بيان الكتب: عن دائرة الثقاقة والاعلام ـ حكومة الشارقة صدر كتاب «مرايا البحر ـ قراءات في أدب القصة والرواية الاماراتية» للكاتب والناقد عزت عمر حيث تصدى الكاتب الى التحليل الفني لعدد من قصص وروايات اماراتية لمجموعة من كتابها من خلال عدة محاور متباينة ، غير موحدة كونها تزامنت مع الاصدارات الأدبية خلال فترة من الزمن، لذلك جاءت مواكبة لها ومتماشية مع التطور الفني لهذا الجنس الادبي في دولة الامارات.. حيث انها قراءات نشرت تباعا في الصحف الثقافية كما نوه الكاتب نفسه في مقدمة الكتاب، «هذا الكتاب لم يعد دفعة واحدة، وإنما كان بمثابة مقالات كنت قد كتبتها في الصحافة الثقافية، ولم اكن انوي جمعها لولا حماس بعض الاصدقاء لها، وتذكيري دائما بوجوب طباعتها في كتاب لأنها باتت جزءا من تاريخ الامارات الثقافي. الا ان للكاتب ادواته الخاصة في القراءات النقدية الفنية لفن القصة والرواية الابداعية والاكاديمية بحيث يظهر الانسجام في الرؤية العامة من خلال المحاور المتباينة كما يظهر تجانسا واضحا في الخطوط النقدية لمجموعة القصص المقروءة. يتناول الكاتب مجموعة من قصص وروايات لكل من الكتاب الاماراتيين: عبدالحميد احمد ـ مريم جمعة فرج ـ ناصر جبران ـ ابراهيم مبارك ـ ناصر الظاهري ـ سلمى مطر سيف ـ سعاد العريمي ـ علي ابو الريش وآخرون ـ وذلك في ثلاثة فصول.. الفصل الأول: «دلالات المكان في أدب القصة الاماراتية» وقد اعطى الكاتب اهمية خاصة لدلالات المكان في القصة الاماراتية حيث اعتبره مفصلا مهما لأغلب الأعمال الأدبية الاماراتية. «أكد مبدعو الامارات شعراء وكتاب وفنانون على اهمية الامكنة سواء عبر توظيفها في اعمالهم توظيفا ذا طبيعة دلالية او كإطار جغرافي يؤطر الاحداث في عملية الخلق الفني كي يتم تحديد هوية الزمان الفني الأدبي وتشكيل الفضاء المطلوب لغويا وقد ساعدت هذه التوجهات في تأسيس ادبي جديد تحددت العلاقة بينه وبين الموضوع المتناول من خلال المعرفة والفكر أولاً ومن خلال نزوع عاطفي ثانيا وهما امران اساسيان وفاعلان في بنائية النص القصصي». ان تفنيد الشخصيات القصصية التي تناولها الكاتب وربطها ربطا حرفيا بمدلولاتها وعلاقاتها مع ابداعية الكاتب والظروف الزمكانية كما سماها الكاتب اعطت بعدا فنيا في قراءة ادبية معمقة للتناول الابداعي لهذه لقصص وهذا يؤكد على اهمية ان يكون الناقد لجنس ادبي ما كاتبا في نفس الجنس الادبي، كما هو الحال في هذا الكتاب فالكاتب عزت عمر قاص يمتلك مفاتيح التعامل الابداعي مع حيثيات فن القصة يقول في قراءته لمجموعة عبدالحميد احمد: «ومن هنا فإن الزمكان المتخيل غالبا ما يتجه نفسيا وفكريا لابراز معادلة الماضي والحاضر لينهض من خلاله فعل القص بمختلف ابعاده الدلالية مما ينعكس على ردود افعال الشخصية القصصية وعلى فنيات القول القصصي ايضا وذلك التمسناه في قصص «الجميرا» فالجميرا ربما تكون وعي القاص المبكر لكنها لا تتجه رومانسيا كما لدى القاصين الآخرين وانما سيتعامل مع زمكانها بنوع من الحيادية لادراكه رومانسيا كما لدى القاصين الأخيرين وانما سيتعامل مع زمكانها بنوع من الحيادية لادراكه ان الزمان الجديد يحتاج الى امكنة جديدة». ولدى مريم جمعة فرج يرى الكاتب انها «تمكنت من تأكيد حضورها الابداعي والاشكالي في الآن ذاته من خلاله مجموعتها «فيروز» و«ماء» ويقول ان «مريم جمعة فرج بطبيعتها لن تركن الى الانماط الجاهزة التي كرسها آباء تقليديون ومقلدون لهم سواء في رسم ملامح الشخصية او في تحديد ابعادها الفكرية عبر تفاعلية الحدث وعبر اللغة الذاهبة الى اسطرة شخصياتها الخارجة من ألوان الواقع». وقد خرج الكاتب من هذا الفصل الى استنتاج مهم بأن «وعي القصاصين الاماراتيين لهذا الزمكان التاريخي المفصلي وتصديهم له بهذه الاشكال البسيطة او المعقدة من القص، فإنما هو في الوقت نفسه قد أرسى تقاليد حقيقية في القصة المعاصرة جديرة بالدراسة». اعتمد الكاتب في الفصل الثاني «قراءات نصية» الذي قدم فيه قراءات مستفيضة للقصاصين الاماراتيين من خلال التفنيد