بيان الكتب: جيرار شاليان، احد مؤلفي هذا الكتاب هو اخصائي فرنسي بالشئون الاستراتيجية، امضى اكثر من عشرين سنة من حياته في افريقيا واسيا وامريكا حيث تعرف على حوالي 75 بلداً.. وكتب عن تجربته هذه العديد من التحقيقات والدراسات.. عايش عن قرب قضية العديد من حركات التحرر الوطني في الجزائر وفيتنام، وفلسطين وذلك في محاولة لفهم نضالها من الداخل. له عشرات الكتب من بينها ارهاب وحروب عصابات، وقاموس الاستراتيجيات العسكرية، والمقاومة الفلسطينية، والجزائر المستقلة، والاساطير الثورية في العالم الثالث، نال هذا الكتاب شهرة كبيرة، والمجزرة الارمنية، والمأساة الكردية.. الخ. ونشر ايضاً اكثر من عشرة اطالس جيوستراتيجية وتاريخية وبينها الاطلس التاريخي للعالم المتوسطي. والمؤلف الثاني جان لاكوتور، هو كاتب ومؤرخ وناشر. بدأت شهرته عندما كان مراسلاً في فيتنام اثناء الحرب الطاحنة التي عرفتها. قدّم الكثير من التحليلات والتحقيقات حول فيتنام ومصر والشرق الاوسط وجنوب شرق اسيا وحيث اقام لفترات طويلة في هذه المناطق كلها. ألف العديد من السير من بينها سيرة حياة هوشي منه، وجمال عبدالناصر، ومندس فرانس، وشارل ديجول، واخيراً فرانسوا ميتران.. له ايضاً عدد من المؤلفات من بينها «مصر المتحركة» و«الجزائر امام الامتحان» و«انتهت الحرب في الجزائر»، وعشرات الكتب الاخرى. تجدر الاشارة الى ان جان لاكوفور، اشتهر كأحد وجوه الديجولية المعروفين، هذا الكتاب، رحلة في نصف القرن هو كتاب حوارات اجراها معهما في آن معاً الصحفي اندريه فرساي حيث يعرض جيرار شاليان وجان لاكوتور شهاداتهما، الملتزمة، كل منهما على طريقته، عن عدة نزاعات وحروب كانت قد تركت اثارها على السيرة الانسانية.. كما يتحدثان عن لقاءاتهما مع بعض كبار هذا العالم وفي الوقت الذي كانوا يضعون فيه التاريخ. انهما يرويان بكثير من الحيوية، بناء على قاعدة الخبرة التي اكتسباها في عملهما الميداني سابقاً، العديد من الاحداث التي عاشاها في الهند الصينية والجزائر وقناة السويس وكوبا والاتحاد السوفييتي ـ السابق ـ والنزاع العربي الاسرائيلي وحروب افغانستان.. وهي احداث غير معروفة غالباً، باختصار يبدو هذا الكتاب بمثابة حافظة للذاكرة والقاء اضواء على الواقع الراهن. وينبغي التنبيه منذ البداية الى ان هذا الكتاب ليس نوعاً من تقديم جرد عما شهده العالم خلال نصف قرن من الزمن وانما في الواقع قراءة جديدة، وربما اعادة قراءة، من قبل المؤلفين لتلك الاحداث.. جيرارشاليان، وجان لاكوتور يعبران نصف القرن ويتوقفان عند بعض المحطات الرئيسية التي عاشها ليقدمان رؤية لما كانت عليه الامور مع محاولة تقريبها مما هو قائم اليوم. وفضلاً عن هذا يتم عبر التعرض للاحداث سبر اغوار الفعاليات السائدة حيث جرت تلك الاحداث ولكن ايضاً لدى مراكز القرار العالمي. اذ والى جانب فهم كيف جرت الاحداث يرى المؤلفان ان من المهم ايضاً، وربما خاصة، فهم الكيفية التي عاشها المعنيون بها. كما ان احد الابعاد الرئيسية في هذا الكتاب يتمثل في التأكيد على ضرورة قراءة التاريخ في حركته. وهذا ما يشير اليه اندريه فيرساي، الصحفي، في تقديمه للكتاب، كما يؤكد عليه المؤلفان في الفصل الختامي من الكتاب والذي يتحدثان فيه