شغلت شبكات الانترنت انظار العالم، فغدت لغتهم وأحاديثهم وتسليتهم وأصبحت مجالا مفتوحاً لبث جميع الأفكار والآراء دون قيود، فتواصل القاصي بالداني، وبها تواصل التلميذ بالدكتور الجامعي ورجل الأعمال برجل الشارع العادي، فلم تعد القيود مفروضة بشكلها القديم على المعلومة وتدفقها، ولم تعد هناك أبواب يقف عندها بوابون يسألونك اتجاهك الى أين ومن تريد؟ المجال اصبح مفتوحا امام طائرة المعلومات.. وأضحى الأشخاص المتعاملون والمتواصلون مع تلك الشبكات المعلوماتية في تزايد.. فالانترنت اصبح نظاما عالميا قائما بذاته. ومن خلال هذه الشبكة العنكبوتية المفتوحة نأخذك يوميا عزيزي القاريء في قصص مثيرة وقعت في ازمنة متفرقة ولكن بفضل شبكة الانترنت استطعنا ان ندخل ونتداخل في أحداثها.. فهل تجرب معنا هذا الدخول المشروع في أوراق التاريخ؟ قال هانز آريد أن اتفاعل مع معطيات هذاالزمن قطعناه مئات السنين، فما رأيك لو تجولنا في الأسواق ونظرنا بأم أعيننا لما يجري. ـ قلت: رأي حسن يا هانز، خاصة ونحن نتواصل بواسطة الواقع الافتراضي حيث بامكاننا أن نتفاعل مع الاحداث ونتداخل معها دون أن يرانا أو يدري بنا الطرف الآخر. ـ تساءل هانز، في أي مدينة من الشرق نحن؟ ـ نحن في البصرة الآن.. ـ إذن علينا أن نبدأ مسيرتنا.. وبينما نحن نبدأ أولى خطواتنا في سوق البصرة، نرصد الأمكنة ونتفرس في الوجوه، ونناظر خطوات الناس ونصيخ السمع كي نلتقط حكاية من هنا، وقصة من هناك، وإذ برجلين يتهامسان، فقلت لهانز: علينا أن نلتقط الحكاية فلربما فيها ما يدلنا على ما نبحث عنه، وبشق الأنفس وصلنا الى ما كنا نتوقعه فقد سمعنا الرجل الأول يقص حكاية كان بطلها بينما الآخر يستمع له بكل روية وهدوء.. قال: كنت جابياً لأحد التجار فاقتضيت له نحو خمسمائة دينار عيناً وورقاً ولففتها في فوطة. ووقفت على الضفة في انتظار قارب ينقلني إلى الأخرى، ومازلت واقفا حتى رأيت ملاحاً مجتازاً بقاربه الفارغ الصغير، فسألته ان يحملني فوافق وسهل عليّ الاجرة، وقال: أنا عائد إلى منزلي فنزلت معه على ظهر القارب عائداً وجعلت الفوطة بين يدي، وسرنا إلى ان تجاوزنا ضاحية من ضواحي البصرة فإذا برجل ضرير على الشط يقرأ أحسن قراءة، فلما رآه الملاح كبّر، فصاح هو بالملاح: احملني فقد نزل الليل عليّ واخاف على نفسي فشتمه الملاح، فقلت له إشفاقاً: احمله، فدخل إلى الشط فحمله، فلما ركب ظهر القارب رجع إلى قراءته فخلب عقلي بطيبها. فلما قربنا من المكان المحدد لنزولي قطع القراءة، فنظرت إلى الفوطة فلم أجدها، واضطربت وصحت، فاستغاث الملاح وقال: الساعة يقلب القارب، وخاطبني خطاب من لا يعلم حالي، فقلت له: يا هذا كانت بين يدي فوطة فيها خمسمائة دينار، فلما سمع الملاح ذلك، بكى ولطم وتعرى من ثيابه، وقال: ادخل الشط ففتش، ولا موضع لي أخبئ فيها شيئاً فتتهمني بسرقته، ومثله فعل الضرير، فقمت بتفتيش القارب فلم أجد شيئاً، فرحمتهما وقلت في نفسي: هذه محنة لا أدري كيف التخلص منها وخرجنا فأخذ كل واحد منا طريقاً. وبتّ في منزلي ولم أمض إلى صاحبي وأنا بليلة عظيمة، فلما أصبحت عملت إلى الهرب. وبينما أنا امشي وأتعثر قلقاً على فراق أهلي وعيالي إذ اعترضني رجل فقال: يا هذا، ما بك؟ فقلت: أنا في شغل عنك، فاستحلفني فأخبرته، فقال: امض إلى السجن ببني نمير، واشتر معك خبزاً كثيراً وشواءً جيداً، وحلوى، سل السجان أن يوصلك الى رجل محبوس يقال له: أبوبكر النقاش، وقل له: أنا زائره، فإنك لا تمنع، وإن منعت، فهب للسجان شيئاً يسيراً، فإنه يدخلك إليه، فإذا رأيته فسلّم عليه ولا تخاطبه، حتى تجعل ما معك بين يديه، فإن أكل وغسل يديه، فانه يسألك عن حاجتك، فأخبره خبرك، فإنه سيدلك على من أخذ مالك، ويرتجعه لك. ففعلت يا أخي ذلك، ووصلت إلى الرجل فإذا هو شيخ مثقل بالحديد، فسلمت عليه وطرحت ما معي بين يديه، فدعا رفقاء كانوا معه، فأقبلوا يأكلون معه، فلما استوفى وغسل يديه قال: من أنت؟ وما جاء بك؟ فشرحت له قصتي. فقال: امض الساعة ولا تتأخر إلى بني هلال، فأقصد الدرب الفلاني حتى تنتهي إلى آخره، فإنك تشاهد باباً شعثاً، فافتحه وادخل بلا استئذان، فستجد دهليزاً طويلاً يؤدي إلى بابين، فادخل الأيمن منهما، فسيدخلك إلى دار فيها بيت فيه أوتاد، وعلى كل وتد إزار ومئزر،، فانزع ثيابك، وعلقها على الوتد، واتزر بالمئزر واتشح بالازار، واجلس فسيجيء قوم يفعلون كما فعلت، إلى أن يتكاملوا، ثم يؤتون بطعام فكل معهم، وتعمّد أن تفعل كما يفعلون في كل شيء، فإذا أتوا بالنبيذ فاشرب معهم اقداحاً يسيرة، ثم خذ قدحاً كبيراً فاملأه وقم وقل: هذا نخب لخالي ابي بكر النقاش، فسيضحكون، ويفرحون ويقولون: هو خالك؟ .. وغداً نكمل