حين صدرت هذه الرواية في لندن عام 1878 وصفها مؤلفها توماس هاردي بأنها رواية عن «البشر والبيئة» وان كان النقاد يصنفونها في فئة الروايات الريفية او الرعوية «باستورال». تستغرق احداث هذه الرواية عاما كاملا ويوما هو عام 1842 ـ 1843 وان كانت تسبق الاحداث مقدمة مسهبة تستغرق بدورها سنة ونصف السنة. على صعيد المكان تقع الاحداث في منطقة وسكس بانجلترا وهي على مرمى حجر ـ كما يقولون ـ من مقاطعة دور ستشاير مسقط رأس توماس هاردي نفسه وهي ايضا موضع تأثره وموئل نشأته وتكوين شخصيته. على ان الوقائع تحدث تحديدا في «اجدون هيث» التي يمكن وصفها بأنها منطقة براري اقرب الى التوحش وادعى الى العزلة والاكتئاب وهو ما ينعكس على شخوص هذا العمل الفني سواء على شكل موقف استسلامي اقرب الى الاحباط او موقف رافض اقرب الى التمرد او الثورة على الاوضاع والتقاليد وفي كل حال فقد كانت هذه البرية الموحشة جديرة بأن تعكس ظلاها القاتمة على المأساة التي التفت من حولها خيوط الاحداث لدرجة نلاحظ معها ان المؤلف يجعل من المكان بوحشته وقتامته شخصية لها كيانها واعتبارها المتميز بين شخصيات الرواية. ومن ثم فإن الاحداث على اسهابها وحجم الرواية الكبير عمد المؤلف الى تقسيمها الى 6 فصول ضخمة او ستة كتب كما يسميها ـ كل هذا لا يخرج عن حدود برية «اجدون هيث» الموحشة مما يضفي على الوقائع الدرامية بل على سلوك وعواطف الشخصيات شحنات جديدة تصنع وحدة العمل الفني وتضيف اليه مزيدا من التركيز خاصة وان المؤلف يكاد يتبع اسلوب الدراما المسرحية ـ تقاليد الاعمال التراجيدية بالذات من حيث البدء بعرض الموضوع والتصاعد بالحدث الى حيث الذروة «كليماكس» ومن ثم الوصول الى السفح والنهاية التي تفضي اليها كل الخيوط وهي نهاية تراجيدية بطبيعة الاحوال المبدع عاش توماس هاردي حياة طويلة بين عامي 1840 وهو عصر الروائي ديكنز و1928 عصر ما بعد الحرب العالمية الاولى بمعنى انه عاش بل تجاوز العصر الفيكتوري كله في انجلترا ولان والده كان يعاني في حرفة البناء فقد تعلم توماس هاردي ليكون مهندسا معماريا، وقد اصدر عنه روايات مازالت من معالم ادب الرواية الانجليزية في القرن التاسع عشر وكان اشهرها «عمدة كاستر بردج» و«نفس ابنة درابريفيل» وآخرها «جود الغامض». التي اصدرها عام 1895 ولقيت هجوما من نقاد الادب فكان ان كف هاردي عن القص الروائي وتفرغ الى آخر العمر لكتابة الشعر ويشير تحليل سيرته الادبية الى انه ينتمي الى الجيل الذي تأثر بمقولات تشارلس دارون عن «اصل الانواع» بعد ان نشر دارون كتابه الشهير في هذا الموضوع عام 1858 وكأنما اصيب هاردي بصدمة ازاء مقولات دارون عن هوان الفطرة البشرية حسب نظرية التطور وانعكس هذا كله على النزعة التشاؤمية التي سادت اعمال هاردي الذي كان لا يفتأ ينفي عن نفسه تهمة التشاؤم ويفضل ان يطلق على حياته واعماله وصف «الواقعية». أصل الحكاية في غبشة المساء التي خيمت على تلك القرية القاحلة الموحشة من قرى جنوبي انجلترا تقف عربة يجرها جواد مجهد عجوز تحمل امرأة شابة هي توماسين يوبرايت التي جاءت ليتم زفافها على احد رجال القرية ـ دامون ويلديف لكنهم يلغون حفل الزفاف بعد ان تأخر تصريح الزواج الاداري ورغم ان العريس يجدد وعوده باتمام الزفاف نراه ينسل في هدأة الليل كي يلقى «اوستاشيا فاي» الشابة اللعوب الغامضة التي تغريه بأن يخطبها وتشاغله لبعض الوقت عن عروسه الساذجة الطيبة وتضع معه الخطط كي تهرب معه الى لندن ثم لا تلبث اوستاشيا ان تصرف عنه النظر وتتحول عن حبها لها الى حيث تفكر في قادم جديد يترقب الجميع وصوله الى القرية النائية وهو الشاب كلايم. لماذا هذا التحول؟ لان اوستاشيا امرأة مدمرة الطموح تعرف انها جميلة مغرية، ومن ثم لا تكاد القرية الساكنة الموحشة تسع طموحها ولا تحقق ما يجيش بصدرها من اطماع وآمال، تحلم بالمدينة.. الاضواء.. المتعة.. اللهو،.. العشاق.. المعيشة اللذيذة الصخب الذي تسميه في قاموسها.. الحياة وسمعة كلايم القادم الى القرية ملكت عليها كيانها وحواسها لانه قادم من مدينة حقق فيها نجاحا في التجارة وفي نيل اعجاب النساء على السواء.. مدينة اسمها باريس لاعجب ان ترتب اوستاشيا كي ترى كلايم عن قرب بعد الوصول من حيث لايراها وبعدها يخلب لبها وتقع في غرامه وتلقي عليه شباكها الى ان يسقط بدوره في حبائلها ويتزوجان.. وبعدها تبدأ المأساة. الزوج كلايم عائد من باريس بعد ان زهد في اضواء المدينة وقرر ان يؤوب الى بلده ومسقط رأسه حيث الريف والدعة وراحة البال والزوجة «اوستاشيا » لم تنجذب اليه إلا لانه مرتبط في وجدانها بالمدينة وانه كان اشبه بجسر تعبر عليه الى لندن لا ان يرتد بها الى القرية التي لم تعد تطيق الحياة فيها.. وتزيد المأساة عمقا حين يعكف كلاين على الدراسة لكي يكسب عيشه معلما في مدرسة القرية ولكن يصاب في عينيه من فرط الاجهاد بفعل ضغوط الزوجة فيضطر الى التخلي عن حلم التدريس والى كسب لقمة عيشه عاملا بسيطا يزرع ويقلع ويحرث في البراري والحقول فما اشد خجل الزوجة وما اعمق خيبة املها! فما بالك حين تطلب منه النزوح الى العاصمة فاذا به يرفض مفضلا العيش بين جنبات الوطن الصغير الذي احبه وعاد الى احضانه ولافكاك من المأساة.. ها هي تعود بدورها الى احضان محبوبها القديم ويلديف وكان قد اصبح زوجا لتوماسين وهاهما يخططان لحكاية الهروب الى لندن.. واذ يكتشف «كلايم» خيوط هذه العلاقة المحرمة يواجه زوجته ويقرران الانفصال.. وفي نوبات من الندم تبدأ اوستاشيا في التفكير بالانتحار وقد كادت تعتزل الحياة في بيت جدتها القديم ورغم خيانات ويلديف إلا ان زوجته الطيبة توماسين تحرص على اقناع كلايم بأن يعفو عن زوجته اوستاشيا كي تعود الحياة بينهما من جديد.. ومن ثم يكتب لها خطابا بالصفح والصلح وتتجلى المأساة في انها تخرج تحت ستار الظلام قبل ان تقرأ رسالة الصفح اذ قررت في تلك الليلة العاصفة الممطرة ان تقابل ويلديف كي يهرب بها الى مكان بعيد بعيد.. واذ يعرف الزوج كلايم بأمر هذا اللقاء يذهب الى المكان الموعود ليجد غريمه ويلديف وهو ينتظر ان توافيه اوستاشيا واذ يحتدم النقاش والعراك بينهما يسمعان صوت ارتطام جسم ثقيل بمياه النهر ويخشيان ان تكون الضحية هي اوستاشيا ومن ثم يقتحم كل منهما بجسده لجج الماء حيث يغرق العشيق وينجو الزوج الطيب وطبعا يكون الجسد المرتطم هو اوستاشيا التي غرقت بدورها. هنالك تصل بنا الاحداث الى الكتاب السادس الختامي