عن العالم في الزمن الامريكي والذي كتبه المؤلفان بعد احداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الامريكية. يقول الصحفي اندريه فرساي بهذا الصدد مقدمة الكتاب: منذ 11 سبتمبر 2001 الذي واجهت الولايات المتحدة الامريكية (وعبرها العالم كله؟) تحدياً لا سابق له وحيث ان التاريخ وحده سوف يقرر اهميته ونتائجه على المدى الطويل. وضمن هذا النهج من التحليل تتم المقاربة مع الحرب العالمية الثانية التي كانت قد انجبت عالماً جديداً فالمعارك التي ربحها اليابانيون اولاً في المستعمرات الاسيوية للدول الغربية انما كانت بمثابة الاعلان عن بداية نهاية التفوق الاوروبي والاحتضار البطيء للاستعمار. وبعد انتصار الحلفاء الذي تم تقديمه على اساس انه انتصار للحرية والعدالة على الظلم، كان من المنطقي ان تطالب المستعمرات من القوى الاوروبية تطبيق نفس المبادئ على مستعمراتها، هذا لاسيما وان هذه القوى الاوروبية، وان كانت قد خرجت منتصرة من الحرب، فانها كانت منهكة وضعيفة ومدمّرة الى حد كبير.. بينما كان المنتصران الحقيقيان هما الاتحاد السوفييتي ـ السابق ـ والولايات المتحدة الامريكية. تخضع الموضوعات المطروحة في هذا الكتاب لمبدأ التسلسل الزمني، حيث يبدأ المؤلفان بالتأريخ، للمقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي وصولاً الى التحرير تحت قيادة الجنرال شارل ديجول الذي كان قد اطلق من لندن صحيفته الشهيرة للدعوة الى المقاومة وتشكيل جيش فرنسا الحرّة. ثم كانت نهاية الحرب اثر اعلان اليابان لاستسلامها بعد ان قصفت الطائرات الامريكية مدينتي هيروشيما وناجازاكي بالقنابل النووية. لكن ما ان خرجت فرنسا من الحرب العالمية الثانية منتصرة ومخرّبة، في الوقت نفسه حتى دخلت في المغامرة الفيتنامية لتبدأ فيما بعد الحرب الهندية الصينية، ثم انخرطت الولايات المتحدة في الحرب الفيتنامية. وقد كان العالم قد شهد في السنوات القليلة التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية عدة احداث اسست لما بعدها وليس اقلها بروزاً دور العالم الثالث ونهاية الاستعمار البريطاني للهند وقيام الكيان الاسرائيلي في فلسطين ووصول ماو تسي تونج الى السلطة في الصين ونشوب الحرب الكورية. كما يرى المؤلفان في هزيمة فرنسا بمعركة ديان بيان فو، في الفيتنام منعطفاً مفصلياً في مجرى التاريخ آنذاك اذ ان انتصار رجال هوشي منه والجنرال جياب لم يكن بعيداً عن اندلاع ثورات تحرر في العديد من مناطق العالم الثالث كانت ثورة التحرر الجزائرية احد اهم تعبيراتها. وفي محصلة التوجهات التي برزت قوة جديدة في العالم تمثلت في العالم الثالث الذي كان المفهوم الثوري قد بدأ يفعل فيه. وكانت ثورة 1952 على يد الضباط الاحرار في مصر حيث تم طرد الملك فاروق دون عنف، وذلك على عكس ما عرفه شاه ايران بعد ربع قرن من الزمن، ويرى جان لاكوتور انه يمكن بالفعل الحديث عن ثورة عرفتها مصر عام 1952 لان طبقة جديدة هي البورجوازية الصغيرة الريفية والعسكرية استولت على السلطة. هذا وقد كان جمال عبدالناصر نفسه ابن ساعي بريد وكان جدّة فلاحاً. وكذلك كان جميع الضباط الاحرار باستثناء اثنين منهم ذوي اصول عائلية متواضعة. ويتحدث لاكوتور في هذا السياق عن لقائه مع