بيان الكتب: ولد «جيمس جراهام بالارد» ـ احد اهم كتاب رواية الخيال العلمي في القرن العشرين وأحد اهم كتاب بريطانيا لمرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية في شنجهاي ـ في سنة 1930 حيث كانت تقيم عائلته، حتى بداية الاحتلال الياباني، وبعد الحرب العالمية الثانية عادت اسرته الى بريطانيا البلد الغريب بالنسبة لبالارد الذي اصابته الحياة فيه بالصدمة الحضارية. كما يقول بسبب الانتقال المفاجيء من عالمه الذي يكتنفه شبح الحرب والموت وعدم الاستقرار السياسي الى عالمه البرجوازي الذي يكتنفه الشعور بالرضا والملل. وبدأ بممارسة الكتابة الابداعية في الاربعينيات والخمسينيات المرحلة التي بدا فيها واضحا تأثره الشديد بالسوريالية احدى اهم الحركات الفنية في القرن العشرين وكانت رؤيته للعالم الذي دمرته الحرب النواة التي مهدت لمشروعه الابداعي الذي استمر على مدى اكثر من اربعين عاما في القصة القصيرة والرواية. من الاعمال الهامة التي صدرت للروائي البريطاني «ج. جي. بالارد» «امبراطورية الشمس» وهو عمل يقترب في شكله من السيرة الذاتية للمؤلف يستعيد فيه ذكريات طفولته في الصين (شنجهاي) في مرحلة الحرب العالمية الثانية ومعاناته في احد معسكرات الاعتقال التي تسببت في معاناته النفسية في المرحلة اللاحقة من حياته ورواية «الاصطدام» وروايته الأخيرة «كان العظيمة» التي يهاجم فيها النزعة المؤسسية العالمية المسئولة عن تدمير النفس البشرية في الوقت الذي يسعى الى قراءة ماينطوي عليه مستقبل الحضارة الانسانية من ابعاد، تلك الابعاد التي ظل يرصدها في رواياته على مدى اربعين عاما كان قد توصل في اثنائها الى القناعة بان هذا التقدم التكنولوجي الذي نعيشه اليوم قد اتى على حساب تكويننا الروحي والعقلي. ان بالارد ككاتب تسيطر عليه الفكرة والخيال وربما الخيال الجامح اكثر مما تسيطر عليه الشخصيات بالمعنى المألوف بحيث تبدو وجهة النظر فيها محايدة وكثيرا ما تأتي حتى على لسان الراوي الذي يكون في العادة اما طبيبا او عالما سيكولوجيا وبهذا الشكل تصبح روايته اقرب الى اسلوب التحليل النفسي منه الى قصص الخيال العلمي التي تعود عليها القاريء المعروف بريادتها. تمثل رواية «كان العظيمة» انتقالا صريحا لمؤلفها باتجاه مواجهة النزعة المؤسسية العالمية وابطالها الذين يعيشون في «ايدين اولومبيا» المدينة الواقعة في اجواء مرسومة خيالية شبيهة بأجواء الدولة المدنية الفعلية الخاضعة بسلطتها المباشرة التي تهيأت لها كل اسباب الرفاهية وفي مقدمتها التكنولوجيا التي تحطمهم مكائدها. كما ان تلك الفنتازيا السوريالية ذات العلاقة الاكبر برسم الصور الخيالية اكثر منه بالسوريالية الاوروبية السوريالية الشبهة بسوريالية «دالي» هي احدى اهم خصائص رواية بالارد التي تسير جنبا الى جنب مع اهتمامه بابراز الارضية السيكولوجية للرواية وعلى سبيل المثال المشهد الذهني والعقلي الذي ربما تذكر القاريء انه كان قد لعب دورا هاما من قبل في رواياته الاخرى (امبراطورية الشمس). فمدينة ايدين الخيالية الواقعة على سواحل اللازورد في الريفيرا الفرنسية هي مدينة كونية متعددة كل شيء يعيش فيها رجال الاعمال وعائلاتهم حياة سعيدة مرفهة لا ينقصها شيء وعلى الرغم من ذلك يتسلل اليها الشر في صورة انسان غادر، الطبيب الشاب الذي يدبر مكيدة ويقتل بمسدسه عدداً من اهالي المدينة