بيان الكتب: السير «هنري وايت» هو عضو فخري في معهد «سان انطوني، في اكسفورد، سبق له وزار ايران للمرة الاولى عام 1953 من اجل اعادة العلاقات الدبلوماسية التي كانت قد انقطعت بين المملكة المتحدة «بريطانيا» والحكومة الايرانية في عهد رئيس وزراء ايران محمد مصدق الذي كان قد امم البترول بعد وصوله الى السلطة عام 1951. ثم عاد «هنري وايت» الى ايران كسفير للتاج البريطاني لدى حكومة شاه ايران خلال فترة 1963 ـ 1971. وفضلا عن هذا الكتاب «الانجليز بين الفرس» كتب العديد من المقالات حول «تاريخ العلاقات الانجليزية الايرانية». كانت العلاقات بين بريطانيا وايران ذات شحنة «انفعالية» عالية باستمرار. وكانت ايران قد بدت ذات اهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لبريطانيا اعتبارا من القرن التاسع عشر. لا سيما وانها تحتل موقعا ذا اهمية كبيرة بالنسبة لبريطانيا وعلاقتها مع «امبراطوريتها» في الهند والتي كانت تريد ان تحميها من مطامع القياصرة الروس آنذاك والذين كانوا يتطلعون اليها في اطار ما عرف خلال سنوات طويلة من القرن التاسع عشر بـ «اللعبة الكبرى» في اسيا الوسطى. كما تهتم بريطانيا كثيرا بايران من خلال واقع وجود موارد الطاقة الضخمة التي تمتلكها والتي شكلت في القرن التاسع عشر مصدرا هاما لتزويد البحرية الملكية البريطانية بما تحتاجه من وقود. في هذا الكتاب «الانجليز بين الفرس» يقدم المؤلف السير دينيس رايت توصيفا للعديد من التجارب والمغامرات والعلاقات التي عاشها انجليز في ايران.. وتجدر الاشارة هنا الى ان المؤلف يستخدم مدلول «الانجليز» بالمعنى الذي يستخدمه الايرانيون انفسهم اي الذي يشمل بالاضافة الى سكان بريطانيا الاسكوتلنديين والايرلنديين.. ويؤرخ المؤلف عبر هذا كله للعلاقات الانجليزية الايرانية منذ القرن التاسع عشر حتى اواسط القرن العشرين. ويرى ان فهم تعقيدات العلاقات الايرانية الانجليزية يتطلب في واقع الامر معرفة التاريخ الايراني خلال فترة حكم القاجار الممتدة من عام 1687 وحتى عام 1925 حيث ان هذه الفترة تزامنت مع تعاظم المشاريع الامبريالية البريطانية، وعندما وصل القاجار الى الحكم في ايران بنهايات القرن الثامن عشر كان اهتمام الانجليز بها ذا طابع تجاري.. ويبين المؤلف من خلال التحليلات التي يقدمها في هذا الكتاب الاسباب العميقة التي جعلت من ايران ذات اهمية مركزية في الحسابات الاستراتيجية للسياسة الخارجية البريطانية ولذلك حرصت بأن تضعها تحت حمايتها بقصد ابعادها عن دائرة المنافسة وفي مقدمتها فرنسا النابليونية وروسيا القيصرية ثم الشيوعية. وفي الواقع كانت ايران باستمرار ومنذ بدايات القرن التاسع عشر موضوع تنافس انجليزي روسي خفت حدته عندما لاح في الافق تنامي النفوذ الالماني اذ تم توقيع معاهدة انجليزية ـ روسية عام 1907 لاقتسام مناطق النفوذ، وذلك بعد ان كانت ايران قد شهدت في عام 1906 ما يسمى بـ «الثورة الدستورية» الوطنية الليبرالية والتي فرضت على الشاه اقامة نظام برلماني؟ لكن هذه المرحلة لم تستمر سوى حتى عام 1908 حيث اعيد النظام والاستبداد بمساعدة روسيا و لتعود من جديد وبقوة اكبر لعبة التنافس الذي اصبحت المانيا طرفا فيه.. ثم جاءت الحرب العالمية الاولى لتدخل قوة جديدة على الساحة تمثلت بالولايات المتحدة الامريكية. وفي عام 1925 عرفت ايران نهاية حكم سلالة «القاجار» على يد وزير الدفاع «رضا خان» لتبدأ فترة حكم سلالة آل بهلوي.. وقد استمر حكم رضا شاه حتى عام 1941 حيث خلعه الانجليز والسوفييت بسبب تقاربه مع النظام النازي الالماني ونصبوا مكانه ابنه محمد رضا بهلوي الذي تزايد معه الوجود الامريكي واستمر في الحكم حتى عام 1979 حيث تم طرده من السلطة ليموت في المنفى، وكان قد عرف النفي مرة اولى خلال فترة حكم الدكتور محمد مصدق 1951 ـ 1953 والتي باتت بمثابة فترة مستقطعة «من حقبة حكم الشاه». على اساس هذه القاعدة التاريخية يقدم المؤلف وعلى مدى الفصول الاثني عشر التي يتألف منها الكتاب رؤيته الشخصية من موقع المراقب المتميز ـ السفير البريطاني 1962 ـ 1971 للعلاقات البريطانية ـ الايرانية وللمجتمع الايراني ورؤيته للاخر ـ الاجنبي ـ الذي يمثله في سياق البحث «الانجليزي» كما يؤكد المؤلف على دراسة العامل «السيكولوجي» وتأثيره في تكوين تلك الرؤية. كما يقوم المؤلف ضمن الاطار نفسه بعرض ارائه بالسياسة البريطانية، ومكامن قوتها وضعفها، حيال ايران بشكل خاص والمنطقة بشكل عام وحيث يؤكد بأن استقلال الهند عام 1947 كان بمثابة منعطف حاسم في رؤية بريطانيا لمصالحها بل لاستراتيجيتها «الاقليمية». ان العلاقات البريطانية ـ الايرانية بدأت في مطالع القرن التاسع عشر بصورة متقطعة وعلى قاعدة الاهتمام التجاري؟ هذا ما يشرحه مؤلف الكتاب في الفصل الاول منه وحيث كانت ايران تمثل جزءا من صورة الشرق في المخيلة الانجليزية.. ولكن لم تكن العلاقات التجارية حتى القرن التاسع عشر «تبرر» اقامة علاقات دبلوماسية مستمرة، يقول: «كان يتم النظر الى بلاد فارس بانها بلد جميل وخرافي يصعب الوصول اليه. مهم تجاريا وقليل الاهمية سياسيا». ولكن مع مرور الزمن واكتشاف النفط الذي اخذت بريطانيا اول امتياز للتنقيب عنه في جنوب البلاد عام 1901 تعاظمت الاهمية السياسية لايران في الحسابات الاستراتيجية الانجليزية، ولم تفقد اهميتها التجارية ـ كما يشرح المؤلف في الفصول التالية. كان البريطانيون الاوائل الذين قدموا الى بلاد الفرس هم من التجار والمغامرين قبل ان تنضم اليهم فئة جديدة تمثلت ببعض ضباط الجيش البريطاني الذين تم ايفادهم الى المنطقة في اطار خدمة المشروع الاستعماري البريطاني للهند التي كانت في واقع الامر هي الهدف الاساسي الذي ينبغي «توظيف» كل الاوراق الاقليمية الممكنة من اجل الوصول اليه، وكان من بين الانجليز الاوائل الذين ذهبوا بمهمات دبلوماسية وعسكرية رسمية ومستمرة في ايران منذ مطلع القرن التاسع عشر «السير هارولد جونس» الدبلوماسي الذي تم ارساله من لندن والجنرال «جون مالكولم» الذي قدم من الهند حيث كان يقوم ببعض المهمات وقد كانت مهمته الاولى الى ايران في عام 1801. ان الاوصاف التي تم اطلاقها على هذا الضابط عند وفاته عام 1839 تدل بوضوح على طبيعة العمل الذي كان يقوم به اذ جاء فيها بانه عمل سريا في الحروب والمفاوضات التي كانت ترمي الى تأكيد السيطرة البريطانية على الهند، وقد قام بمهمته دون كلل وبكل حماس معنوي