بعد نجاح الصحابي الجليل عمرو بن العاص في ارجاع هيبة الإسلام في أطراف الشام وعودة حلفاء المسلمين في تحالفهم الأولي، دخلت قبائل أخرى في حلف مع المسلمين، كبني عبس، وبني مرة، وبني ذبيان، وفزارة، وتبعهم بنو سليم، وبنو أشجع، ومعظمهم من لم يكن قد حالف المسلمين من القبائل المجاورة، فأصبح المسلمون بذلك أقوى قوة سياسية وعسكرية في شمال بلاد العرب، إن لم يكن في بلاد العرب كلها، وذلك في أواخر السنة الثامنة من الهجرة. وفي هذه الأثناء كان الرسول عليه الصلاة والسلام دائم التفكير في مكة، ورغبته في ادخال أهلها جميعاً في الإسلام، خاصة وان ذلك سيسهل دخول باقي قبائل العرب في الإسلام، ولم يكن يمنعه عن فتحها عنوة إلا العهود التي أعطاها في الحديبية وهو سيد من يوفي دائما بعهده. قبيلة خزاعة ونقض الحديبية كانت قبيلة خزاعة متحالفة مع الرسول أما قبيلة بكر والتي كان بينها وبين خزاعة دماء في الجاهلية فقد كانت متحالفة مع قريش، فلما وقعت الهدنة وقف رجل من بكر يتغنى بهجاء الرسول على مسمع من رجل من خزاعة، قام هذا وضربه، فحرك بذلك الأحقاد الكامنة، فقامت قبيلة بكر مستعينين بأوليائهم من قريش بالإغارة على قبيلة خزاعة، فقتلوا منهم ما يربو على العشرين، وبذلك تكون قريش قد نقضت عهد الحديبية، فلجأت خزاعة إلى الرسول تستنجده، فأرسل الرسول إلى قريش يطلب منها إحدى ثلاث: إما دفع الفدية، أو التخلي عن حلفائهم من بني بكر، وإما بطلان عهد الحديبية، فجاء رد قريش بقبول الشرط الثالث، وهو بطلان عهد الحديبية، وكان ذلك يعني عند رسول الله مبررا لفتح مكة، فنادى في أنحاء الجزيرة بالاستعداد لذلك. أدرك عقلاء قريش ان مكة ستتعرض لخطر غزو المسلمين، فقرروا ايفاد أبي سفيان إلى المدينة لعله يثبت عهد الهدنة ويطيله، فذهب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وهو زوج ام حبيبة ابنة أبي سفيان، وقابله في المسجد وعرض عليه ما جاء به، فرفض الرسول وكذلك كبار المهاجرين فعاد إلى مكة بخفي حنين. الاستعداد لفتح مكة أرسل الرسول من ينادي في العرب المقيمين حول المدينة ويقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحضر رمضان بالمدينة، فجاءته قبائل أسلم وغفار وأشجع ومزينة، وجهينة، وانضم إليه المهاجرون والأنصار حتى بلغ عددهم 10000 فرد، غير ان الرسول أخفى مقصوده عن الجيش، وعن معظم صحابته حتى لا يتسرب الخبر إلى قريش فتستعد للحرب والرسول عليه الصلاة والسلام لا يريد اراقة دماء، ويريد دخول مكة في سلام حتى لا تمس حرمتها، وأن يدخل أهلها في الإسلام وينعموا بفضله، لذلك دعا الرسول ربه قائلا: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها». ومن أجل ذلك أرسل سرية صغيرة إلى شمال المدينة تعمية وخداعاً لمن قد ينقل أخبار تحركات المسلمين. تحول الجيش وعلى رأسه رسول الله إلى مكة في الحادي والعشرين من رمضان، وانضمت إليهم قبائل أخرى زادت في عدد المسلمين وعدتهم. وفي الطريق إلى مكة قابل الرسول عمه العباس، مهاجراً إلى المدينة وغيره من بعض كبار قريش الذين أرادوا إعلان إسلامهم فرحب بهم رسول الله وطلب من عمه العباس ان يرجع إلى مكة لعله يفلح في إقناع قادة قريش بأن يسمحوا للمسلمين بالدخول إلى مكة دون سفك دماء، وكان العباس متخوفاً من الهلاك الذي سيصيب مكة وأهلها على يد عشرة آلاف مقاتل مسلم، وراغباً في ان تظل مكة حرماً آمناً فذهب العباس إلى مكة والتقى بأبي سفيان، فقال له العباس: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين أتاكم في عشرة آلاف رجل، واني أطلب منك ان تركب معي إلى رسول الله فاستأمنه لك فوالله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، وما