الابرياء قبل اقدامه على قتل نفسه فتسارع جين سنكلير البطلة وزوجها بول الراوي الى التحقيق في الحادث الذي يكتشف بول ان اسبابه تعود الى شعور هؤلاء الحاصلين على كل شيء بالحاجة الى التخلص من ضغوطهم النفسية بالانغماس في اي سلوك غير اجتماعي شاذ. بعد عقد من النجاح الذي حققه بالارد كأحد اهم كتاب رواية الخيال العلمي صدر له اثنين من اهم الاعمال الروائية التي كتبها الى الان احدها معرض الفضائع 1970 وهي من الاعمال التي تحولت معها رواية من مسارها نحو التجريب الذي تتميز به كرواية حديثة شديدة التماس مع الرؤية النقدية الجامحة التي ينظر بها الى اعمال الفنان السوريالي الشهير سلفادور دالي التي تحتاج قراءتها الى اشياء توضيحية كالصور الفوتوغرافية التي تنقل للقاريء بعض المشاهد المؤلمة من هيروشيما او الافلام التي تعرض صور الجثث المشرحة ومجموعة من اسماء الكتب التي تحمل صور التمثيل بأجساد الموتى وعلى الرغم من اثارتها الاشمئزاز وعدم اكتمال عناصرها الروائية الا انها رواية تمكن قارئها من تخيل صورة للمستقبل الذي تجسده الاعمال الجادة في البحث عن ميثولوجيا المستقبل المثيرة للجدل. واذا كان فرويد قد زعم بانه يجب على الاختصاصيين ان يلتزموا الحذر والحيادية وان يظلوا مفصولين عن الواقع الذي يجرون عليه تجاربهم فان هذا أهم مايفعله بالارد في التزامه صيغة المجهول وهو يرتحل في سيكولوجية ابطاله الجنسية العاطفية في رواية الاصطدام التي يشبهها النقاد بالقصة القصيرة المطولة التي يترك فيها المؤلف العنان لهواجسه لكي تلعب دورها الى النهاية. تمثل مرحلتي السبعينيات والثمانينيات عودة بالارد الى موضوعاته التقليدية التي بدأها بجزيرة الاسمنت سنة 1974 و «الارتفاع الحاد» سنة 1975 و «شركة الاحلام غير المحدودة» سنة 1979 الا انها وعلى الرغم من تقليديتها كانت تشتمل على جزء من عناصر التماسك او الترابط المنطقي الذي افتقدته في مرحلة سابقة بالاضافة الى الابعاد السيكولوجية التي لايمكن اغفالها في رواية بالارد. فالعالم الذي يطاله الخراب في «هالو امريكا» هو صورة متخيلة للولايات المتحدة التي يتم تدميرها بواسطة كارثة هوجاء وبواسطة تلك السيكولوجية الجنسية الجديدة، وشخصية الطيار في شركة الأحلام تطرح نموذجا للحياة في الضاحية اللندنية الفردوس الذي يتحطم فيه هذا الانسان بواسطة كارثة تسببها احدى الاساليب الغريبة او الممارسات الجنسية الشاذة. وبنفس الاسلوب يستمر بالارد في اضافة عناصر التحطم والدمار التي تستمر لديه منذ رواية جزيرة الاسمنت التي يروي فيها قصة تحطم راكب دراجة نارية يجد نفسه بعد ذلك في ارض خراب (مكان شبيه بالعوالم السوريالية التي لا يمكن ان يقبل بها الا المخبولون ولا يمكن ان يفهمها الا من كان باستطاعته ان يفهم الاندماج الكلي او التداخل والتشابك بين العالمين الداخلي والخارجي اللذين تجسدهما اعماله الروائية). نشر بالارد رواية امبراطورية الشمس في سنة 1984 وهي سيرة شبه ذاتية تشتمل على وصف مفصل لتجربته في مرحلة الطفولة في شنجهاي وفي سنة 1991 نشر الجزء الثاني منها «طيبة النساء» وهما اول عملين تبرز من خلالهما العناصر الروائية المختلفة تماماً عما قدمه سابقاً في روايات كراش ومعرض الوحشية بما تشتمل عليه هذه الاعمال من عناصر الفنتازيا الغريبة. وعلى الرغم من انه لا يمكن على الاطلاق فهم ذلك بأنه ابتعاد جذري عن