إن أحد التحديات الأساسية في قضية تجديد الفكر الإسلامي تتعلق بالموقف من التراث الإسلامي، ينبع التحدي من وجود نوع من التخبط والتناقض في الموقف من التراث، وأسلوب التعامل معه، فثمة تباين في المواقف المثارة على الساحة اليوم من هذه القضية، وتتراوح هذه المواقف بين اعتبار التراث مقدس لا يمكن الاقتراب منه، وبين الدعوة إلى تجاوزه،و المطالبة بتنقيته، وعلى مستوى التعامل، تعدد الأساليب بدءا من إعادة نشر كتب التراث، وحتى دراسة مقاصده وغاياته واستخلاص دروسه، ومرورا بأعمال المفهرسة والتصنيف وتحقيق المخطوطات. لا شك أن تحديد خطة واضحة المعالم تجاه قضية التراث أمر لا مفر منه في عملية التجديد، ولكن قبل ذلك ينبغي الاتفاق على عدة أمور، لعل أهمها مفهوم التراث، والتنسيق بين الجهود التي تبذل في هذا المجال. يلاحظ أن التعميم كثيرا ما يكتنف الحديث عن التراث الإسلامي بحيث يشمل كل ما وصل إلينا من الماضي من فكر أو علم أو أحداث ومواقف أوحضارة ولكن قليلا ما تطرح مفاهيم علمية للتراث،و منها هذا التعريف: التراث الإسلامي هو: «المنهج البشري المنقول الشفوي والكتابي للامة الإسلامية قبل مائة عام من الزمان »ووفقا لهذا التعريف فان القرآن الكريم والسنة النبوية يخرجان عن وصف التراث لأنهما ليسا منتجا بشريا، ومن ناحية أخرى فان هذا التعريف يجعل التراث شاملا لكل إنتاج العلماء والمفكرين والمفتين سواء مما ورد إلينا شفوياً أو مكتوباً في مختلف المجالات: شرعية كانت أو أدبية أو علمية «هندسة، طب، فلك.. الخ»0 ولكن غياب إستراتيجية واضحة المعالم في التعامل مع التراث الإسلامي، جعلت الموقف منه يتراوح بين الجحود والنكران، ومحاولات الالتواء عليه، بدعوى الانفتاح على الفكر العالمي مرة وبعث وتحقيق الأعمال الأقل أهمية مع تجاهل الأعمال المهمة، مرة أخرى، وتكرار الجهود المبذولة في هذا الميدان مرة ثالثة. ورغم تعدد المراكز المعنية بالتراث الإسلامي سواء على المستوى القطري حيث يوجد عدة مراكز للتراث في عدد من الدول العربية والإسلامية، أو على المستوى الإسلامي مثل مركز البحوث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية باسطنبول التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي والذي تأسس عام 1980، إلا التنسيق بين هذه المراكز يكاد يكون غائبا، باستثناء بعض المراكز الإقليمية مثل مراكز التراث في الدول الخليجية حيث عقد مؤخرا ندوة بأبو ظبي لإنشاء الشبكة الإلكترونية العربية في مجال التاريخ والتراث وأوصت بالموافقة المبدئية على مشروع الشبكة للربط الإلكتروني بين مراكز التاريخ والتراث الخليجية والعربية والذي تم تسميته بـ «مشروع زايد للشبكة العربية الإلكترونية بمجال الوثائق والتاريخ». كما أن غالبية مراكز التراث والمخطوطات بالعالم العربي لم تحصل على الدعم المعنوي والمادي اللازم ولم تنل الاهتمام الكافي، في الوقت الذي نجد فيه أغلب المخطوطات العربية والإسلامية في الخارج والعجيب أن اهتمام الجهات الأجنبية بهذه المخطوطات يفوق في بعض الأحيان اهتمام كثير من أبناء العالم العربي والإسلامي بها. ويعاني التعامل مع التراث الإسلامي من مشكلة التعميم قبل الاستقراء، وقد كشف عن أبعاد هذه المشكلة الدكتور نصر عارف في دراسته الهامة «في مصادر التراث السياسي الإسلامي» التي بينت أن الغالبية العظمى من الباحثين الذين تناولوا قضايا تتعلق بالتراث الإسلامي السياسي قد اطلعوا على مصادر محدودة، وقد توصل الدكتور نصر بجهد فردي إلى 307 مصادر تراثية مباشرة في علم السياسة أي حوالي 76%من مصادر التراث السياسي الإسلامي، واكتشف أن ما تم التعرف عليه ودراسته من