بيان الكتب: لا يختلف اثنان على ما للوثائق من أهمية في كتابة التاريخ، خاصة ان ثمة حقائق من الماضي يتم تغييرها كي تتناسب مع الحاضر ... وثمة قوانين تتحول إلى أعراف، وأعراف تتحول إلى قوانين، والأقوى هو الذي يعيد صياغة المفاهيم وربما الأشياء أيضا. ولكن أية وثائق هي التي يمكنها أن تبلور الحقائق وتحدد أساسا لكتابة الحقيقة، وموانع لمن يحاولون تزوير التاريخ؟ إن خطابات الرئيس شكري القوتلي ليست مجرد كلمات قيلت في مناسبات متعددة وحسب، إنها أكثر من شهادات على العصر الذي كان معاشا في تلك الحقبة، كونها أولا في متناول الجميع، واضحة نقية لا غبار على صحتها، وثانيا نابعة من شخصية مرموقة شغلت منصبا حساسا أتاح لها الاطلاع أكثر من غيرها على مجريات الأحداث، وشموليتها ـ من موقع المسئولية ـ بجوانب متعددة من أمور الحياة، ولفواصل تاريخية حددت الحاضر آنذاك، وربما رسمت المستقبل الذي نعيشه الآن، ولكونها رابعا تتسم بالموضوعية، لان صاحبها كان يتحلى بالبساطة والعمق، والديمقراطية التي نراها واضحة في سيرة حياته السياسية «إنني إذ أسلم الأمانة الغالية، طيب النفس، قرير العين، واثقا مطمئنا، أرشح لرئاسة الجمهورية العربية المتحدة أمام مجلسكم الكريم في هذه الجلسة القومية التاريخية: الرجل المؤمن، والقائد العربي الملهم، الرئيس جمال عبدالناصر، وسأكون غدا، في يوم الاستفتاء، يوم الواحد والعشرين من مارس عام 1958، أول من يقوم بواجبه كمواطن لانتخاب الرئيس القائد، الذي وضع ثورة مصر في خدمة القومية العربية، كما وضع نفسه في خدمة أمته، ليعمل في سبيل حريتها ومجدها ورخائها». قراءة الواقع اضافة لكل ما تتسم به هذه الوثائق، وكل ما يتحلى به صاحبها ـ رحمه الله ـ يمكننا أيضا ان نقرأ الواقع من خلالها، ونرصد حركة تطوره ونعود الى ما غاب عن ذهننا، وما كان خطأ قائما وما زال، وذلك لان الكتاب الذي بين أيدينا يحتوي على معطيات تخص أغلب شرائح المجتمع السوري، وتتناول واقعهم ومشاكلهم، فمن حديثه مع تجار حلب يمكننا أن نطلع على ما كان يجري في سوريا على الصعيد الاقتصادي مثلا، حيث أشار الرئيس إلى «أهمية الخطوات التي خطتها الحكومة بعقد اتفاقيات اقتصادية تجارية مع مختلف الدول بصرف النظر عن كونها شرقية أو غربية في سبيل تنشيط صناعتنا وزراعتنا وتصريف محاصيلنا وانتاجنا في أسواق جديدة فتحتها هذه الاتفاقيات بوجه السوريين المنتجين ...». ويمكننا أن نقرأ واقع العرب الديني في تلك المرحلة من خلال وجود الرئيس في دير مارتقلا في معلولا: «انني لمغتبط جدا لوجودي الآن بين اخواني من رجال الدين من السادة المطارنة والأحبار والاخوان الذين تربطنا بهم، منذ فجر النهضة القومية، روابط من النضال ومقارعة الأجنبي، وانني الآن أستعيد ذكرى تلك الأيام التي لا تنسى، وأستعيد فيها تلك الدروس الوطنية الرائعة التي ألقاها هؤلاء السادة الأحبار بنضالهم في سبيل تحرير هذه البلاد ورفع منارة القومية العربية ...» وكذلك من خلال وجوده في لبنان، والكلمات التي ألقاها في المناسبات الدينية في سوريا ومصر. هذا، ويمكننا ان نرصد بدقة علاقة الدول العربية فيما بينها، وعلاقة سوريا مع دول الجوار ومع الهند وباكستان والاتحاد السوفييتي والدول الغربية وعلاقة الرئيس بشعبه ومؤسسات الدولة، وانعكاسات كل ذلك على الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية». شكري القوتلي يخاطب أمته: كتاب ينقل القارئ بأمانة واضحة، ومصداقية عالية إلى سوريا من عام 1917 إلى بداية الستينيات، ويؤسس لحقائق لا تدع مجالا للشك، من الضروري أن تعرفها الأجيال عبر العصور. لانه لا يصح إلا الصحيح. القوتلي في سطور ولد شكري القوتلي بن محمود بن عبدالغني في دمشق عام 1891م سافر للدراسة في اسطنبول، عاد بعد انتهائه من دراسته الى دمشق، وكما يفعل كل الوطنيين، انخرط في النضال الوطني وتعرض للاعتقال والسجن ... أسس عام 1918 حزب الاستقلال، وحين غادر الملك فيصل الأول سوريا، ودخلها الفرنسيون، غادر القوتلي الى حيفا، وبقي يتنقل بين مصر وفلسطين وأوروبا ... وبعد الغاء أحكام الاعدام التي أصدرتها ضده فرنسا، عاد من جديد إلى دمشق عام 1930، وعمل في الكتلة الوطنية، وسمي وزيرا للمالية والدفاع عام 1936، تولى رئاسة الوزارة بالوكالة عندما سافر جميل مردم وسعدالله الجابري الى باريس لملاحقة تصديق المعاهدة السورية الفرنسية. بين عامي 1937 و1943 كان القوتلي زعيم البلاد الوطني، وفي 17 سبتمبر 1943 انتخب رئيسا للجمهورية السورية، للحكم الوطني، وبقي رئيسا للجمهورية حتى انقلاب حسني الزعيم في 29 ابريل 1949، وبعد مقتل الزعيم دعاه الملك فاروق للاقامة في مصر، فانتقل من جنيف الى الاسكندرية، واستقر فيها. أعيد انتخابه رئيسا للجمهورية السورية للمرة الثالثة في سبتمبر 1955، وبقي رئيسا الى عام 1958، وتنازل عن الرئاسة في سبيل اعلان الوحدة بين مصر وسوريا ... وعندما وقع الانفصال، وعاد من جنيف الى دمشق بطلب من حكومة الانفصال، بقي في دمشق حتى انقلاب الثامن من مارس 1963، ومن ثم غادرها الى جنيف، ليعود الى بيروت، ويستقر فيها الى توافيه المنية في 30 يوليو 1967م. وأخيرا لابد لنا في بيان الكتب ان نقدر هذا الجهد الكبير التي قامت به هالة شكري القوتلي، فاضافة لتصميمها الغلاف وجمعها لكل تلك الوثائق، تقدم للقارئ أيضا في نهاية الكتاب مجموعة من الصور الأرشيفية المهمة والتي تؤرخ للذاكرة البصرية أيضا، لقطات فريدة من وقائع تلك المرحلة، وهذا ما يضفي على الوثائق لمسات أخيرة من مصداقيتها وواقعيتها. محمود أبو حامد