ومادي.. وهكذا استطاع ان يتميز كمحارب وكرجل صاحب قيم. وفي المحصلة يرى المؤلف بأن عمل «جون مالكولم» و«هارولد جونس» كان بمثابة «منعطف في العلاقات الانجليزية ـ الفارسية» اما النتيجة السياسية الاساسية لعملهما فقد كانت في تهميش الدور الروسي وكبح اية امكانية لوجود منافسة فرنسية حقيقية لا سيما وان فرنسا كانت قد ارسلت بعض الموفدين الى البلاد في الفترة نفسها التي كان نابليون يقوم بحملته على مصر عام 1798. كانت اهمية ايران بالنسبة لانجلترا تأتي من موقعها في الاستراتيجية البريطانية حيال الهند ذلك لان بريطانيا كانت تنظر الى بلاد فارس بمثابة حاجز امني لامبراطورية بريطانيا الهندية ضد اي هجوم يمكن ان تكون مصدره قوة اوروبية ما على حد تعبير المؤلف. وكان هذا الهاجس الامني هو الذي وجه فيما بعد الموقف البريطاني. اثناء مفاوضات السلام التي شهدتها العاصمة الفرنسية، باريس عام 1919 «معاهدة فرساي عند نهاية الحرب العالمية الاولى.. «وبالطبع لم تكن المصلحة التجارية غائبة عن اهتمامات الحكومة البريطانية منذ البدايات الاولى. واذا كان السير «هارولد جونس» قد نال لقب مبعوث التابع البريطاني لدى البلاط الفارسي ـ كما جاء في اوراق اعتماده. فان خليفته «تمور كويسلي» قد حصل على لقب «سفير فوق العادة» الامر الذي كان يعني بكل وضوح نية اعطاء اهمية اكبر لهذا المنصب الدبلوماسي والاشارة في الوقت نفسه الى تعزيز العلاقات بين البلدين.. وقد كانت التعليمات الواضحة للسفير الجديد من قبل حكومته هي العمل على تسهيل مهمة «شركة الهند الشرقية» وكانت رحلة السفير «كويسلي» قد استغرقت سبعة اشهر كاملة للوصول الى ايران. وتحظى العلاقات العسكرية وتجارة الاسلحة البريطانية لايران بفصل من فصول هذا الكتاب يحمل عنوان «الحرب والمحاربون» المهمة الثالثة التي قام بها الضابط البريطاني في جون مالكولم عام 1810 جلب معه عشرة مدافع جرت صناعتها خصيصا في الهند وتم تزيينها باسم الشاه» وبعد عدة اشهر فقط كان هناك وفد عسكري انجليزي في ايران كخطوة في طريق بناء ترسانة من الاسلحة كانت منطقة تبريز احدى نقاط استنادها الرئيسية. وتعود الى تلك الفترة البعيدة عملية ارتباط تكوين الضباط الايرانيين بالاعتماد على «العقيدة العسكرية» البريطانية، كذلك عملية تسليح الجيش الايراني باسلحة من صنع بريطاني وذلك حتى الحرب العالمية الثانية لتصبح شركات السلاح الامريكية هي المصدر الاول لتسليح الجيش الايراني. وكانت هناك ايضا مسيرة مشابهة على صعيد نشاطات رجال الاعمال البريطانيين ثم الامريكيين، كما يشرح المؤلف في حديثه عن «عالم رجال الاعمال». وفي الفصل الختامي من الكتاب يعتبر المؤلف بأن الحرب العالمية الاولى شكلت نهاية مرحلة من العلاقات البريطانية ـ الايرانية حيث برزت الولايات المتحدة على الساحة الشرق اوسطية لتصبح القوة الاكثر نفوذا في المنطقة. كتاب عن العلاقات البريطانية الايرانية منذ بدايات القرن التاسع عشر وحتى اواسط القرن العشرين.. من خلال قراءة تاريخية «ولكن ايضا من خلال انماط مختلفة من الانجليز الذين عرفتهم ايران وكان بينهم دبلوماسيون وعسكريون ورحالة وتجار وجواسيس ومبشرون.. واطماع كثيرة واحلام انهارت