مصادر التراث الإسلامي عند جميع المؤلفين المعاصرين لم يتجاوز 15%من هذه المصادر! ومن أوجه التعامل المنقوص مع تراثنا، التركيز على التراث المكتوب وإغفال الجوانب الأخرى، فلا شك أن التراث الإسلامي لايتوقف عند اللغة والآداب وإنما يشمل فنونا أخرى كالعمارة والبناء والنقش، وعلى سبيل المثال يلاحظ قلة الاهتمام بالخشب المحفور وهو من الفنون العريقة في الحضارة الإسلامية، فقد تنوعت تقنيات حفر الخشب وعكست زخارفها الأساليب الفنية السائدة في كل مرحلة، وهذا مايظهره فن الحفر الخشبي في المساجد والقصور والمتاحف، ومن أمثلة المساجد التي تتجلى فيها روعة وأصالة هذا الفن: جامع سيدي عقبة في القيروان الذي يعتبر أقدم منبر خشبي معروف في العالم الإسلامي. كما أن مناهج وأساليب التعامل مع التراث شهدت تنوعا ملحوظا، وتباينا في المنطلقات، فالأساليب المتبعة في بعض الجامعات الإسلامية كجامعة الازهر تختلف عن أسلوب الدكتور حسن حنفي في «التراث والتجديد». أو أسلوب طيب تزيني في «من التراث الى الثورة». ورغم تعدد القراءات التي قام بها كتاب وباحثون عرب، فإنه لا توجد قراءة شاملة للتراث الإسلامي ومن هنا يدعو الباحث الإسلامي السيد محمد الأمين الى ضرورة إعادة النظر في العلاقة مع التراث، على نحو يمكننا من أن نحول التراث إلى قوة فاعلة في حياتنا وفكرنا، وأن نتخلص من نزعة التقديس الكامل لهذا التراث، لأنها نزعة ضارة، بل تُسئ لهذا التراث، يسجل هذا الموقف في كتاب «مناهج التجديد» مطالبا بضرورة التمييز في التعامل مع التراث بين ما هو إنجاز فكري بشري، وبين النص الإلهي، فإذا حدث ذلك سنجد أن التراث في جانب أساسي من جوانبه رؤية بشرية في عصر محدد وفي ظروف محددة للنص الإلهي . فإذا اعتبرنا أن الفلسفة الإسلامية أو علم الكلام الإسلامي في القرن الثالث الهجري هو حصيلة قراءة المفكرين المسلمين للعقيدة الإسلامية وللنص القرآني، مضافاً إليها معرفة المسلمين بالفكر اليوناني والهندي والروماني، وتفاعل هؤلاء المفكرين المسلمين مع هذا الفكر اليوناني والهندي والرماني وما جاء من الحضارات التي انفتح عليها المسلمون، يتبين أن الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام الإسلامي في ذلك العصر، هو محصلة هذا التفاعل الحيوي والغني بين مجمل هذه العناصر . فهذا التراث - في رأيه - تراث تاريخي يعبر عن مرحلة معينة من مراحل الفكر الإسلامي، إنه لا يحمل قداسة النصر الديني لأنه نسبي وتاريخي، النص الديني مطلق لا يتغير بينما هذا التراث هو قراءة بشرية، و هذه القراءة البشرية متغيرة ومتطورة باستمرار . بينما يدعو الدكتور علي جمعة إلى ضرورة الاعتماد على معيار في تقويم تراثنا والتعامل معه، ويرى أن هذا المعيار يرتكز على جناحين يمثلان مصدري المعرفة عند المسلمين على مر العصور وهما: الوحي (الكتاب والسنة )والوجود (الكون والإنسان والحياة )وهي ما يعبر عنهما بمصطلحات: العقل والنقل، أو النص والواقع0. فهذا المعيار نقيس به ما ورد من التراث البشري قبولاً أو رفضاً. وبناء على ذلك فإن التعامل السوي مع التراث هو الذي يبتعد عن القبول المطلق أو الرفض المطلق أو الانتقاء العشوائي، وهو أيضاً تعامل تكاملي في جوانبه الفكرية والنصية والمعرفية وفي مصادره المتنوعة. وتعامل إحيائي يبحث عن مناهج التراث للاستفادة منها وبيان كيفية الاستفادة منها في ظل مقتضيات عصرنا . وينبه إلى ضرورة ألا ينزع التراث عن زمانه وظرفه التاريخي ولا يقيسه بمقاييس عصرنا، على أن يهتم هذا التعامل بخدمة التراث تحقيقا ونشرا وتقريبا وفهرسة وتكثيفا، واستخدام تقنيات العصر إتاحته للناس بشكل مبسط وميسر. د. محمد يونس