الاسلام دين يصلح لكل زمان ومكان اذ يحمل بين دفاته كل عناصر المعاصرة والمواكبة والرقي والتحضر.. وقد قدم المسلمون منذ ازمان بعيدة الكثير من الابتكارات والابداعات التي اسهمت في مسيرة البشرية.. وفي زمن العولمة والتطور التقني ودخول عصر التكنولوجيا كثر الحديث عن صراع الحضارات وطرح العديد من القضايا المتداخلة بين الشرق والغرب وبين الاسلام والاديان الاخرى.. وموقف الاسلام من قضايا عصره ومدى تفاعله معها. طوال الشهر الفضيل سنطرح يومياً قضية مهمة ونلتقي بأحد العلماء والمفكرين لمعرفة رأيه معززا بالادلة ومؤكدا بالبراهين. حلاوة الصوت هبة يخص الله بها بعض عباده وعندما تمتزج تلك الموهبة بحلاوة القرآن بلاغة وعذوبة فإن الصوت ينفذ إلى القلوب ويشيع في النفس خشية الله. والشيخ محمد جبريل هو نموذج لتلك الحالة الفريدة التي لا تملك إزاءها إلا أن تغمض عينيك وتنصت إليه وتقول (الله) ولعل هذا ما جعله من الأصوات المميزة في قراءة القرآن الكريم خلال شهر رمضان المبارك في مصر ولذلك يحرص عدد كبير من المصريين على الصلاة خلفه لختم القرآن الكريم في الأيام العشر الأخيرة من رمضان في ساحة جامع عمرو بن العاص أول مسجد عرفته مصر الإسلامية بعد الفتح والذي يوجد بمنطقة مصر القديمة حيث يزداد عدد مرتاديه في ذلك الوقت عن نصف مليون شخص ومن المنتظر أن يقوم الشيخ محمد جبريل بزيارة للإمارات خلال هذا الشهر الفضيل. ـ هل كان احساسك بجمال صوتك سبب إتجاهك لحفظ القرآن الكريم أم أن حفظك له كان لاقتناع شخصي بداخلك؟ ـ أنا بدأت أولا في حفظ القرآن الكريم في كتاب القرية كعادة أهل الريف حيث أنني من مواليد قرية طحوريا مركز شبين القناطر بمحافظة القليوبية وأنتمي لأسرة قرآنية فوالدي كان يحفظ القرآن كاملا ويتلوه بصوت حسن ولذلك حرص على تنشئتى نشأة دينية سليمة فأدخلني كتاب القرية قبل أن أبلغ الخامسة وقد أتممت حفظ القرآن الكريم وأنا في سن التاسعة ثم جاءت الموهبة بعد ذلك فتعمقت في دراسة أمور الدين حتى أجمع بين العلم والقرآن حتى انهيت دراستي في جامعة الأزهر بكلية الشريعة والقانون بتفوق وذلك ببركة القرآن العظيم وأحرزت المركز الأول على مستوى العالم الإسلامي أكثر من مرة في مسابقات القرآن الكريم فأنا أحب القرآن وحياتي كلها قرآن ومن أحب شيئا أكرمه الله فيه فما بالك إذا كان ما تحبه هو كلام الله فاللهم أرفعنا به يا رب العالمين وارزقنا العمل به. ـ ما هي السن المناسبة لتعليم الأطفال القرآن الكريم من وجهة نظرك؟ ـ نبدأ في تعليم الأطفال القرآن الكريم عند نطقهم الكلام وهذا نسميه التمهيد والتهيئة والاستعداد لتعليم القرآن وعادة يكون ذلك في سن ثلاث سنوات أو 4 سنوات كحد أقصى ولكن المهم هو الجو الأسري والمناخ الذي سينشأ فيه الطفل فإن كانت البيئة صالحة ومحبه للقرآن فسوف يحذو الطفل حذو أسرته وهكذا. ـ كيف يحافظ المسلم على ما حفظه من القرآن الكريم حتى لا ينساه؟ ـ يحافظ المسلم على ما حفظه من القرآن بالمداومة والمراجعة والإستمرارية وأن يكون برنامج يومي ودائما أقول ان القرآن لا يحب شريكا بمعنى ألا تشرك معه شئ أخر وأنت تراجعه إذ يجب أن يتم ذلك بتركيز مطلق مع اختيار وقت مناسب للمراجعة وليكن هذا الوقت بعد صلاة الفجر حيث يكون الذهن غير مشغول بأمور الدنيا حيث أن القرآن يغار من هجرته فمن ترك القرآن يوما تركه القرآن أسبوعا ومن تركه أسبوعا تركه القرآن شهرا وهكذا شهرا يكون عاما وعاما ولابد من حفظه من جديد لأنه يكون قد أفلت تماما من الشخص والأهم من الحفظ هو القراءة السليمة حتى يكون الحفظ والمراجعة على أساس سليم حيث يجب أن يكون لمن يريد أن يحفظ استاذ يعلمه كيف يتلو القرآن ويجوده من مخارج الحروف وكيف تنطق أحكام التلاوة الأخرى المعروفة بعلم التجويد ويجب أن يكون المعلوم صوته حسنا ولا بأس من أن يقلده المتلقي في بداية الأمر حتى يفتح الله عليه بصوت مستقل بنفسه. ـ هل أنت متفرغ تماما لقراءة القرآن الكريم أم لديك مهنة أخرى تمارسها بجانب ذلك؟ ـ أنا مهنتي الأساسية المحاماة وأمارسها في وقت تفرغي فأنا امام حر أصلي في جميع مساجد الله في مصر وخارجها ولكن ارتبط اسمي بجامع عمرو بن العاص بسبب مساحته الكبيرة التي تستوعب أكثر من نصف مليون شخص بالداخل والخارج فهو المسجد الوحيد في مصر الذي يسع هذا العدد الكبير ولأن هذا المسجد يعد قبلة المسلمين في مصر وأقصد بذلك أنه أقدم مسجد في أفريقيا كلها فهو أزهر قبل الأزهر فهو أقدم من الأزهر الشريف بمائتي عام على الأقل فيكفي أن الذي بناه الصحابي الجليل عمرو بن العاص بمشاركة أكثر من ثمانين صحابيا أو الرسول صلى الله عليه وسلم ولذلك فإن لهذا المسجد منزله خاصة في قلبي لأنني على يقين أن كل مكان فيه لمسه ومشى فيه صحابي جليل رأى الرسول صلى الله عليه وسلم ولذلك فأنا أصلي فيه العشر الأواخر من رمضان في كل عام. ـ هل تقوم بقراءة القرآن الكريم في المآتم والاحتفالات الدينية مثل بعض المقرئين وهل يوجد لك شرائط كاسيت لقراءاتك؟ ـ أنا أقرأ القرآن لأنني امام للمسلمين في الصلاة أما قراءة القرآن في السرادقات أمر فيه شبهه والرسول صلى الله عليه وسلم قال «اتقوا الشبهات» وهذا الكلام الزم به نفسي ولا الزم به غيري وكل يشتري الأخره وأسأل الله الهداية لنا وللجميع ولكن يوجد لي شرائط كاسيت كثيرة في الأسواق في الداخل والخارج كما أنني أقوم الآن بتسجيل القرآن الكريم كاملا للإذاعة. وذلك حتى يصل صوتي إلى كل أنحاء العالم وإلى الناس الذين لا يستطيعون الاستماع إلي مباشرة ويكون سبب هداية للمسلمين وغيرهم وهو كذلك بالفعل وحيث أسلم بفضل الله وذلك العديد في أمريكا وغيرها من البلاد الأوروبية فالقرآن يهدي القلوب الشاردة المغلقة فأنا عندما أقرأ القرآن أخاطب هؤلاء فأحس به وأعايشه وأتعايش معه ومن ثم فيؤثر فيمن يسمعه ويأتي بالخير ويسلم من يسلم ويهتدي من يهتدي وأكون في منتهى السعادة عندما أكون سببا من أسباب الله في هداية غير المسلم ليدخل في الإسلام أو في هداية مسلم يعود إلى دينه ويلتزم ونصب عيني حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن يهدي الله بك رجلا خير من الدنيا وما فيها أما قراءة القرآن في المأتم فلا تنفع المتوفي لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال إذا مات ابن أدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له أما ما يحدث فهذا الأمر من العادات وليس من العبادات ونحن مأمورون بالإتباع أي إتباع كتاب الله وسنة رسوله وليس بالإبتداع وتقليد الآخرين وقدوتنا في الرسول صلى الله عليه وسلم ويكفينا الرسول قدوة. ـ كيف أثر القرآن عليك كإنسان؟ ـ أثر القرآن على كثير في الدين والدنيا فأنا في عيشه كريمه بفضل القرآن الكريم ثانيا يكفيني حب الناس والقبول واعتبر ذلك هو رأس مالي الحقيقي فصدق الله العظيم إذ يقول «وألف بين قلوبهم لو انفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله الف بينهم» فاللهم ألف بين قلوبنا واجعل أعمالنا وعباداتنا خالصة لوجهه الكريم. ـ ما هي طقوسك في شهر رمضان المبارك؟ ـ ما يهمني في رمضان هو توفير الهدوء والسكينة فرمضان بالنسبة لي حالة طوارئ ونسأل الله أن يعيننا على طاعته وأنا أقضى جزءا كبيرا من رمضان خارج مصر في أي بلد إسلامي بدعوات من أهل الخير في تلك البلاد وذلك لأن الإسلام رساله عالمية وأحب أن يصل صوت القرآن في كل مكان لأ هدي به خلق الله فالقرآن خير وسيلة ودعوة إلى الله عز وجل ورمضان لا يختلف من مكان إلى أخر كثيرا فكل مكان أذهب إليه أجد استقبال طيب وتقدير لائق بأهل القرآن كما وجدت أن هذا الشهر الفضيل يجمع الناس حول القرآن وتجمعهم الفه ومحبه ومودة فأتمنى أن تستمر هذه المشاعر والسلوك الطيب إلى ما بعد رمضان. ـ في رأيك ما هي الوسائل المناسبة لتشجيع الناس على حفظ القرآن الكريم؟ ـ الوسيلة المناسبة لذلك هي عودة الكتاتيب إلى القرى والمساجد وتخصيص حصة بالمدارس لحفظ القرآن الكريم تضاف إلى المجموع لأن بلد مسلم بغير قرآن بلد بلا هوية بلا مستقبل مضمون ومتفكك تكثر فيه الفتن والمخالفات الشرعية وأنا بالمناسبة أقوم بإنشاء مركز إسلامي عالمي لعلوم القرآن الكريم سوف أفتتحه إن شاء الله بعد رمضان أقدمه للمسلمين وبالتالي أكون قد طبقت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) كما يجب على زملائنا القراء أن يعملوا على تعليم الناس قراءة القرآن قدر استطاعتهم وعلى الدولة أن تكفيهم وأن توفر لهم العيش الكريم فمن أكرم أهل القرآن فكأنما أكرم الله لأنهم أهل الله وخاصته كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نحتاج إلى إعادة ترتيب حتى ينصلح أحوالنا وتعود إلينا أمجادنا السابقة وهذا أمر في منتهى البساطة وأختم كلامي في هذا الموضوع بكلام رب العزة في الحديث القدسي الذي يقول فيه (يا دنيا من خدمنا فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه) والفرق بين الأمرين شاسع فالدنيا كلها سوف تأتيك مادمت ملتزم بشرع الله وإذا ركزت في الدنيا دون الدين فلن تأخذ شيئا. ـ ما هي المصادر التي تستقي منها الأدعية التي ترددها أثناء امامتك للمصلين؟ ـ مصدري الأول في ذلك هو كتاب الله وسنة رسوله والوارد مما قاله الصحابة كما أن هناك أخوة كرام يساعدونني ويرسلون لي بعض الأدعية اختار منها ما يناسبني وأحاول بعد ذلك أن أعيش أحوال المسلمين المعاصرة وابتلاءاتهم فأنا أعتبر الدعاء مثل الخطبة لابد أن يلمس الواقع من غير أن يحرج أحدا وطبعا كلما كان الدعاء نابعا من القلب ويمس أحزان المسلمين وما يحدث لهم في كل مكان كلما كان ذلك واقعيا ويؤثر في النفس كما أنه من المعروف أننا مأموريون بالدعاء على الكفار حيث أن ذلك يعد عبادة والأدلة في كتاب الله وسنة رسوله كثيرة على ذلك وما يهمني في الدعاء هي عدم تكراره حتى لا يمل الناس ولكن هناك بعض الأدعية التي تؤثر في الناس قد أكررها ولكن بأسلوب مختلف في كل مرة وأهم شئ أن يرزقنا الله الاخلاص والقبول فاللهم تقبل منا وأرزقنا القبول والصدق والاخلاص واليقين إنك سميع مجيب. ـ في رأيك كيف يواجه المسلمون الحملة الشرسة التي يتعرض لها الإسلام في مختلف أنحاء العالم بعد الحادث الذي تعرضت له أمريكا مؤخرا؟ ـ يواجه المسلمون ذلك بالعودة إلى الدين وما يؤكد ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه «تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي» عند ذلك ستجد تآلف المسلمين وتكاتفهم ونصرة المسلمين بعضهم لبعض وستجدهم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا عكس ما تراه الآن فمبدأ المسلمين الآن أنه مادام الأمر ليس في بلدي فلا شأن لي به مع أنه يعلم علم اليقين أن الدور عليه غدا لأن هذه هي سياسه أعداء الإسلام دائما يأخذوننا بالدور.. لذلك لابد أن نرجع إلى دين الله ونتكاتف ونتآلف ونقف صفا واحدا ضد أعداء الإسلام والمسلمين عندئذ لن تجد عدو لك لان الحق يحتاج إلى قوة تحميه كذلك يجب على المسلمين العمل على إظهار حقيقة الإسلام السمحه المحبة للسلام والخير حيث أن خير دعوه للإسلام هي سلوك المسلمين في كل مكان فالإسلام دين متكامل للدين والدنيا والآخرة واللهم ما أحمينا وعليك بكل من يؤذي الإسلام والمسلمين فأنت القوى العزيز. ـ ما هي أمنياتك؟ ـ أتمنى كما أكرمني المولى عز وجل بإمامة المسلمين في مسجده العتيق عمرو بن العاص وإمامة المسلمين في شتى بقاع الأرض أن يرزقني الله الإمامة في المساجد الثلاثة المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى بعد تحريره على أيدي الموحدين ان شاء الله ان كان في هذا الأمر خير لي في ديني ودنيتي وآأخرتي. ـ ما رأيك في مسألة تلحين القرآن الكريم؟ ـ أرى أن القرآن له نغمه الخاص وموسيقاه الخاصة وليس معقولا أن يأتي أحد ويلحن على سبيل المثال الفاتحة فهذا أمر نهى عنه الشرع وحذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال (إياكم ولحون أهل الفسق والكبائر مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم) وعلى أي حال فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر مبدأ الصوت الحسن فقال (أحسن الناس أصواتا إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله) وخشية المولى عز وجل لن تأتي بالتلحين وإنما تأتي بفهم كتاب الله فهما صحيحا وما المقصود بكل آية وهكذا ولكن دائما أرى أن الموهبة تحتاج إلى علم يثقلها حيث أن الموهوب العالم أفضل من الموهوب الجاهل فمن أعطاه الله صوتا جميلا فلابد أن ينميه بالعلم والدراسة والخشية من الله وفهم كتابه عندئذ سيكون صوته وأداؤه طيبا ان شاء الله. القاهرة ـ مكتب «البيان »