الفني لأكثر من قصة لكل كاتب اعتمد على معطيات النص مؤسسا على ذلك محاور خاصة لكل نص حيث تتقاطع بعض المحاور مع بعض النصوص كالجانب الوطني.. واللغة القصية. وقد تقاطعت في اغلب القصص الميزات الفنية للغة القصية وطرائق التعامل مع الرموز والدلالات والخلفية الابداعية التي تتقاطع مع القصاصين انفسهم.. مع بعض الاختلافات الطفيفة الملاحظة في رأي الكاتب وقد لخص الكاتب هذا التشابه العام من خلال الانفراد برأيه في اللغة القصية لدى مريم جمعة فرج اذ يقول: «ان اللغة عند مريم جمعة فرج هي الجديد الذي تقدمه لقصها حيث انها بجرأة نادرة عملت على تخليص النص من الرتابة والحشو الزائد والهوامش الفائضة الى درجة يمكننا معها القول ان سائر قصص المجموعة تخلو من جملة خطابة او تقريرية واحدة وقد تميزت مجموعة ماء بالطلاقة الابداعية». حيث انني أرى بأن التطور الفني للقصة يعتمد اصلا على التطور الداخلي لعناصر التشكيل الداخلي فيها والتكثيف الصوري والشعوري بعيدا عن المباشرة والسردية لتكون وحدة متكاملة في الشكل الفني والمضمون كي تأخذ خصوصيتها المميزة مبتعدة عن التقريرية والوصفية المباشرة بحيث تفقد دهشتها وتذهب نحو العادية في المخاطبة.لهذا تبدو قراءة عزت عمر لينة التعامل مع مجموعة النصوص لحداثة هذا الجنس في الادب الاماراتي ولإعطاء ركائز اساسية للتفاعل الابداعي بين الكاتب ومجموعة التطورات المحيطة به في هذه الدولة.. الاقتصادية.. والاجتماعية والثقافية التي تصل بنا في النهاية الى تلك الركائز. في الفصل الثالث والأخير: الكتابات القصصية الجديدة» يرصد الكاتب عزت عمر «ولادة اعداد مهمة من كتاب القصة الذين ما زالوا يتابعون دراساتهم الجامعية او انهم انهوها منذ قليل، وهذا يعكس لنا حداثة عهد هؤلاء الشبان في الكتابة من جانب ورغبتهم الكبيرة في الصعود الى مراكز الشهرة وهذا حق مشروع طبعا اذ ينبغي على كل تجربة ان تفصح عن نفسها ولا تبقى حبيسة اوراق صاحبها» وقد اعتمد الكاتب في هذا الفصل ثلاثة محاور: الاول الواقعية وأحادية الفكرة قدم فيها قراءات مقتضبة لبعض هذه القصص كـ «النخلة وعباد الشمس» لـ سارة النواف، «الآن عرفتك» لـ فريد الغياث، «آمال تموت ببطء» لـ نجيبة الرفاعي، «فشل سبتي» لعائشة الكعبي يقول الكاتب: «ولابد من التنويه اولا الى ان غالبية القصص التي قرأناها ضمن هذا المحور، ان لم نقل كلها، تدور حول الحب، وعلاقة الرجل بالمرأة وعلى الرغم من غنى هذه الموضوعة انسانيا، الا ان القضايا المطروحة غالبا ما تتجه نحو موضوعات محددة مثل الخيانة، او سوء الفهم، وغير ذلك من القضايا التي تشغل بال الشباب عادة، ولكن ذلك بدوره سيؤثر في بنائية القصة، حيث تركز القاصة او القاص على تتابع الحدث الواقعي او المتخيل، بلغة اخبارية بسيطة تقترب من لغة التخاطب بين الناس، وبذلك تفقد القصة ركنا اساسيا من اركان بنيتها. وفي المحور الثاني ـ التجريب والحداثة ايضا قدم تعريفا لبعضهم كقصة «القرار الصعب» لـ أسرار المنهالي، «الثقب الأسود» لمريم سعيد المري، وفي المحور الثالث التجارب المتكاملة «ستيك» لسارة الجروان و«ماذا ستفعلين بي» لـ ابتسام المعلا وقد استخلص الكاتب في هذا الفصل التالي «يتضح لنا من خلال هذا الاستعراض للاعمال القصصية الجديدة ان المرأة الكاتبة تمارس حضورا ابداعيا اكثر بل وأقوى من حضور الرجل وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على رغبة المرأة الكبيرة في المشاركة بالحياة العامة من خلال اسهاماتها الثقافية والمجتمعية وهذا يعكس لنا حالة من التقدم الاجتماعي الذي تشهده دولة الامارات على صعيد التعليم والثقافة». بقي ان اقول ان هناك اهمية خاصة لكتاب مرايا البحر الذي قدم فيه الكاتب من خلال قراءته لأدب القصة في الامارات توثيقا مهما يمكن للمتابع والمشتغل في هذا الجانب المهم من نهضة الامارات الثقافية ان يرجع اليه ويتواصل مع الكاتب في تعميق الدراسة النقدية وتوضيح معالم البدايات لتصير الى تطور يستند الى أسس موثقة لدى الكتاب والمبدعين في هذه الدولة. عصام اليوسف