زال العباس بأبي سفيان حتى أسلم بين يدي رسول الله، وطلب العباس من رسول الله عن يجعل لأبي سفيان شيئاً في قومه، فقال صلى الله عليه وسلم: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، وبعد ذلك عاد أبو سفيان إلى قومه، وأخبرهم بعظم جيش المسلمين، وأعلن لهم كلمة الرسول فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. دخول المسلمين مكة أخذ الرسول عليه الصلاة والسلام حذره، فقسم المسلمين إلى عدة فرق لتدخل كل فرقة إلى مكة في اتجاه خاص بها، وذلك حتى يضع يده على مكة كلها، من جميع جوانبها في وقت واحد، وأصدر أوامره المشددة إلى جميع الفرق بألا تقاتل أو تسفك دماً إلا إذا أكرهت على ذلك اكراهاً، فكان الزبير بن العوام على الجناح الأيسر ليدخل مكة من أعلاها عن طريق جبل (كداء) ، وخالد بن الوليد على الجناح الأيمن، ليدخل مكة من أسفلها، وسعد بن عبادة ليدخلها من جانبها الغربي من جهة جبل كوى، أما عبيدة بن الجراح فقد جعله على المهاجرين وسار وإياهم ليدخلوا مكة من أعلاها في خداء جبل هند. وبالفعل دخلت الجيوش كلها مكة فلم تلق مقاومة إلا جيش خالد بن الوليد فقد كان يقيم في أسفل مكة أشد أهل قريش عداوة للرسول ممن أشتركوا مع بني بكر في نقض العهد بالإغارة على خزاعة، حيث لم يرض هؤلاء بما نادى به أبو سفيان، بل أعدوا عدتهم للقتال، وكان على رأسهم عكرمة بن أبي جهل، فلما دخل جيش خالد من أسفل مكة أمطروه بالنبال، إلا ان خالد بن الوليد لم يلبث أن فرقهم، ولم يُقتل من رجاله إلا اثنان ضلا طريقهما، أما قريش فقد فقدت في هذه المواجهة ثمانية وعشرين رجلاً، وفر كثير منهم من مكة. أما رسول الله فقد ترقرقت عيناه بالدمع شكراً لله الذي أرجعه إلى مكة وركب ناقته القصواء حتى بلغ الكعبة فطاف بالبيت سبعاً على راحلته، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة ففتح الكعبة،، ووقف عليه الصلاة والسلام على بابها، وقال مخاطباً الناس: «لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده»، ثم تكاثر الناس حوله حتى امتلأ المسجد، فتلا قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم» ثم قال: ألا كل دم أو مأثرة أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتي، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. الفتح الأعظم كان في فتح القلوب بالكلمات النبيلة السابقة تجاوز الرسول كل جرائم قريش الماضية، ومسح قلبه من آثارها كلها، فلم يشترط عليهم شرطاً للمستقبل، ولم يسدد منهم حتى ممتلكات المهاجرين، بل طلب من المهاجرين أن ينزلوا عن كل حقوقهم السابقة. فلما رأت قريش تلك السماحة وذلك الكرم الفياض، فتحت للرسول قلوبها، فكان هذا الفتح أجل وأعظم من أن تصل إليه سيوف المسلمين. فقد لانت أفئدة ما كانت لتلين، ورقت الأكباد الغليظة، والتفت حول الرسول على جبل الصفا حين جلس للبيعة، فكان يبايع أهل مكة على السمع والطاعة لله وللرسول فيما استطاعوا ولم يتخلف أحد من الرجال أو النساء. ولم يقف بر الرسول ورحمته وعفوه عند العفو العام، بل عفى أيضاً عن المجرمين الذين كان قد استثناهم في دخول مكة، وكان قد أمر بقتلهم وان تعلقوا بأستار الكعبة من أمثال عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وعبدالله بن أبي السرح، وعبدالله بن خطل، ووحشي بن حرب قاتل حمزة سيد الشهداء، وهند بنت عتبة زوج أبي سفيان التي لاكت كبد حمزة ومثلت بجثته.. وغيرهم. دخل الرسول عليه الصلاة والسلام الكعبة فرأى جدرانها صورت عليها الملائكة والأنبياء، وصورة لسيدنا ابراهيم وفي يده الأزلام يستقسم بها، وتماثيل أخرى. فكسّر كل ذلك، وطمس الصور. وكانت حول الكعبة