من مبادئ الإسلام الأساسية مبدأ «الدين المعاملة» ولكن هذا المبدأ لا نطبقه في حياتنا على الرغم من اننا نؤدي كافة العبادات من صلاة وصيام وحج وزكاة بينما نخالف أمر الله في سلوكياتنا ومعاملاتنا والسؤال الذي يطرح نفسه ازاء هذا الانفصام الخطير في شخصية المسلم الآن هو: كيف نحقق مبدأ «الدين المعاملة» في حياتنا. إن الإسلام يتميز بالتكامل والشمول فهو ليس سلوكا روحانيا فقط وليس ممارسات عملية فحسب وليس مجرد نظريات فلسفية وإنما هو دين الله الذي نزل به الوحي على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليمكن الإنسان باعتباره خليفة الله في أرضه من حمل أمانة وعمران الدنيا بالدين ونيل السعادة الأخروية بهذا العمران ولهذا الشمول الإسلامي تكاملت في الدين العقيدة والشريعة والقيم والأخلاق والحضارة. والقرآن الكريم يربط بين العمل والإيمان دائما فالعمل هو المعبر عما في القلب كما ان الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وتتدرج سلوكيات المسلم حتى تشمل اماطة الأذى عن الطريق بل ان العبادات قد شرعها الله ـ وهو الغني عنها ـ لتهذيب وتزكية النفس الإنسانية في العمل والسلوك أو تقويم السلوك البشري الحياة الدنيا. ان الصلاة التي تمثل حضورا انسانيا بين العبد وخالقه خمس مرات في اليوم ليست مقصودة في ذاتها ولذاتها بقدر ما هي سبيل لكي تبتعد بالمصلي عن الفحشاء والمنكر والبغي كما تستهدف تحقيق التعارف وزيادة الترابط بين ابناء الامة وفي ذلك مدخل لحل المشكلات وتقدم الروح المعنوية والتدريب على النظام. بل ان الصوم الذي هو سر بين العبد وربه يستهدف في مقاصد وغايات عملية وتربوية في الحياة الانسانية فالصوم هو المدرسة الاولى لتربية الارادة الانسانية ولتعلم مراقبة الله تعالى والتعاطف مع الفقراء وكلها مقاصد تؤدي الى تهذيب المعاملات وطبعها بالروح الانسانية ويعد الحج اكبر مؤتمر تتساوى فيه الاجناس والشعوب الغني منهم والفقير وتتطهر الارواح وتغتسل الابدان من الذنوب لتعود متجددة تمارس شعائر الدين بروح جديدة وهكذا يتضح ان العبادات لا تنفصل عن سلوك الناس اليومي حيث يقول تعالى: «فلذلك فادع واستقم كما أمرت» فالاستقامة تجسد الدعوة كما يقترن الايمان بما انزل الله تعالى بالعدل حيث يقول سبحانه: «ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم» فلا قيمة لإيمان لم يعبر عنه العمل ولا قيمة لفكر لم يفصح عنه السلوك ولا قيمة لنظريات لم تتجسد في المعاملات. ان القرآن الكريم الذي تشرف شهر رمضان بنزوله فيه استطاع ان يمزق حجب الغيب كلها فرق حجاب الماضي وحجاب الحاضر وحجاب المستقبل ومزق حجاب البشرية ومزق حجاب كل الاشياء التي لم يصل اليها علم الى الآن وما زال القرآن يتحدث ولا أحد يستطيع ان يواجه هذا التحدي وكل هذا ادعى للانسان ان يستقيم في سلوكه وان يتخلق بخلق القرآن كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان قرآنا يمشي على الارض وكان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن. ان الاسلام لا يقر البكاء على الاطلال ولا يرضى بتوقف عجلة الحياة عند ظهور اي عائق من العوائق وأرشدنا الى مبدأ نفسي ايماني يجعلنا نتغلب على هذه الأحداث المفاجئة التي تأتي على خلاف ما توقعناه وقدمنا. هذا المبدأ الايماني نراه في قول النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبا المؤمن القوي: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان». ان جوهر الدين والعبادات هو تعليم الاخلاق الفاضلة واشاعة الرحمة بين الناس اما الانسان الذي يؤدي الصلوات ويصوم وفي الوقت نفسه يسرق ويكذب ويغش فإنه لم يصل ولم يصم ومن يطف بالكعبة ويقف على عرفات ثم يعود ليفنن في ايذاء الناس وأكل أموالهم بالباطل فلم يحج. ان تطبيق مبدأ الدين المعاملة في حياتنا امر ضروري حتى تستقيم حياتنا ونفوز بالدارين الدنيا والآخرة. أحمد عبدالتواب أحمد