو عن الصدق وسقراط ظل الى آخر رمق باحثا عن الحق والصدق في كل حال. الافكار .. الرموز . .الدلالات لعل اهم مافي هذا العمل الفلسفي انه يربط بين الخير والحق . والصدق ويرى ان الظلم والكذب رذيلتان في حد ذاتهما وليس لانهما تلحقان الشر بحياة الانسان وهو يرى ان الاصل في سعادة البشر هو المعرفة بما يدور بين جوانح النفس وما يجري في اجواء المجتمع والعالم الخارجي كله. ثم هاك اسلوب الحوار الذي كرسه المنطق السقراطي وهو اسلوب الاخذ والرد الذي مابرحت تدعو اليه الممارسة الديمقراطية في كل امور الحياة .. مابين السياسة الى الفكر، وما بين الفن والادب الى العلاقات الانسانية داخل الاسرة وبين افراد المجتمع بشكل عام، حتى الفيلسوف بعقله الجبار لا يجوز له عند سقراط او افلاطون ان يبادر الى فرض رأيه مهما كان صائبا على الآخرين، حسبه ان يتيح فرصة النقاش وحسبهم ان يصلوا معه الى الحقيقة من خلال الجدل والحوار. يدعو كتاب «الجمهورية» الى التوازن والتواؤم ـ هو الانسجام المستمر ـ الهارموني كاسلوب في حياة البشر .. سلوكهم وتفكيرهم وادارتهم لا لشتى امورهم (كلمة هارموني من اشتقاق يوناني هارموس بمعنى الوصلات المترابطة ومنها في اللاتينية هارمونيا بمعنى الاتساق، وعند سقراط وافلاطون فإن هذا الترابط او التواؤم او الاتساق لن يتحقق الا اذا تحقق التوازن المنشود بين العناصر الثلاثة داخل الانسان بل وداخل آلة الحكم والمجتمع، العقل والروح والشهوة، ويترم كتاب الجمهورية هذا الثالوث الى 3 طبقات في المجتمع ـ اي مجتمع ـ يراها اساسية في تسيير الامور وهم الحكام والفلاسفة والصناع واذا ما ادت كل طبقة واجبها بدقة وتفان يسود العدل وتعم السعادة وبالطبع فهذا تبسيط املاه واقع المجتمعات الصغيرة المحدودة في مدن اليونان القديمة التي كان يعيش فيها الفلاسفة الاقدمون. في ذاكرة الانسانية ظل كتاب «الجمهورية» او جمهورية افلاطون كما اصبح يسمى مرتبطا في التراث الانساني بفكرة المثالية او الطوباوية الاقرب الى الحلم الجميل الذي طالما طمحت البشرية في تحقيقه على ارض الواقع. وبنفس القدر مازال افلاطون هو اكثر فلاسفة العالم القديم تأثيرا في الحضارات والثقافات المعاصرة .. صحيح ان افكاره حوت خليطين: التعاليم والصور التي امتزجت بها الاساطير بدعوات انفراد الفلاسفة بامور الحكم وتكريس العبودية والنظرة الاستقلالية الى طوائف الصناع والحرفيين، ولكن الصحيح ايضا ان افلاطون ومن قبله سقراط مازالا ينعمان بمكانة رفيعة في عمود الفكر الانساني لانهما انشغلا بامور وقضايا مازالت تشغل بال الانسانية حتى الآن، قضايا تشمل التعليم وتربية النشء واسس الاخلاق ولكن يأتي على رأسها باستمرار قضية تحقيق العدل على سطح الارض. ..وغدا نواصل