الرئيس جمال عبدالناصر، يقول عن لقائه معه عام 1953: «كان عبدالناصر يحدثني عن لقائي به بتواضع كبير عن مشاريعه وكان يطرح الكثير من الاسئلة حول شمال افريقيا والاشتراكية الفرنسية.. وكان واضحاً ان ذلك الرجل كان بطور التعلم. وضمن الاطار نفسه يؤكد جان لاكوتور ان التغيير في مصر عام 1952 انما جاء بتشجيع سفارة الولايات المتحدة الامريكية، وخاصة من قبل شخص يدعى لاقلاند، كان الامريكيون يرون ان الملك فاروق كان بسلوكياته وبذخه انما يشجع تزايد اعداد الشيوعيين وبالتالي لعبوا ورقة النزعة القومية المصرية من اجل قطع الطريق امام الشيوعية. ويرى المؤلف ايضاً ان الامريكيين كانوا يريدون ايضاً الحد من دور الانجليز في مصر حيث كان حضورهم بنظرهم، على قناة السويس بمثابة «عبث ينتمي الى الماضي ويمكن استغلاله بسهولة من قبل ستالين». ويشير «لاكوتور» في هذا السياق الى احاديثه آنذاك مع السفير الامريكي في القاهرة جيفرسون كافري، الذي كان يصف الضباط بالقول: ابنائي. وقد كانت مساندة واشنطن سبباً في عدم شعبية ـ سبباً بين عدة اسباب ـ عبدالناصر خلال السنوات الثلاث الاولى التي اعقبت وصول الضباط الاحرار، الى السلطة في مصر عام 1952، ذلك ان شعبيته بدأت بالصعود اعتباراً من عودته من باندونج عام 1955. ومن جهة اخرى كان هناك تساؤل كبير لدى الاحزاب الشيوعية الاوروبية حول الموقف الذي كان ينبغي اتخاذه حيال الرئيس جمال عبدالناصر، ورفاقه الذين كان بعضهم ذوي ميول ماركسية. هكذا اوفد الحزب الشيوعي الفرنسي الى مصر المفكر المعروف مكسيم رودبنسون المستشرق صاحب كتاب الماركسية والاسلام من اجل تقصي حقيقة ثورة يوليو 1952 كما كان يراها عدة مراقبين كان من بينهم جان لاكوثور نفسه وحيث طرح على كل منهم سؤالاً واحداً هو ما رأيك بهذه الثورة؟ واذا كان الحزب الشيوعي الفرنسي قد انتهى آنذاك الى تبني رد فعل سلبي حيال عبدالناصر ورفاقه، كان الحزب الشيوعي الايطالي اعلن بوضوح تأييده للضباط الاحرار. اما بالنسبة للدول الغربية فقد ادركت اعتباراً من مؤتمر باندونج، ايضاً انها امام واقع جديد على صعيد العلاقات الدولية يتمثل في بروز العالم الثالث، لاسيما وانه كان على رأس المؤتمرين في اندونيسيا عام 1955، الذين كانوا يمثلون 29 دولة اسيوية وافريقية اسماء لها دلالتها مثل شو ان لاي، وجواهر لال نهرو، وجمال عبدالناصر. ولم يتردد آنذاك الرئيس والشاعر السنغالي ليوبولد سنجور، في القول ان مؤتمر باندونج. كان بمثابة الحدث الاكثر اهمية منذ عصر النهضة. هذا ويتوقف جان لاكوثور وجيرار شاليان على تأكيد الاهمية الدولية لذلك المؤتمر وحيث برز الرئيس جمال عبدالناصر كزعيم في العالم الثالث، وحيث بدأ يثير قلق الغرب على حد تعبير لاكوثور، وخاصة لدى فرنسا وانجلترا حيث بدأت تتشكل بصورة جنينية نزعة عدائية ضده.. الامر الذي يمكن ان يبدو بمثابة مقدمة بعيدة لحرب السويس فيما بعد ـ عام 1956، او ما هو معروف بالعدوان الثلاثي الفرنسي الانجليزي الاسرائيلي، ويؤكد لاكوثور ايضاً ان احدى النتائج الاساسية لمؤتمر باندونج تمثلت في بروز التوجه المعادي لامريكا مما كان يعني في الواقع انحيازاً للقوة العظمى الاخرى السابقة ـ اي الاتحاد السوفييتي.. ان هذا التوجه المعادي