بيان الكتب: الباحث اللبناني جورج طراد، سوف يتناول في هذا الكتاب بعض القضايا الشائكة التي تداولتها ساحات الثقافة العربية من مطلع القرن المنصرم، مع بروز السؤال النهضوي الرئيسي عن الحداثة والاصالة، وما افرزه من صراعات ملتهبة طالت القرن بأكمله ، ومازالت قائمة حتى يومنا هذا، وذلك بسبب المواقف الفكرية والسياسية التي تبناها كل فريق من المتخاصمين للدفاع عن وجهة نظره، فكانت ساحة الشعر هي الساحة الابرز التي تمركزت فيها رحى الحرب، وذلك لان الشعر في تلك الفترة الملتهبة، مازال يحتفظ بأهميته كديوان للعرب، والجنس الادبي الاميز الذي يعتد به في المحافل والمناسبات الاجتماعية والسياسية. ومن جملة القضايا ذات الطابع الاشكالي التي توقف عندها باحثنا، هي قضية التعبير بالعامية التي طرحها الشاعر اللبناني يوسف الخال، صاحب ورئيس تحرير مجلة شعر، المجل التي طرحت مشروعها الحداثي في النصف الثاني من الخمسينيات، وتمكن شعراؤها بمختلف توجهاتهم من تحويل دفة الشعر العربي نحو مرحلة نوعية جديدة، خرج فيها من محليته واغراضه القديمة نحو قيم انسانية معاصرة، انفتحت بهذا القدر او ذلك على ثقافة الغرب وتجاربه الشعرية بشكل خاص، فتفاعلت مع هذه التجارب، ولكن ليس من قبيل التابع والمتبوع كما يدعي البعض، وانما كعودة الى التراث او الى الجذور الاولى التي هاجرت من الضفة الشرقية للمتوسط الى الضفة الشمالية، وبالتالي فان الدعوة الى الحداثة كانت تحمل في طياتها مشاريع واحلاما كبيرة في تحقيق قفزة حضارية للوعي العربي، الذي ظل اسير القمقم التركي قرونا مديدة. ومن هنا فان شكل الصراع بين المحدثين والمحافظين اتخذ طابعا سجاليا، بين انصار النزعة القومية، وانصار الحداثة على مستوى مجلات: «شعر»، «الاداب»، و«الثقافة الوطنية»، وهي لا شك مرحلة غنية راح الجميع فيها يبحث عن خصائصه الثقافية شمالا او جنوبا، وبالتالي فان الاطروحات التي خرجت من لبنان او مصر في بواكير القرن عن «الفينقة» و«الفرعنة»، انما كانت اساسا تواصل البحث عن الهوية المفتقدة، وهو بحث مشروع برأينا، على الرغم من عواصف الاحتجاج والتخوين التي طالت انصار هذين الفريقين، انها بالاحرى مرحلة وقف فيها الجميع لأول مرة خارج اطار «الوصاية» و«الرعاية» و«الانتداب» و«الاستعمار» وغير ذلك، واعتبروا انفسهم معنيين مباشرة ببناء «البيت الجديد»، ومنذ تلك الحظة اختلفوا جميعا في كيفية تصميمه وهندسته، اعلى طريقة الغرب بقرميده وحديقته وشرفاته المكشوفة؟ ام على طريقة الشرق وجدرانه وحجارته ونقوشه؟ ومع الاسف، نعم مع الاسف ظل الصراع قائما، ولكن البيت لم يبن حتى الآن! وربما كان بحث يوسف الخال واضرابه عن لغة تمكنهم التعبير عن افكارهم الجديدة مشروعا في تلك المرحلة الزمكانية الشديدة الخصوصية، سيما وان الخطاب الشعري كان قد وصل الى حد الابتذال والمهانة، لجملة ظروف الركود الثقافي والاستبداد والتخلف الاقطاعي السائد، وبالتالي فان التعبير عن الافكار الجديدة بهذه اللغة شبه الميتة انما هو اشبه بالمستحيل، ولابد اذن من البحث عن البديل، وعلى الرغم من ان البدائل المطروحة كانت كثيرة في الحقيقة، الا ان بديل يوسف الخال في التعبير بالعامية لقي خصومة كبيرة سرعان ما تحولت الى اتهام بالعمالة والخيانة وغير ذلك من النعوت القياسية التي اعتاد مثقفونا اطلاقها بلا مبالاة ولا مسئولية، وهي ان دلت على شيء، فانما تدل على طبيعة تلك المرحلة والمخاض الجديد الذي اصاب الجميع بحماه. والى ذلك سيشير الباحث بأن «موقف يوسف الخال من العربية تعرض لانتقاد عنيف وصل الى حد اتهامه بالشعوبية، وبالعمل على تدمير الوحدة القومية العربية من خلال تدميره اللغة العربية الفصحى ولكن الخال لم يهادن ولم يتراجع، وبقي يصعد نظريته في العربية الحديثة ليس في مجال التنظير لها ولمبادئها وحسب، بل في مجال تطبيقها في كتاباته ايضا. ثم يستعرض البحث الحجج والمبررات التي قدمها يوسف الخال للكتابة بلغة مختلفة عن السائد، وسواء كانت هذه اللغة عامية أو فصحى، الا انها ينبغي ان تكون منقطعة عن لغة الامس الميتة، الامر الذي يؤكد انتماءه لعالم الحداثة وثقافة العصر المتمثلة في العقلانية والليبرالية، عالم اوروبا الحرة وتحولاته الاقتصادية والاجتماعية كبديل عن نظام سياسي مستبد يرتكز بدوره على اقطاع متخلف. واذا كانت الحداثة تستجيب لطموحات شعراء الحداثة العرب، فان يوسف الخال المنظر او «الايديولوج» لحركة مجلة «شعر»، كان يطمح لان يستكمل المشروع الحداثي بالاطاحة الكلية لرمز «هذا التخلف الاوحد» الا وهو اللغة، وقد كان صادقا مع نفسه، ولكنه لم يكن ليتصور ان هذه اللغة التي صمدت اربعة عشر قرنا، قادرة على تطوير ادواتها والارتقاء بالفكر العربي الى مرحلة ارقى مع تعميم التعليم والفضائيات والانفتاح على الثقافات الاخرى. كان الخال وجملة الدعاة الى العامية و«اللبتة» يرون في لغتنا العربية لغتين مختلفتين وكل واحدة منهما في نسق مختلف، واحدة مكتوبة وادبية هي الفصحى، والاخرى شفاهية او محكية وتسمى عامية.. احداهما لغة الثقافة والتعامل الرسمي، والاخرى لغة التخاطب اليومي، ولم يكن يوسف الخال واضرابه من انصار المذهب القائل بامكانية تطور اللغة الفصحى، وانما على العكس كانوا ينظرون الى العامية على انها لغة الحياة، وبذلك فانه وعلى حد تعبير الباحث، سيبدي اسفه على كل الجهود التي ضيعها العرب على اللغة، مما ادى الى تجميدها ضمن قواعد صارمة أعاقت كل اتصال ممكن لها بالحياة، والى ذلك سيقول ساخرا: «ولو ان اسلافنا العرب صرفوا نصف الوقت والجهد اللذين صرفوهما على اللغة، على اي نشاط آخر، كبناء السفن مثلا، لكانوا أعظم بناة السفن في التاريخ». أما لماذا عجزت الفصحى عن التطور وعن مواكبة الحياة بنظرة الخال، فانه سيعزو الامر الى ثلاثة اسباب متلازمة: العامل الديني، الانحلال العقلي، والاصرار الواهي على ربط اللغة