تعد نظرة الإسلام للمرأة وحقوقها من العناوين الرئيسية في مسيرة الفكر الإسلامي منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم، ورغم المحاولات التجديدية التي طرحت بشأنها، فإن هذه القضية لاتزال محل جدل، ومن ناحية أخرى تمثل مدخلاً أساسياً للهجوم على الإسلام من خارج العالم الإسلامي، ومن جانب بعض المسلمين بخاصة المنتمين إلى التيار التغريبي. وبعيداً عن البحث وراء دوافع هذا الموقف، فإنه يمكن القول أن واقع المرأة فى العديد من المجتمعات الإسلامية - حيث يغفل أو يتجاهل الكثيرون من المسلمين الحقوق التي منحها لها الإسلام - هو المصدر الرئيسى لهذا الموقف الملتبس حيث يتم الخلط بين وضع المرأة فى العالم الإسلامي وبين موقف الإسلام منها، وثمة سبب آخر لهذا الالتباس نبه إليه عدد من المفكرين الإسلاميين والمعنيين بهذه القضية، وهو أن الفكر العربي والإسلامي في تناوله لهذه القضية اتجه - غالبا - إلى أن يقدم إجابات إسلامية عن تساؤلات غربية! وشهد الفكر الإسلامي محاولات جادة لكشف حقيقة الموقف الإسلامي من قضايا المرأة، وتعدد الرؤى التجديدية التي تناولت هذه القضية، ولا يتسع المجال هنا لذكرها، وإنما نتوقف عند بعضها. الملفت للنظر أن أنه منذ أن نشر قاسم أمين كتابه حول تحرير المرأة أواخر القرن التاسع عشر، لا يزال عدد من القضايا التي تناولها الكتاب موضع نقاش وجدل متكرر، مثل الحجاب وعمل المرأة وتعدد الزوجات، وقد أضيف إلى ذلك قضايا مشاركتها السياسية، وتقلدها للمناصب القيادية، توليها للقضاء. كما استمر بشكل أو بآخر الموقف الملتبس نحوها، ففي الوقت الذي تقتسم فيه رئاسة الحكومة ورئاسة المعارضة امرأتين في إحدى الدول الإسلامية، نجد لأنه يتم منع المرأة من التصويت في الانتخابات بدولة إسلامية أخرى !وفي الوقت الذي تتولى المرأة فيه مناصب وزارية في إحدى الدول الإسلامية، نجد أن نسبة كبيرة من السيدات لا تحصل على نصيبها من الميراث في نفس الدولة. ربما يعود هذا الموقف الملتبس في كثير من جوانبه إلى خطأ الشعار الذي رفعت تحته هذه القضايا من البداية، وهو شعار «تحرير المرأة» يعبر عن هذا الرأي الدكتور نصر عارف الأستاذ بجامعتي القاهرة وزايد، موضحا أن قضية وتحرير المرأة -في جوهرها- لم تنبع من داخل الخطاب العربي والإسلامي، وإنما ألقيت عليه، وتمت مناقشتها والاختلاف حولها اعتمادا على ظهورها في النسق الحضاري الغربي، بل أن الحجج التي تستخدم في الجدل حول مثل هذه القضية، حجج مستقاة من التجربة التاريخية الأوروبية، وكأن تاريخنا وتاريخ أوروبا توأمان متماثلان. ويرى أن الشعار الصحيح هو «إنصاف المرأة »وليس تحريرها. ومن هذه الزاوية كان الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - قد بذل جهودا كبيرة وخاض معارك طويلة لتفنيد محاولات عزل المرأة عن المجتمع باسم الدين، والجور على حقوقها وانحراف المسلمين عن تعاليم دينهم في معاملتهم للنساء استنادا إلى روايات ظالمة وأحاديث موضوعة ! وحتى إذا أخذنا بشعار بتحريرها، فإن المقصود به هو تحرير المرأة من الفهم الخاطئ للدين ومن الأغلال التي يحاول البعض تكبيلها بها انطلاقا من أحاديث ضعيفة، وتبصيرها وتبصير المجتمع بحقوقها التي جاء بها الإسلام وأغفلها بعض المسلمين عن قصد أو عن جهل..