لكلمة الزكاة في لغة العرب معنيان: معنى الطهارة والنظافة ومعنى النماء والزيادة وانما اختار الاسلام هذه الكلمة ليعبر بها عن الفريضة المالية المعلومة لأن هذه اللفظة تكشف عما يقصد اليه الاسلام من وراء هذه الفريضة. فالزكاة فيها معنى الطهارة ومعنى النماء كلاهما هي طهارة لنفس الغني من الشح البغيض تلك الآفة النفسية الخطرة التي قد تدفع من اتصف بها الى الدم فيسفكه او العرض فيبذله او الوطن فيبيعه ولن يفلح فرد او مجتمع سيطر الشح عليه وملك ناصيته: «ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون». وهي في الجانب الآخر طهارة لنفس الفقير من الحسد والضغن على ذلك الغني الكانز لمال الله عن عباد الله: «الذي جمع مالا وعدده يحسب ان ماله أخلده» ومن شأن الاحسان ان يستميل قلب الانسان كما ان من شأن الحرمان في جانب والتنعم في جانب ان يملآ قلوب المحرومين بالبغضاء والاضغان. وهي طهارة للمجتمع كله من عوامل الهدم والتفرقة والصراع والفتن والهوج ولعل هذا كله ما تهدي اليه الآية الكريمة: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها». ثم هي طهارة للمال فإن تعلق حق الغير بالمال يجعله ملوثا لا يطهر الا باخراجه منه وفي مثل هذا المعنى يقول بعض السلف: الحجر المغصوب في الدار رهن بخرابها» وكذلك الدرهم الذي استحقه الفقير في المال رهن بتلويثه كله ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «اذا اديت زكاة مالك فقد اذهبت عنك شره» وأكثر من ذلك ما روي انه قال: «حصنوا أموالكم بالزكاة» وما أحوج الاغنياء الى هذا التحصين وخاصة في عصرنا الذي عرف المباديء الهدامة والثورات الحمراء. ثم هي بعد معنى الطهارة نماء وزيادة نماء لشخصية الغني وكيانه المعنوي، فالانسان الذي يعمل الخير ويصنع المعروف ويبذل من ذات نفسه ويده لينهض بإخوانه في الدين والانسانينة وليقوم بحق الله عليه يشعر بامتداد في نفسه وانشراح واتساع في صدره ويحس بما يحس به من انتصر في معركة وهو فعلا قد انتصر على ضعفه وأثرته وشيطان شحه وهواه فهذا هو النمو النفسي والزكاة المعنوية. ولعل هذا ما نفهمه من عبارة الآية «تطهرهم وتزكيهم» فعطف التزكية على التطهير قد يفيد هذا المعنى الذي ذكرناه اذ كل كلمة في القرآن لها معناها ودلالاتها والزكاة ايضا نماء لشخصية الفقير حيث يحس انه ليس ضائعا في المجتمع ولا متروكا لضعفه وفقره ينخران فيه حتى يوديا به ويعجلا بهلاكه بل ان مجتمعه ليعمل على اقالة عثرته ويحمل عنه أثقاله ويمد له يد المعونة بكل ما يستطيع وبعد ذلك هو لا يتناول الزكاة من فرد يشعر بالاستعلاء عليه ويشعر هو بالهوان امامه بل يأخذ حقه من يد الدولة حرصا على كرامته ان تخدش ولو قدر للأفراد ان يكونوا هم المعطون بأنفسهم فالقرآن الكريم يحذرهم المن والأذى: «قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم». والزكاة بعد ذلك نماء للمال وبركة فيه وربما استغرب ذلك بعض الناس فالزكاة في الظاهر نقص من المال بإخراج بعضه فكيف يكون نماء وزيادة؟ ولكن العارفين يعلمون ان هذا النقص الظاهري وراءه زيادة حقيقية زيادة في مال المجموع وزيادة في مال الغني نفسه فإن هذا الجزء القليل الذي يدفعه يعود عليه أضعافه من حيث لا يدري ولعل هذا التفسير للنماء هو بعض ما تشير اليه آيات القرآن الكريم: «وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين» وقوله: «يمحق الله الربا ويربي الصدقات». والزكاة بعد ذلك وسيلة من وسائل الضمان الاجتماعي الذي جاء به الاسلام فإن الاسلام يأبى ان يوجد في مجتمعه من لا يجد القوت الذي يكفيه والثوب الذي يزينه ويواريه والمسكن الذين يؤويه فهذه ضروريات يجب ان تتوافر لكل من يعيش في ظل الاسلام والمسلم مطالب بأن يحقق هذه الضرورات وما فوقها من جهده وكسبه فإن لم يستطع فالمجتمع يكفله ويضمنه ولا يدعه فريسة الجوع والعرى والمسكنة. هكذا علم الاسلام المسلمين ان يكونوا كالجسد الواحد اذا اشتكى بعضه اشتكى كله. وبالله التوفيق