بيان الكتب: كتابان وفيلم سينمائي في وقت واحد عن احدى الشخصيات التي تركت بصماتها في فرنسا خلال النصف الاول من القرن التاسع عشر، انها شخصية فرانسوا اوجين فيدوك 1775 ـ 1857. هناك الكثير من الصفات التي يلصقها مؤلف هذا الكتاب المؤرخ الفرنسي «اريك بيران» لبطله فيدوك فهو بطل شعبي ومخترع الشرطة العلمية والسياسية بل والشرطة الخاصة، لكنه كان قبل هذا كله احد عتاة المجرمين حيث عرف السجن عدة مرات وبذلك تحول العدو رقم 1 في فرنسا خلال سنوات الثلاثينيات من القرن التاسع عشر الى رجل الشرطة الاكثر شهرة في فرنسا والذي يصفه مؤلف هذا الكتاب بأنه كان بمثابة اسطورة حقيقية حيث انه نفذ اكثر من «مهمة مستحيلة». ويرى العديد من النقاد بأن فرانسوا اوجين فيدوك هو الذي الهم الشاعر والروائي الفرنسي فكتور هوجو شخصية جان فالجان بطل رواية «البؤساء» الشهيرة وكذلك كان لصاً محترفاً لم يتورع حتى عن سرقة الكنيسة لكن من اجل ان يساعد بما يسرقه الفقراء وهو الذي كان يحمل عن الطفلة «كوزيت» الطفلة اليتيمة، جرة الماء التي كانت مكلفة بجلبها كل يوم من صنبور القرية.. كوزيت هذه اصبحت احدى اشهر «فتيات» عصرها الى درجة ان اسم كوزيت اصبح الاكثر اطلاقاً على الفتيات الوليدات خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. عرف فيدوك اثناء طفولته حياة قاسية في منزل والده الصارم وخباز بلدة «اراسي» وحيث كان يمضى وقته في التحرش بغيره من الاطفال في الشارع. لكن العديد من الذين اهتموا بسيرة حياته يرون بأنه قد ادين ظلما بالسجن مع هذا لا يذهب مؤلف هذا الكتاب باتجاه مثل هذه الآراء اذ انه يقدم فيدوك كسارق ومحتال وكذاب ومزيف وانتهازي.. وفوق هذا كله كان مصاباً بجنون العظمة.. والى آخر من هذه السلسلة من الاوصاف التي يمكن ضمها تحت نفس «الخانة» يقول اريك بيران: لاشك بأن فيدوك كان رجلا موهوبا ولكنه كان في الوقت نفسه متسولاً وحساساً لكنه متمحوراً ايضا حول ذاته.. و كان قبل هذا وذاك رجلاَ شديد الجشع. ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في القول بأن فيدوك قد برهن على جشعه في مواقف حميمة مثل «بيع ابيه وامه من اجل حفنة من الدنانير» ولم يكن يتردد في ان يتخفى بثياب امرأة، لكن هذا الرجل، ورغم هذه المثالب كلها وحسب منطق لايزال غامضا ومثيراً للشكوك حتى الآن اصبح رئيس جهاز الامن في ظل عدد من ملوك فرنسا هم نابليون الاول ولويس الثامن عشر وشارل العاشر ولويس فيليب وحتى نابليون الثالث، وقد تصرف فيدوك من موقع المسئول الامني بالكثير من القسوة قبل ان يؤسس الوكالة الفرنسية الاولى للمخبرين الخاصين. ويصف المؤلف في احد فصول هذا الكتاب الاساليب التي اتبعها فيدوك والتي يجد بأنها كانت ذات طبيعة متدنية تعتمد على الدسائس والتآمر لقد كان يدفع المجرمين الى القيام بالسطو والسرقة كي يقبض عليهم بالجرم المشهود ليؤكد بذلك فعالية الاجهزة التي كان يديرها. كما قام بتدبير العديد من العمليات ذات الطابع السياسي وخاصة ضد لويس الثامن عشر ولكنها لم تكن عمليات حقيقية وانما مفبركة من اجل ايجاد المبررات لاعتقال المعارضين وخاصة من البونابرتيين الذين كانوا يتآمرون ضد لويس الثامن عشر. وكانت علاقة فيدوك مع اجهزة الدولة قد بدأت ذات يوم عندما احس بأنه لم يعد يتحمل حياة السجون والهروب والتخفي ولذلك اقترح على مفوض الشرطة العام المدعو دوبوا في مدينة ليون الفرنسية ان يقوم بمساعدته لالقاء القبض على جميع المجرمين في منطقة جنوب فرنسا وبكل بساطة باع فيدوك اولئك الذين كانوا قد ربطوا مصيرهم بمصيره واصبح متعاوناً مع الشرطة «عميلا لها» من اجل ان يكسب حريته، وسلم في واقع الامر العديد من اللصوص، وذهب ابعد من ذلك عندما عرض على جان هنري رئيس الفرقة الثانية التابعة لمحافظة الشرطة والمكلف بمكافحة الجريمة وضمان أمن الباريسيين ان يتعاون معه مقابل ان يصبح بمنجاة عن اي عقاب. رفض ضابط الشرطة العرض او قبول مساعدة فيدوك له فما كان من هذا الاخير إلا ان عاد الى حياته الاولى ليجد نفسه ذات يوم في طريقه الى السجن وهذه هي اللحظة التي اختارها جان هنري لقبول عرضه واصبح عميلا مخبرا للشرطة في السجن هكذا وجد بعض الهاربين من السجن القيود بايديهم حيث كانوا بسبب وشاية فيدوك بهم علما بأنهم كانوا يعيشون بهويات مزيفة كما استطاعت الشرطة بفضله ان تحبط عدة محاولات للهرب. وذات يوم من ايام شهر مارس 1811 قامت الشرطة نفسها بتنظيم هروب فيدوك من السجن وبطريقة اثارت اعجاب جميع السجناء ومن هنا اكدت الاسطورة. وبدأت ايضا مسيرة فيدوك كمسئول في جهاز امن باريسي وحيث ترقى في المناصب وصولاً الى رئاسة هذا الجهاز في عام 1812. ويشير المؤلف في هذا السياق الى مذكرات فيدوك التي نشرها عام 1827 واعاد فيها رواية قصة حياته والامجاد التي حققها مما زاد في البعد الاسطوري لشخصيته واستطاع عبر هذا ان يستقدم افواجا من الزبائن الذين كانوا يطلبون مساعدي الوكالات الامنية الخاصة التي كان قد اسسها واذا كانت الصحافة قد ساهمت كثيرا في نشر اسطورة فيدوك عبر حديثها عن النتائج الباهرة التي كانت وكالاته الامنية تحققها فإن الامر قد اثار غيرة اجهزة الشرطة ويؤكد المؤلف بهذا الخصوص على ان فيدوك قد استخدم من اجل انجاز تحقيقاته العديد من اصحاب السوابق ويذكر المؤلف ايضا عدداً من اسماء هؤلاء الذين قاموا بتقديم خدماتهم لاكثر من 8000 زبون ويتم تقدير عدد المجرمين السابقين الذين عملوا في اطار المؤسسات التي انشأها فيدوك بأكثر من 800 شخص. توفي فيدوك بائساً فقيرا عام 1857 وانتهت اسطورة شعبية اختلط فيها المزيف والصحيح