لامريكا برز بوضوح في خطاب الرئيس جمال عبدالناصر في الاسكندرية يوم 23 يوليو 1956 عندما تحدث اولاً عن السيد لسبس ـ فردناند دولسبس الذي اشرف على شق قناة السويس ـ ثم هاجم الامبريالية الامريكية ليعلن بعدها تأميم القناة. ويروي جان لاكوثور، الذي كان حاضراً كضيف وجالساً بالقرب من خالد محيي الدين، ان هذا الاخير قد قال له هامساً، هذا عمل شجاع جداً. لكن ماذا سيقع على رأسنا.. بكل الاحوال كان غضب الغربيين كبيراً ضد عبدالناصر الذي وصفوه بأنه هتلر جديد، وقارن البعض بين تأميم القناة، وبين اعادة تسليح رومانيا، في المانيا، لكن على الجهة الاخرى رأى المصريون والعرب في عبدالناصر بطلاً ووقفوا وراءه مع مساندة العالم الثالث والاتحاد السوفييتي. واذا كانت حرب السويس قد انتهت بهزيمة عسكرية للجيش المصري فإن عبدالناصر هو الذي خرج بالنصر السياسي. وذلك بعد ان بدت العملية كحملة استعمارية، في زمن كان قد تغير، كما يقول جيرار شاليان، كما ان المحصلة كانت بمثابة كارثة للقوتين الاستعماريتين السابقتين، حسب رأي جان لاكوثور. ولكن، وفي ذلك السياق التاريخي، تدخل الجيش السوفييتي، الجيش الاحمر ـ في بودابست، العاصمة الهنغارية لقمع الحركة الديمقراطية التي كانت بدأت بالاعلان عن نفسها.. وقد حول ذلك التدخل الانظار كثيراً عن حرب السويس. لكن الثورة الجزائرية ـ ثورة التحرير ـ كانت آنذاك محط انظار جميع العالم باعتبارها نهاية مرحلة استعمارية، وبداية سباق جديد وحرب جديدة في فيتنام هذه المرة، ثم حرب يونيو 1967. في الشرق الاوسط المعروفة باسم حرب الايام الستة والتي ذاق العرب فيها طعم الهزيمة، وبشكل كامل لتشهد الفترة التالية مباشرة ظهور معطى جديد حاسم في معادلة الصراع في الشرق الاوسط تمثل في بروز نشاط الحركات الوطنية الفلسطينية. ومن حرب «الايام الستة» الى حرب اكتوبر 1973، وحيث ان وصول الرئيس انور السادات الى الحكم كان قد فاجأ الغرب اولاً «حيث كانت الفكرة السائدة هي ان هذه الشخصية او تلك تبدو اكثر كفاءة لتحمل مثل هذه المسئولية، لكن الشرعية هي التي انتظرت حيث ان الرئيس السادات كان نائباً للرئيس الراحل جمال عبدالناصر. ويؤكد المؤلفان ان خليفة عبدالناصر قد انحرف بزاوية 180 درجة بالقياس الى خط سابقة وكان التعبير الاكثر دلالة لمثل هذا التغير قراره طرد الخبراء السوفييت من مصر بعد تحالف مستمر منذ عام 1956. وانتهت مسيرة التقارب مع الولايات المتحدة الامريكية الى معاهدة سلام كامب ديفيد التي عزلت مصر لسنوات عن محيطها العربي وادت في النهاية الى ان دفع الرئيس السادات حياته بسببها. وما بين حرب 1973 وانهيار الاتحاد السوفييتي يتم التعرض في هذا الكتاب لثلاث حروب اساسية تتمثل في الحرب الاهلية اللبنانية والحرب الافغانية ضد الوجود السوفييتي واخيراً حرب الخليج الاخيرة اي بعد عامين ونصف تقريباً بعد نهاية الحرب العراقية ـ الاولى. بكل الاحوال يرى «جان لاكوتور» و«جيرار شاليان» ان حرب الخليج التي اندلعت ليلة 17 يناير 1991 لاتزال تطرح الكثير من الاسئلة مثل: هل وقع الرئيس العراقي في الفخ الذي نصبه الامريكيون له؟ وهل كانت حرباً للامم المتحدة ام حرباً امريكية؟ او بالاحرى كانت حرباً اسرائيلية؟ او من اجل البترول؟.. الخ