من الرواية حيث تتزوج توماسين مرة اخرى من رجل يبادلها الاخلاص ويكفل لها السعادة.. واذ يجد ابن البلد العائد ـ كلايم ـ نفسه وحيدا.. وشقيا بعد تجربته المريرة نلقاه في ختام الرواية وقد تحول الى واعظ متطوع يلزم زوايا الطرقات ويستوقف المارة لعل احداً منهم يقف لحظات كي يستمع الى ما يدلي به من عبر دروس. الافكار.. الرموز.. الدلالات اشتهر الروائي توماس هاردي بأنه مؤمن بدور القدر في حياة البشر وهو يرى في القدر كلم الطبيعة التي تتعامل مع الناس بمنطق بارد وربما تعاملهم على قدر ما يشوب شخصياتهم وسلوكياتهم من ضعف او انحراف مما يؤدي الى سقوطهم. وبمناسبة الطبيعة فهي بدورها تعكس في احوالها رؤية توماس هاردي لاحداث روايته هي طبيعة قاسية.. قاحلة.. مجدبة كئيبة وقاسية.. في دوامتها يلقى البشر من شخصيات الرواية حتفهم، ورغم ان بطل الرواية ـ كلايم ـ لا يفتأ يعلن عن حبه لطبيعة وطنه الاصلي الذي اختار ان يعود اليه ـ إلا ان انواء هذه الطبيعة ذاتها هي التي عاونت على صنع خيوط المأساة، والدته ماتت من ضربة شمس ولدغة ثعبان وزوجته اوستاشيا غرقت وسط لجة النهر في ليلة زمجرت فيها العواصف العاتية. هناك ايضا رؤية المؤلف وكأنه كان يقرأ اسفار الغيب في اواخر القرن التاسع عشر انه يتنبأ بأن حياة الريف سوف تغلب عليها سطوة المدينة. وان الارياف التي طالما احبها البشر والتمسوا بين احضانها صنوف الامن والسكينة والسلام. كل هذا يتحول الى اضمحلال فاندثار وزوال امام طغيان المدينة ومباهجها وحيويتها ومن عجب ان هذه المدينة ـ لندن في الرواية ـ هي التي ظلت تجذب اهتمام بطلتها اوستاشيا وهي التي ظلت تملك عليها فكرها ووجدانها حتى لتضحي بكل شيء في سبيل ان ترحل اليها دون ان تحقق من وراء هذه التضحية غرضا ولا مطمعا ولا مأربا.. بل كانت نهايتها في قاع نهر بغير اسم يشق القرية التي طالما كرهتها. ولان الريف بكل تقاليده العريقة الطيبة كان ليتحول منهزما كما قد نقول امام سطوة الحضر فقد تجسد هذا الحقل في ازمة التواصل بين شخصيات الرواية زوج يعيش مع زوجته ويهوى امرأة اخرى ثم زوجة تعيش مع زوجها في كوخ بالقرية وكل كيانها مشدودا الى مكان ما في المدينة العاصمة. لان توماس هاردي كان شاعرا بقدر ما كان روائيا فقد جمعت لغته بين السرد القصصي والشجن الشعري.. ثمة ايقاع حزين يسود احداث الرواية بل ثمة حوارات تدور في خلفية الاحداث بين الفلاحين والريفيين البسطاء وكأنهم يؤدون دور الكورس ـ الجوقة ـ في التراجيديا اليونانية التي تعلن على احداث المأساة فتزيدها عمقا وتضفي عليها مزيدا من الشجن المشحون ولقد كان توماس هاردي واعيا بهذا الجانب ومن ثم فأنت تقرأ بين السطور اشارات واحالات غزيرة الى تراث الميثولوجيا عند قدماء الاغريق. في ذاكرة البشرية في طبعة عام 1912 من الرواية صرح توماس هاردي بأنه اراد لاحدى بطلاتها توماسين ان تمضي بقية حياتها أرملة بعد غرق زوجها.. لكن الناشر والقراء ارادوا نهاية سعيدة لتلك المرأة الطيبة وهكذا انتهت الرواية بزواج موفق لها. ذكر المؤلف هذه الاشارة في حاشية الطبعة وقال ان القاريء حر في اختيار واحدة من النهايتين وان كان هو شخصيا يفضلها ارملة في النهاية. وغدا نواصل