اعتاد النقاد على التأكيد على ان العالم الغريب الذي يكتب عنه جون جراهام بالارد ليس الا عالماً مشتقاً من خياله الجامح لكنه على العكس من ذلك صار عالماً مألوفاً لدينا الان. في منزله الواقع في احدى ضواحي ميدلسكس التقى المحرر الثقافي في صحيفة الاندبندنت بالروائي «السريالي» جي. ج. بالارد وتحدث معه عن عالمه الروائي وعن اعماله الاخيرة. يقول بالارد وهو يطل من النافذة على عالمه الصغير في ضاحية «شيبرتون» «ان هذا الواقع الذي نعيشه بشكل يومي ما هو الا رواية كاملة يلفقها المشهد الاعلامي اما نحن فنلعب ادوارنا بداخلها. واياً كان فإن هذه هي اعظم رواياتي». وبشيء من السخرية يضيف «لا اتصور ان احداً سيجلس ويكمل قراءة (الـ 1200) صفحة التي تتألف منها مجموعتي القصصية الاخيرة مرة واحدة اللهم الا اذا كانت حياته خاوية. الحقيقة هي انني حتى انا لا اعيد قراءة اعمالي على الاطلاق.واعتقد بأنك عندما تصبح في مثل سني سيكون لديك الكثير مما يحتاج الى الدفاع او المحاكمة دون ان تعرف حتى ما هي التهمة». اذا كان لابد من توجيه تهمة فربما كانت تهمة بالارد دون غيره من الكتاب البريطانيين هي اهتمامه الشديد بالمضمون الفكري والمادي لعالمنا المعاصر وانه اعاد صياغة الرواية البريطانية بشكل جذري بتخليصه اياها من نزوعها للعودة الى الماضي وارغامها على مواجهة المتغيرات وهو ما يشير اليه حين يقول «ربما كان كتاب دليل المستخدم للالفية الجديدة هو العنوان الذي يدافع عن اعمالي كما ان رسم صورة حقيقية لسيكولوجيا المستقبل هو الموضوع الرئيسي الذي تدور حوله هذه الاعمال. ولا شك في ان تلك الخارطة الشفافة الواضحة التي نجح بالارد في رسمها من خلال مجموعة من الاعمال الروائية والمقالات والقصص القصيرة قد منحت هذا التعقيد القوي للحياة المعاصرة الشكل والخاصية البالارديان، فمشروعه هو مشروع قلق يشبه في شكله المثلث في اتساعه وتأثيره ولا يهمه بعد ذلك ان يوضع في مواجهة التبعية العمياء لاصحاب المبادئ الاستهلاكية المادية او الاضطراب الذي يقيد الرغبة. وربما كان ذلك هو ما حمل بعض اوائل النقاد على تصنيفه ككاتب لرواية الخيال العلمي لكن بالارد في معرض رده على هؤلاء يقول «لا شك في ان هذا النوع من التفكير هو ما يطلق عليه قصة الخيال العلمي». واياً كان فإن بالارد لا يبدو مستاءً فقط لانه قام بنشر عدد كبير من اعماله القصصية يصل الى 100 قصة في المجالات المتخصصة في نشر قصص الخيال العلمي بل لانه ايضاً طالما اشار من قبل الى ان رواية الخيال العلمي هي الادب الحقيقي للقرن العشرين، ان رواية الخيال العلمي هي الوحيدة التي تلقي الضوء على حياتنا المعاصرة وتسعى قدر الامكان للاستفادة من العناصر التي تقربها من الحكاية الفولكلورية والحكايات الرمزية ذات المغزى الاخلاقي. كما ان هناك حاجة ماسة للقصة وهذه الرواية تبدو كما لو انها تقع في مكان وسط من جهازنا العصبي وفيما تعبر القصة القصيرة عن هذا بشكل يكاد يبلغ حد الكمال فإن الرواية ليست كذلك. والواقع ان بالارد بنفسه كان يحتضن القصة القصيرة لذاتها ويتعامل معها كوسيلة للاغارة على الفكرة دون الحاجة الى المستلزمات الفنية للرواية، ان القصة القصيرة تشبه اللقطة الفوتوغرافية او الاسكتش القصير اللذين ما عليك الا ان تجد لهما الفكرة وتجذب اليهما انتباه المشاهدين. وعندما يحصي المرء عدد مؤلفاته الجيدة فإن ما لا يدعو الى الشك هو ان مجموعته القصصية الاخيرة ستكون هي الاكثر تميزاً لاحتوائها على ما يمكن ان تسميه ختمه المميز «ان الفنادق المهجورة واحواض السباحة الجافة والقواعد العسكرية الصحراوية هي التي اعشق الكتابة عنها واعتقد بأن على المرء ان يكون مخلصاً للفكرة التي تتسلط عليه. والحقيقة ان ما يلتقي به قارئ المجموعة القصصية المتسلسلة التي كتبها على امتداد 45 عاماً هو هذا التناغم المطرود وذلك الهدف وقد اكتشف بالارد هذه الاشياء سريعاً وبمجرد عزمه على الكتابة وكان اول ما نشره من القصص هو قصة بعنوان «برايما بيلا دونا» سنة 1956 ومع انه استمر في نشر اعماله القصصية منذ ذلك الحين الا انه مازال يشير الى الصعوبات التي يعيق نشرها الان، فالسوق لم تعد كما كانت سابقاً واهتمامات الناس اخذت تتغير (يعود تاريخ نشر اخر عمل قصصي له الى سنة 1992). ان العناصر الرئيسة لرواية بالارد واعماله القصصية تكشف عن نفسها بنفسها عبر المسار الذي تصادفك خلاله اللغة الشاعرية