بالقومية». ويرى الباحث ان الآراء التي استند اليها الخال لاطلاق دعوته لم تستند اساسا الى مرجعية عربية، وانما استقاها من نماذج غربية، وهو بذلك يعكس حالة الانبهار التي عاشها بعض العرب بما بشر به الغربيون على هذا الصعيد، فيقول: «ونرى ان انبهاره هذا لم يبق محصورا به وحده، بل أرخى بظلاله الواضحة على كل أجواء مجلة «شعر» ... ولكن حتى ولو تجاوزنا هذه النقطة المنهجية، فاننا لابد مصطدمون بنقطة مبدئية أخرى، فالدعوة الى استلهام تجارب الغربيين في اعتماد اللغة المحكية كلغة بديل للمكتوبة، تبدو كأنها عملية وصف العلاج نفسه للمرض نفسه، ولكن في جسم آخر يشكو من حساسية مفرطة تجاه نوع معين من العلاجات». وفي القسم الاخير من الكتاب، سيجري الباحث جملة من الاحصائيات المتعلقة بالجوانب التالية: تأثير اللغة البديلة في حجم قصائد يوسف الخال، وتأثيرها في تنوع الحركة والسكون في قوافيه، وانعكاسها على وتيرة استخدام الافعال وظاهرة تراجع الذاتية، ووتيرة استخدام حروف الجر، واستمرارية البنية الفكرية. والى ذلك فانه سوف يبين عيوب اللغة البديلة عبر هذه المحطات التي ذكرنا، بل انه سيذهب الى ابعد من ذلك نحو جملة العيوب حصرها في ثلاثة محاور رئيسة هي: ـ التصوير الاملائي. ـ الاستخدام الدلالي. ـ عدم توحيد قاعدة لغوية. وسيأتي بأمثلة عن كل مأخذ في لغة يوسف الخال البديلة، ليستنتج ان لغة يوسف الخال البديلة، انما كانت تظهر بعض التماسك في كل مرة كان يتوكأ فيها على قواعد الفصحى، أما عندما يرفض مبادئ اللغة بما هي لغة ولو في درجتها المعيارية، فانه كان يقع في الخلل والتناقض، وهذا بدوره سيفضي بالباحث الى الحكم على هذه اللغة البديلة بأنها «ولدت ميتة، والزمن اطلق عليها حكما فوريا، فلم يبق لها، أو لاي طرح لغوي يحاكيها أمل في الوجود». أما حكمه على مشروع يوسف الخال اللغوي فسيعتبره مشروعا متهافتا برز كنقيض متطرف للدعوات المتشبثة بالفصحى القديمة، أو بالاحرى بلغة الانشاء القديمة الرافضة للتغيير والتطور بما ينسجم وروح العصر، ولكنها «دعوة حق يراد بها باطل ضمني»، ولذلك فانه سيقترح باقفال الطريق امام هذه الدعوات المتطرفة والذي لن يكون الا من خلال التسليم بوجوب وجود حركية مستمرة ضمن اللغة، تستلهم مقاييسها ومستجدات ارتقائها، وذلك عبر تيسير الفصحى ومن غير المساس بجوهرها، وهو الى ذلك سيعتبر لغة الصحافة انموذجا مقبولا «يصلح كأرضية انطلاق، تدرج وتطور على أيد عربية وفي بيئة عربية، وأعطى تصورا معقولا لما يمكن ان تكون عليه اللغة العربية». والكتاب بشكل عام يدرس ويؤرخ لمرحلة مهمة من مراحل ثقافتنا، وان قصرت اهتماماته على الجوانب اللغوية والصراعات التي دارت حولها، ولكنه في الوقت نفسه سيتغافل عن أهمية المشروع الحداثي الذي أطلقته مجلة «شعر» وشعراؤها، والذي لا يمكن اختزاله أبدا في مسألة الصراع على التعبير بين العامية والفصحى، أو بمسألة التأثير بالغرب فقط. عزت عمر