الجص من المواد التي استخدمها الانسان منذ القدم في تكسية الجدران وتزيينها بالزخارف نظرا لما تمتاز به هذه المادة من بياض ناصع يجتذب الأنظار ويخلب الألباب مع سهولة الحصول عليها من الطبيعة بأقل تكلفة. وخلال العصر الاسلامي،وبفضل الروح الزخرفية التي تميزت بها الفنون الاسلامية، بلغت زخارف الجص شأوا فنيا كبيرا يكاد ينافس مكانة الزخازف الرخامية في كسوة الجدران والأعمدة سواء في المساجد أوالقصور. وقد شهدت زخارف الجص قفزة كبيرة أثناء تشييد العاصمة العباسية الجديدة «سامراء» ذلك ان السرعة الكبيرة التي أراد بها الخليفة المعتصم بالله انجاز أعمال البناء والزخرفة فيها للتخلص من مخاطر المصادمات الدامية بين جنوده الأتراك وأهل بغداد، هذه السرعة أدت الى تفضيل تغشية الجدران بطبقة من الجص مع قيام المزخرفين بحفر الزخارف فيها بعد جفاف الجص. وفي البداية لجأ «الجصاصون» الى استخدام العناصر الزخرفية السائدة آنذاك وهي جميعا من عناصر هندسية متداخلة وزخارف نباتية تمثل أوراقا وثمارا وأنصاف المراوح النخيلية وعناقيد العنب، وكانت هذه العناصر ترسم أو بالأدق تحفر بمقاييس صغيرة مع تكرارها في تراصف وتوازن لتغطية أكبر مساحة ممكنة من الجدران والأسقف والدعامات. ومع اتساع نطاق العمل بالمدينة التي تميزت مبانيها الدينية والمدنية بالاتساع، اضطر المزخرفون الى زيادة أحجام العناصر الزخرفية من أجل أكبر مساحة ممكنة في أقصر وقت وبأقل جهد ومن ثم أخذت العناصر النباتية تبتعد بعض الشيء عن أصولها الطبيعية، كما ابتعد الفنان عن أسلوب الحفر العميق، مكتفيا بالحفر المائل أو المشطوف عند تنفيذ الزخارف. وأخيرا لجأ عمال البناء والزخرفة في «سامراء» الى استخدام قوالب خشبية حفرت بها الزخارف لتطبع على الكسوات الجصية قبل تمام جفافها، واستتبع الاعتماد على الزخرفية بالقالب اتصال العناصر الزخرفية النباتية الكبيرة الحجم ببعضها البعض مع استمرار الاعتماد على الحفر المائل أو المشطوف الذي ظهر أولا في الطراز الوسيط مع زخارف سامراء. ويعرف مؤرخو الفنون المراحل الثلاث السابقة باسم «طرز سامراء الثلاثة» ويعد آخرها الأب الروحي للشخصية المميزة لفن الزخرفة النباتية الاسلامية المعروفة بالتوريق أو «الأرابيسك». ويعزى الفضل في اكتشاف الفن الاسلامي لروحه الابتكارية التي تخلص بها من محاكاة الفنين الساساني والبيزنطي الى «الجصاصين» الذين عملوا في تشييد وتزيين مدينة سامراء. وما ان اتخذت أعمال الجص زخرفها وأزينت في سامراء حتى أقبلت حواضر الخلافة العباسية على تقليد واستلهام طراز الزخرفة السائد في العاصمة الجديدة ليس في الجص وحسب بل وعلى كافة المشغولات والتحف التطبيقية. ففي مصر ظهر أسلوب سامراء في زخارف الجص التي ازدانت بها واجهات وبواطن عقود الجامع الطولوني وأيضا زخارف دير السريان بوادي النطرون، وعرفت اساليب أو طرز سامراء طريقها أيضا الى ايران فنراها في الزخارف الجصية بجامع «نايين» والزخارف التي تم الكشف عنها في نيسابور. ولكن الفنون الاسلامية لم تكن لتقف عند طراز بعينه، فسرعان ما تمردت زخارف الجص على تقاليد سامراء وخاصة في مصر والأندلس وايران. فخلال حقبة الدولة السلجوقية بالعراق وايران أخذت الزخارف المؤلفة من رسوم الكائنات الحية تحتل مساحات متزايدة في أعمال نحت الجص.ويشهد بذلك قصر «قره سراي» بالموصل والذي يعود الى عصر الأتابك«بدر الدين لؤلؤ» وهو غني بزخارف الجصية التي تضم كثيرا من الرسوم الآدمية ورسوم الطيور والحيوانات ومن الجدير بالملاحظة ان رسوم الطيور في بعض تلك الزخارف تبدو جزءا من الرسوم النباتية نفسها ان نلاحظ بسهولة عناية الزخارف السلجوقية المنحوتة في الجص برسوم الفروع النباتية الغنية بالسيقان والاوراق، فضلا عن الكتابة الزخرفية الجميلة المنفذة بالخطين الكوفي والنسخي على أرضية من الرسوم النباتية حينا، وحينا آخر متصلة بهذه الرسوم النباتية بحيث تنتهي هامات الحروف وذيولها بتلك الرسوم. ومن أبدع الأمثلة التي نعرفها في نقش الزخارف على الجص في ايران الزخرفة الجصية في المسجد الجامع بقزوين «507-509ه» والكتابة الكوفية الجصية على أرضية من الرسوم النباتية في مسجد حيدرية بقزوين «القرن 6هـ 12م» وبخاصة في محرابه. وكانت الزخارف الجصية في القصور والبيوت السلجوقية شديدة البروز وتكثر فيها رسوم مناظر الطرب والصيد والشراب، وقد وصلت الى بعض المتاحف والمجموعات الفنية الخاصة أجزاء من هذه الزخارف تكاد تبدو كتماثيل مستقلة. ومن أمثلة ذلك ثلاث لوحات جصية تضم رسوما آدمية في مناظر مختلفة، والملاحظ ان الرسوم الآدمية في هذه اللوحات لا تمتاز بالاتقان والابداع من ناحية النحت ولكن لها رغم ذلك طابعا زخرفيا جميلا. وقد بلغ فن الزخرفة في الجص أوجه في هذا المحراب البديع الذي يعد بحق من أروع منحوتات الجص وأحفلها زخرفا في الفن الاسلامي ويوجد هذا المحراب في المسجد الجامع بأصفهان، وقد تم تشييده وزخرفته سنة 710 هـ «1310م» بأمر من أحد وزراء الخان المغولي «أولجاتيو» ، الذي خالف اعتقاد سلفه غازان محمود وقرر مغادرة المذهب السني واعلان المذهب الشيعي الامامي مذهبا رسميا للدولة المغولية الايلخانية في ايران بدءا من عام 706هـ «1306م». وتحتوي زخارف المحراب التي نفذت بدقة وبراعة كبيرتين توليفة شديدة التأنق من الكتابات النسخية والزخارف النباتية المورقة اضافة الى شريط واحد من الكتابة الكوفية التي تنتهي هاماتها بزخارف هندسية بديعة وفريدة في نوعها. ولهذا المحراب ازار زخرفي يحيط بعقدة الفارسي المدبب مؤلف من أرضية بها زخارف أنصاف مراوح نخيلية متصلة بفروع نباتية حلزونية وقد نفذت جميعها بالحفر البارز وفوق هذه الخلفية الزخرفية كتابة نسخية رشقية جاء فيها «بسم الله الرحمن الرحيم قال الصادق المصدق رسول الرحمن صلى الله عليه وآله من بني مسجدا كمفحص قطاه بني الله له بيتا في الجنة. وقال أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه سلام الله ورسوله وملائكته من اختلف الى المسجد أصاب احدى الثمان.. حباً مستفادا في الله وعلما مستطرفا وآية محكمة ورحمة ممطرة وكلمة..». أما كوشتا عقد المحراب، والمحصورتان بين العقد والاطار الكتابي المزخرف فقد زخرفا بعناصر نباتية قوامها أنصاف مراوح نخيلية على الطريق التي صارت تعرف في تركيا العثمانية فيما بعد باسم زخارف الرومي. ويرتكز عقد المحراب الكبير على عمودين من الجص المزخرف برسوم نباتية مماثلة تقريبا لتلك التي نراها في كوشتى العقد، ولهذا المحراب اطار من كتابات نسخية تحتوي من جهة اليمين حديث نبوي شريف رواه جابر بن عبد الله الأنصاري عن فضل الصلاة على الرسول وآله، أما الجانب الأيسر من اطار العقد فيه نص قرآني أوله «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم..» وبداخل المحراب أسطر من الكتابة النسخية المنفذة على أرضية من زخارف التوريق العربية قوامها فروع حلزونية تخرج منها أنصاف مراوح نخيلية.أ ما النص الكتابي فيشير الى «سلطان محمد» وهو الخان أولجاتيو وأن المحراب أنشأ في عهده مع ذكر القابه «حامي حوزة الاسلام والايمان غياث الدنيا والدين ظل الله في الأرض..» وفي نهاية النص اشارة الى تاريخ الانتهاء من زخرفة المحراب في «صفر سنة عشر وسبعمئة». وأسفل هذا النص تكرار مصغر لخطة زخرفة هذا المحراب فهناك ازار من الكتابات النسخية لها صبغة شيعية، ويضم الأزار محرابا صغيرا له عقد فارسي مدبب، زخرفت كوشتاه بزخارف التوريق بينما احتوى اطار العقد أسماء الأئمة الاثنى عشر. وفوق المحراب الصغير كتابة كوفية تنتهي هامات حروفها بزخارف هندسية متداخلة بحيث يتخلف عن ذلك أشكال نجمية متعددة ونص هذه الكتابة هو شهادة التوحيد «لا اله الا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم». ان هذا المحراب يستحق عن جدارة ان ينظر اليه بوصفه أحد أبرز القطع الفنية التي أنتجها الفن الاسلامي في مرحلة نضجة، حيث جاء بزخارفه وأسلوب تنفيذها تجسيدا للتلاحم بين الفن الجميل وعقيدة الاسلام، وقد خلا في ذات الوقت من كل تأثير للفنون السابقة على الاسلام. ولعل هذا المحراب الذي تم انجازه في عصر السيادة المغولية خير برهان على فعالية الاسلام وقدرة الحضارة الاسلامية على استيعاب أعتى الغزاه وأكثرهم وحشية وصبغهم بصبغة الاسلام وحضارته الانسانية، فهو من هذه الزاوية قطعة من التاريخ مثلما هو نموذج رائع لفن نبيل. د. أحمد السيد محمد