والحميمية الغرائبية المتدرجة في مداها الممزوجة بالكآبة والعلاقة المشروطة بين مجتمع الرفاهية ومجتمع الازمات بين التمزق الاجتماعي والبيئي وبين العالمين العضوي والتكنولوجي وبين الرجل والمرأة، كل هذه الاشياء التي تعززها القدرة الواثقة على التنبؤ والسخرية الصريحة العارية من الزخرفة وقوة السرد. ولا شك في ان بالارد الذي استؤصل من عالمه السابق (شنغهاي ما بعد الحرب العالمية الثانية) ليجد نفسه في بريطانيا وهو شاب في مرحلة المراهقة وليواجه حياته الجديدة بطقوسها المختلفة لا شك في انه في اثناء انتقاله من الشرق الى الغرب ظل ينظر الى شبارتون باعتبارها مشهداً يطل من خلاله على تلك التحولات الزلزالية لمرحلة ما بعد الحداثة وكمكان يعيش فيه غالبية اولئك الذين تعرضوا في حياتهم لمثل هذه التحولات. لكن بالارد لا يتورع عن التصريح بمثل هذه العبارة ان البريطانيين لا يصلحون للتغيير ومازلت اذكر الناس وهم يبعثون برسائل قلقة الى صحيفة «تايمز» يشتكون فيها من محلات السوبر ماركت التي شاهدوها للمرة الاولى في حياتهم والطرقات المعبدة المخصصة لمرور السيارات كما لو ان هذه الاشياء لا تهدد البنية الاجتماعية فقط بل تهدد سلامة عقولهم ايضاً. ان هذا العالم الصغير الذي اطل عليه يبدو لي كنافذة ارى من خلالها ما يحدث بالفعل في اي بقعة من العالم. وبالنسبة له يعبر عن هذا التغيير في صورته التالية «المنطقة الواقعة ما بين «ام 3» و«ام 4» هي المكان الذي بنيت فيه الحقيقة الجديدة من اندية رجال الاعمال الى المطارات الى وسائل الاتصالات المضاعفة والمشروعات السكنية وانظمة المراقبة باستخدام اجهزة الكاميرا.. هذه هي المظاهر الحقيقية للتغيير. اننا نعيش في عالم مجرب عقيم والمستقبل سيكون اسوأ كلما ملأنا الكوكب بالضواحي. ان هذه الاشياء التي تبدو لنا تافهة هي ذاتها الاشياء التي يتحدى بالارد الاخرين بها وعلى نحو يخلو من الشفقة «ان الحقيقة غالباً ما تكون حبلى باحتمالات غير متوقعة بكل ما في الكلمة من معنى فيما يمكن العثور على البعد الروحي القوي الذي يفيدنا في حياتنا بواسطة شيء كممارسة التخيل. هذا التفاؤل هو اكثر ما يعبر عنه بالارد في تعامله مع مسألة الهوية، لمدة طويلة من الوقت لم اكن راضياً عن حياتي هنا في بريطانيا ولا حتى عن نفسي وكنت اعيد بناء الاسطورة حول شخصياتي باستمرار. وان بطل بالارد الحقيقي هو الذي يجد نفسه في ازمات خارجية كثيرة ولكنه يبدأ بادراك ان تغيير العالم الخارجي يعكس بالفعل تغيرات عميقة في تفكيره وبالتالي فإن هذه الازمات الخارجية تسمح له باكتشاف ذاته الحقيقية. وبعيداً عن التشاؤم فإن كل اعمالي الروائية والقصصية على وجه الخصوص هي روايات اشباع سيكولوجي وشخصياتها تجد نفسها في النهاية. هذا الصراع الذي يظهر خطأ بين الانسان وبين مجتمعه هو بلا شك مما يزخر به تاريخ القرن العشرين الذي يمتلئ بروايات الانفصال والاغتراب والتشوش وما تزخر به ذاكرة بالارد عن طفولته وعن الحرب على وجه الخصوص. وكما يبدو فانه يبدو شديد الاهتمام بالمضامين النفسية التي تنطوي عليها الاوضاع العالمية الراهنة، وفي روايته الاخيرة «كان العظيمة» التي اشاد بها النقاد تشير احدى شخصياته الى ذلك بقولها ان المستقبل سيتحول الى صراع بين الانظمة الضخمة المتنافسة لما يسمى بعلم النفس المرضي. وبعد مضي خمسين عاماً على حالة الجنون والاضطراب التي تهدد الاستقرار الاجتماعي على نحو لا يمكن مقارنته حتى بالتهديد الذي تشكله الاجراءات العسكرية القمعية الواضحة فإن دور الكاتب في الكشف عن الحقيقة يصبح شديد التعقيد خاصة في مجال الكتابة الروائية على ما يظهر وبذلك فإن بالارد يبدو اكثر حسماً عندما يقول «وحدهم الكتاب المتطرفون الذين سيتمكنون من التعامل مع هذا الواقع بالكتابة عنه في اعمالهم الروائية. واذا كانت هذه هي القضية فلماذا اذن لا نتوجه الى هذا النوع من الرواية التي يكتبها بالارد من اجل ان يتسنى لنا البحث عما يقول بانه «المخرج من هذا العالم المليء بكل ما يشعرك بالضيق والتفاهة المتقاطعين من وقت لآخر مع اجراءات العنف العشوائية التي لا تتوقعها على الاطلاق. لكن ربما كانت الاجابة على هذا النوع من الاسئلة الشديدة التحدي التي يواجهها الانسان في مثل هذه الظروف قد اتت على نحو اكثر حميمية في نص اخر لا يصلح لان تتضمنه مجموعته القصصية الكاملة الصادرة في شهر يوليو من العام الحالي. مريم جمعة فرج