وهكذا نَقَلَنَا الجهاز إلى حكاية ذكرها القاضي أبو علي المحسن التنوخي في كتابه الفرج بعد الشدة فعشنا هانز وأنا تفاصيلها: فقد رأينا ونحن واقفين دون أن يحس بنا أحد عبدالله بن عمر الحارث الواسطي يدخل على القاضي أبو علي في مجلسه العامر بالناس، فيسأله القاضي عن اخباره وحكاياته، فيقص عليه الحكاية والناس الحاضرة تسمع. قال: كنت مسافراً في بعض الجبال، فخرج علينا ابن سيار فقطع علينا، وكان بزي الأمراء لا بزي القطاع واللصوص، فقربت منه لأنظر إليه واسمع كلامه، فوجدته يدل على فهم وأدب فداخلته، فإذا برجل فاضل يروي الشعر، ويفهم النحو، فطمعت فيه، ونظمت في الحال أبياتاً أمدحه بها. فقال: لست أعلم إن كان هذا من شعرك، ولكن انظم لي على قافية هذا البيت ووزنه شعراً الساعة، لأعلم انك قلته وانشد لي بيتاً. قمت فنظمت في الحال ثلاثة أبيات. فقال لي: أي شيء أُخِذ مِنك لأرده إليك؟ فذكرت له ما أخذ مني، وأضفت له قماش رفيقين كانا لي. فرد لي جميع ذلك، ثم أخذ من أكياس التجار التي نهبها كيساً فيه ألف درهم فوهبه لي. فجزيته خيراً ورددته عليه شاكراً. فقال: لم لا تأخذه، فورّيت عن ذلك. فأردف: أحب ان تصدقني. قلت: وأنا آمن؟ قال: أنت آمن قلت: لانك لا تملكه، وهو من أموال الناس التي أخذتها منهم الساعة ظلماً، فكيف يحل لي أن آخذه؟ فقال بعد أن نظر إليّ مليّاً: أما قرأت ما ذكره الجاحظ في كتاب اللصوص، عن بعضهم.. قال: ان هؤلاء التجار خانوا أماناتهم، ومنعوا زكاة أموالهم، فصارت أموالهم مستهلكة بها، واللصوص فقراء إليها، فإذا أخذوا أموالهم ـ وان كرهوا أخذها ـ كان ذلك مباحاً لهم، لأن عين المال مستهلكة بالزكاة، وهؤلاء يستحقون أخذ الزكاة بالفقر، شاء أرباب الأموال أم كرهوا. قلت: بلى، قد ذكر الجاحظ هذا، ولكن من أين يُعْلَم أن هؤّلاء ممن استهلكت أموالهم الزكاة؟ فقال: لا عليك، أنا أحضر هؤلاء التجار الساعة، وأُريك الدليل الصحيح أن اموالهم لنا حلال. ثم قال لأصحابه: هاتوا التجار، فجاءوا فقال لأحدهم: منذ كم أنت تتجر في هذا المال الذي قطعنا عليه؟ فقال: من كذا وكذا سنة. قال: فكيف كنت تخرج زكاته؟ وتكلم بكلام من لا يعرف الزكاة على حقيقتها فضلاً عن أن يخرجها. ثم دعا آخر فقال له: إذا كان معك ثلاثمائة درهم وعشرة دنانير، وحالت عليك السنة، فكم تخرج منها للزكاة؟ فما أحسن أن يجيب. ثم قال لآخر: إذا كان معك متاع للتجارة، ولك دين على نفسين، أحدهما مليء، والآخر معسر، ومعك دراهم، وقد حال الحول على الجميع، كيف تخرج زكاة مالك؟ فما فهم السؤال فضلا عن أن يتعاطى الجواب. فصرفهم، ثم قال لي: بأن لك صدق حكاية ابي عثمان الجاحظ؟ وان هؤلاء التجار مازكوا قط؟ خذ الآن الكيس فأنت أولى به. فأخذته، وساق القافلة لينصرف بها، فقلت له: إن رأيت أيها الأمير ان تنفذ معنا من يبلغنا المأمن، كان لك الفضل، ففعل ذلك. ـ قلت لهانز: هامساً أسمعت الحكاية، انها مثيرة حقاً.. الا يذكرك ذلك بقصص وحكايات اللص الشريف التي تعج بها كتبكم وحكاياتكم الاوروبية. ـ كأنه يتحدث عنه، ويصف مواقفه الرجولية. ـ سألته مازحاً: هل اكتفيت، أم أنقلك إلى ورقة أخرى وحكاية جديدة؟ ـ بل أريد أن أتفاعل مع معطيات هذا الزمن الذي قطعنا مئات السنين للوصول إلى معرفة تفاصيل أبطاله من الصعاليك والشطار واللصوص الظرفاء.. ما رأيك لو تجولنا في الأسواق ونظرنا بأم اعيننا لما يجري واستمعنا لما يحدث هنا من حكايات. .. وغداً نكمل