موضوعاته التي بدأها من قبل الا ان رواية امبراطورية الشمس وطيبة النساء هما ما يمكن وصفه بالتوجه الجديد نحو السعي الى تفسير المعاني والدوافع الكامنة وراء اختياره لموضوعاته السابقة، وبالاضافة الى اقتباسه هذا الشيء من دالي في كتابته سيرته الذاتية التي اعانت الكثيرين على فهمه فإن هاتين الروايتين ترسيخ لسمعته كواحد من اهم الكتاب الروائيين الغربيين الذين تنطوي اعمالهم على موضوعات جادة تتعدى حدود تصنيفه المعروف كمؤلف لرواية الخيال العلمي. رواية امبراطورية الشمس بالاضافة الى تقنياتها الروائية الجديدة تعطي كما يرى «مارتن اميس» صياغة اخرى لما يشكل عالم بالارد الحقيقي كما يعبر عنه بقوله «ان الناس الذين تربوا في الاجواء الاجتماعية للديمقراطية في بلدان اوروبا الغربية ليست لديهم فكرة عن هذا النوع من الهمجية». ولدى عودته الى بريطانيا كان بالارد في الخامسة عشرة الشيء الذي اورثه تلك الصدمة الحضارية التي مازالت تراوح في مكانها حسبما يقول الى الان المسألة التي ابقته لا منتمياً وناظراً للحياة في لندن وامريكا وغيرها من اجزاء هذا العالم بمنظور الغريب الذي مازال يرى حياته في احدى ضواحي لندن مظلمة وغامضة وربما كان الغموض الذي يكتنف اعماله الروائية اسلوباً للتعامل مع هذا الواقع. في امبراطورية الشمس يستعيد بالارد ذكريات طفولته في شنجهاي اثناء الحرب العالمية الثانية حيث تسنى له ان يشاهد مجريات الحرب عن كثب وهي تلك المرحلة التي تحول فيها من ابن صغير لأسرة برجوازية ثرية الى معتقل في احد السجون اليابانية الشبيهة بحظائر الحيوانات النتنة ليتحول الى جرذ بواليع كما يقول وتشتد معاناته من الجوع والمرض والازمة النفسية الحادة التي خلقتها تلك الظروف والتي اسفرت عن عدم فقده جوهره الانساني وعدم قدرته التخلص من تلك الذكريات. احدى اهم روايات بالارد بعد امبراطورية الشمس وطيبة النساء «ليالي الكوكايين» التي يسلط فيها الضوء على حياة الطبقة البرجوازية في المجتمعات الغربية حيث يتقاطر الاثرياء من هذه الطبقة الى العزلة بسبب الحرص على الحياة في اجواء آمنة مليئة بالكاميرات واجهزة الامن المختلفة. وحيث يعشقون اشياء كالجلوس على المقاهي الفخمة او ارتياد دور السينما والعيش في ممتلكات ضخمة وكل ما يمكنه ان يكرس الانفصال عن العالم الخارجي. وهذا العمل تمكن مقارنته برواية ارتفاع حاد احد اعماله المبكرة التي يؤكد فيها الانطباع القائل بأن هندسة المناظر الطبيعية والمباني والشوارع التي نخترعها نحن الآدميون قادرة على تغيير مشاعرنا الداخلية وعلى ايقاف نمونا الروحي والعقلي. وهذا الشيء يتشابه مع ما يذكرنا به في امبراطورية الشمس حيث المستوطنات التي يتجمع فيها افراد الطبقة الارستقراطية الاورروبية المقيمون في شنجهاي في مساكنهم الفخمة في الوقت الذي يموت فيه في الخارج آلاف الاشخاص المقيمين في المناطق الفقيرة او الاقل ثراءً بسبب الحرب. ان الدخول الى عالم بالارد يشبه بلا شك الاقتراب من اعمال الرسام العالمي الشهير دالي الذي احبه كثيراً والذي ساعدت حساسيته الشديدة في رسم عالمه الروائي المصحوب بالصور التي تعيد الى الذهن اصواتاً ايقاعية للحياة في المدن الكبرى المليئة بمشاهد الخراب والموت في الضواحي والفنادق والقواعد العسكرية المشيدة في الاماكن الصحراوية البعيدة والمصحات العقلية وحوادث الطائرات والاسلحة والحروب.