أصنام تعبدها قريش من دون الله وقد شدت إلى جذرها بالرصاص، فجعل الرسول يشير إلى هذه الأصنام بقضيب في يده وهو يقول: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً). فكُبّت الأصنام على وجوهها وظهورها، وتم تطهير البيت الحرام منها إلى الأبد. ولما تم تطهير الكعبة من الأصنام، أمر النبي بلالاً أن يصعد فوقها ليؤذن بالأوقات الخمسة، ورسول الله يصلي بالناس إماماً بالبيت الحرام. ومنذ ذلك اليوم والصلاة فيها تقام على نفس الصورة التي صلى عليها سيدنا رسول الله آنذاك وحتى قيام الساعة، فلا زالت وستظل إلى أبد الأبدين تتجه قلوب المسلمين مستقبلين الييت الحرام خمس مرات كل يوم. تحريم مكة إلى الأبد وفي غداة يوم الفتح قتل رجل من خزاعة رجلاً من هزيل وكان مشركاً، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام، وقام في الناس خطيباً، وقال: «يا أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام من حرام من حرام إلى يوم القيامة، لا يحل لامريء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً أو يعضد فيها شجراً. لم تحلل لأحد قبلي ولا تحل لأحد يكون بعدي. ولم تحلل لي إلا هذه الساعة غضباً على أهلها، ثم رجعت كحرمتها بالأمس. فليبلغ الشاهد منكم الغائب. فمن قال لكم ان رسول الله قد قاتل فيها، فقولوا إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم يا معشر خزاعة. ارفعوا أيديكم عن القتل». وبهذا الخطاب وبتصرفه الكريم غزا رسول الله قلوب أهل مكة، فأقبلوا على الإسلام حباً في رسول الله، وجعلوا على أنفسهم مبشرين بهذا الدين، حُراساً عليه، وجعل أهل مكة ينادي بعضهم بعضاً بهذا النداء: «من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يترك في داره صنماً إلا حطمه»، فقام عُبّاد الأصنام بمعاولهم يحطمون معبوداتهم بأمر من الرسول الذي كان بالأمس عدوهم اللدود لنعيه عليهم عبادة الأصنام وتسفيه أحلامهم. رأى الأنصار من أهل المدينة ذلك كله، ورأوا الرسول يقوم على الصفا يدعو ربه لأهل مكة، فقال بعضهم لبعض: أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ وقد فكروا في ذلك واضعين في الاعتبار أن بمكة بيت الله الحرام، وفيها مسقط رأس الرسول ومدارج صباه. فلما فرغ الرسول من دعائه، سأل عليه الصلاة والسلام الأنصار وقد عرف ما يخيفهم، فقال: معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم. فاطمأنت قلوب الأنصار، وضرب الرسول بذلك مثالاً في البر بعهده في بيعة العقبة، وفي الوفاء لأنصاره الذين وقفوا ساعة الشدة إلى جانبه، براً ووفاءً، لا ينسيهما وطن ولا أهل، ولا تنسيهما مكة البلد الحرام. أقام الرسول بمكة خمسة عشر يوماً ينظم شئونها، ويفقه أهلها في الدين، وفي هذه الأثناء بعث السرايا للدعوة الى الإسلام وليس للقتال ولتحطيم الأصنام من غير سفك الدماء، فوجه خالد بن الوليد في ثلاثين فارساً لهدم صنم المعزى أكبر أصنام قريش، ثم أرسل عمرو بن العاص لهدم صنم سواع، وهو أكبر أصنام هزيل على بعد ثلاثة أميال من مكة، كما أرسل أيضاً سعد بن زيد الأشهلي لهدم صنم مناة وهو الخاص بقبيلة كلب وخزاعة، وقد عادت كل هذه السرايات مكللة بالنجاح. وخلال الأسبوعين اللذين أقام فيهما الرسول بمكة قضى على كل الآثار الوثنية فيها، ولم ينتقل إلى الاسلام من مناصب البيت الحرام إلا سدانة الكعبة التي أثرها النبي في (عثمان بن طلحة) وأبنائه من بعده حتى يرث الله الأرض ومن عليها، لا يأخذها منهم إلا ظالم، وسقاية الحاج من زمزم جعلها لعمه العباس. وهكذا آمنت أم القرى، ورفعت منار التوحيد ولوائه، وأضاءت العالم خلال الأجيال والقرون بنورها الوضاء. لواء ركن: حسام سويلم