يرى الجاحظ أن دور المعلم هو أن يمنع التلاميذ من الشراسة والأذى اي ان يهذب نفوسهم لا ان يثقف عقولهم فحسب كما ان عليه ان يعلمهم الصلاة في جماعة ويدرسهم القرآن ويدرب السنتهم برواية الشعر ويعاتبهم على التهاون ويضرب الهاربين، ويدربهم على الحوار ،والمناقشة لان هذا من أسباب المنافسة ويركز على أهم عنصر في نجاح العملية التربوية اعني علاقة المعلم بالتلميذ وتوفر عنصر الحب بينهما فبالحب يستطيع المعلم ان يستحوذ على قلب التلميذ ويشكله كيفما يشاء لهذا راح يوصى المعلم بضرورة توليد هذا الحب بالكلمة الحسنة وبذل المال فيقول درسه العلم ما كان فارغا من أشغال الرجال ومطالب ذوي الهم واحتل في ان تكون احب اليه من أمه ولا تستطيع ان يمحضك المقت ويصفى لك المودة مع كراهته لما تحمل اليه من ثقل التأديب عندما لم يبلغ حال العارف بفضله فاستخراج مكنون محبته ببر اللسان وبذل المال. ويوصى الجاحظ المعلم بالاقتصاد في الحب بين المعلم والتلميذ والحفاظ عليه في الوقت نفسه لان التلميذ كالابن في قيامه بمهام معلمه في اصلاح اصله وأمته ولهذا يستحق كل هذا الجهد والتدبير الدقيق ويتضح هذا في قوله: «ولهذا مقدار من جازه افرط والافراط سرف ومن قصر عنه فرط والمفرط مضياع ولا تستكثر هذا كله فان بعض النعمة فيه تأتي على أضعاف النعامة والذي تحاول من صلاح امر من تؤمل فيه ان يقوم في اهلك مقامك واصلاح ما خلفت كقيامك بالحيطة عليه وبإعطائه المجهود من نفسك. فيجب الحرص على علاقة المعلم بالتلميذ وعلى ابراز قيمة الحب ودوره في هذا الشأن كما انه حريص على استمرارية هذه العلاقة لان في استمرارها استمرار الحياة فلا حياة دون تعليم ودون تربية ولا تعليم او تربية بالقوة او الاكراه. وواجب التربية الرشيدة ان تغرس في نفوس الشباب معاني الحب في الله وموالاة اوليائه مع ما يرتبط بهذه المعاني من آداب لاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وسعيا الى النضج العاطفي والتوازن النفسي ومن ثم اوصى الجاحظ بعدم الافراط في هذا الحب او التفريط فيه. وفي افتقاد الطفل لعنصر الحب افتقاد لشرط من شروط النمو السوي والتعليم الفعال من اسرته ومعلمه ولعلنا جميعا ندرك أننا لا نتعلم الا ممن نحب ولا شك اننا نذكر انه حتى في خلال تحصيلنا الدراسي كيف كانت المحبة بين الطالب والمدرس مفتاحا للرغبة في تعلم مادة من المواد وكيف كان نفورنا من مدرس معين معرقلا للتعليم اليسير الممتع مما قد يؤدي احيانا الى كراهية المادة التي يدرسها وبالتالي قد تدفع الناشيء الى هجر العملية التعليمية كلية نتيجة لافتقاد عنصر الحب بينه وبين من يقومون على أمر تعليمه وتربيته من أجل هذا وضعت التربية الاسلامية ضوابط للحب والكره حتى لا تضطرب الموازين ولا تسوء العاقبة ولهذا فاذا اتجهت طاقة الكره الى الشر وممثليه وطاقة الحب الى الخير وممثليه توازنت الحياة العاطفية وهو هدف لا تبلغه التربية الا بجهد ووعي بالغين وقد اكدت الدراسات النفسية الحديثة ان للتعليم في حد ذاته دورا مهما في شعور الانسان بالحب والسعادة. وحديث الجاحظ عن أهمية الحب وانزال المعلم الطفل منزلة الابن موافق لما أجمعت عليه النظريات الرئيسية في علم النفس على أهمية مرحلة الطفولة في تكوين شخصية الفرد وفي تحديد اساليبه السلوكية التي يشبع من خلالها حاجاته ويواجه بها مختلف مواقفه الحياتية كما اجمعوا على أهمية الاسرة باعتبارها الوسط البيئي الذي يعيش فيه الفرد في هذه المرحلة الحساسة والحاسمة من مراحل نموه فالاسرة هي الجماعة الاولية التي يعيش وسطها الفرد وهي التي تكسبه بعضا من اتجاهاته الأساسية التي تعتبر محددات مهمة لسلوكه ومن ثم بدأ اهتمام علماء النفس والتربية وعلماء الاجتماع يتزايد بعملية التنشئة الاجتماعية وهي العملية التي يتحول من خلالها الوليد من مستوى الكائن البيولوجي الى مستوى المواطن او العضو في الجماعة. بقلم: د. أحمد عرفات القاضي