وتحريرها من التقاليد البالية التي ظهرت فى فترات التراجع الحضاري فى تاريخنا، وتحريرها أيضا من التقاليد المستوردة التي أبعدت المرأة المسلمة عن دينها وذاتيتها الحضارية، فتفرنجت فى زيها وفكرها وسلوكها.. وقد رفض الغزالي في كتابه [من هنا نعلم] أن تكون المرأة «كبندول الساعة إلى أقصى اليمين تارة والى أقصى اليسار تارة أخرى، ولا يستقر مطلقا عن الحد الوسط الذي يطلبه الإسلام »ثم رصد الوضع الذي آلت إليه المرأة فى العالم الإسلامي فى كتابه «الإسلام والطاقات المعطلة»الذي صدر فى بداية الستينات وتتابعت كتاباته التي تؤكد على مكانة المرأة فى الإسلام وكيف كانت فى عهد السلف الصالح إنسانا يقوم بواجباته الدينية والدنيوية، وتعرض لقضية تعليمها وعملها مؤكدا أنها حقوق منحها إياها الإسلام ودعا إلى الموازنة بين عملها فى البيت وعملها خارجه إذا احتاج إليها العمل أو احتاجت هي للعمل وفي كتابه «السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث»يدعو الشيخ إلى مشاركة المرأة المسلمة فى الحياة العامة مؤكداً أن المرأة المسلمة العفيفة أهلا للنهوض بأمتها وتحمل أمانة هذا الدين جنباً إلى جنب مع الرجال، فعلى العكس مما كان عليه الأمر فى الستينات، حيث كان الشيخ يؤكد أولوية عمل المرأة داخل بيتها. نجده فى الثمانينات بعد طول خبرة واطلاع على أحوال المرأة المسلمة وتقديره للمهمات التي نهضت بها الصحابيات الأوائل يسعى إلى إيجاد توازن بين مسئولية المرأة داخل أسرتها ومسئوليتها تجاه قضايا الأمة. وانتقد بشدة التقاليد التي تقلل من شأن المرأة باسم الحجاب، فيقول : «باسم الحجاب قامت تقاليد تزدرى المرأة وتؤخرها وترفض منحها الحقوق المادية والأدبية التي أقرها لها الإسلام فماتت إنسانيتها على مر القرون، وتولى كبر ذلك كله متدينون جهلة يحسبون التقوى تجهيل المرأة وإذلالها ». وانتقد بشدة الذين يقللون من شأن المرأة ويحاولون تعطيل طاقاتها تمسحاً بستار الدين فيقول: «ولايزال نفر من علماء الدين يكرهون وجه المرأة، ويحملونها مسئولية خروج آدم من الجنة كما زعم اليهود فى كتبهم!ويرون الدين إمساك النساء فى البيوت حتى يتوفاهن الموت... أعتقد أن هؤلاء العلماء القاصرين لو كانوا على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لطالبوه بطرد السيدتين اللتين حضرتا بيعة العقبة الكبرى، وقالوا له: ما للنساء وهذه الشئون.. ولو كانوا موجودين عند فتح مكة لقالوا له: حسبك بيعة الرجال، وهم يعلمون نساءهم! أما استخراج النساء للبيعة فقد يكون سبباً فى غرورهن وجرأتهن! بل أعتقد أن هؤلاء العلماء- على المجاز لا على الحقيقة- لو كانوا مع نبى الله سليمان وهو يكتب خطابه لبلقيس (ألا تعلو على وأتونى مسلمين)لقالوا له عدل هذه الصيغة فإنها تعترف بتوليها منصب الملك، اكتب بعزلها أولاً ثم تفاهم مع الرجال وحدهم! هذه العقلية المختلة فرضت نفسها طويلاً على دين الله، وبعد أن أعانت أقدار حسنة على زلزلة سلطانهم يستميتون فى اخراج المرأة المسلمة وتعكير مستقبلها بفتاوى مكذوبة على الإسلام». وفي إطار رفضه للأقوال الموضوعة التي يستند إليها البعض في فرض العزلة على المرأة، قال ان الحديث الذي يقول يروى عن السيدة فاطمة بنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أن المرأة لا ترى احدا ولا يراها احد، وان النبي قد أقر ذلك وضم ابنته إلى صدره قائلا : ذرية بعضها من بعض، هذا الحديث منكر و«لم يذكره كتاب سنة محترم»وقد سجل هذا الرأي فى تقديمه للكتاب المشار إليه، مؤكدا أن هذا الحديث يخالف ما تواتر من القرآن الكريم والأحاديث الصحاح، وسيرة النبي وخلفائه الراشدين. وأفتى الغزالى بجواز توليها رئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء أو أن تكون ملكة مؤكداً أن بعض كبار العلماء السابقين قد أجازوا ذلك ومنهم ابن جرير الطبرى الذي قال : «ان المرأة يمكن أن تكون إماما »، و ابن حزم الذي قال ان المرأة يمكن أن تكون «وزيرة أو حاكم إقليم، وما تمنع عنه هو الخلافة العظمى». أوضح أن هذا الرأي لا يتعارض مع الحديث النبوي الذي يقول: «خاب قوم ولو أمرهم امرأة»قائلاً أن هذا الحديث قد كانت له ملابسات خاصة «لأن الامبراطورية الفارسية كانت فى حالة احتضار وكان أعداؤها يقصدون أطرافها من كل ناحية وكانت فى اشد الحاجة إلى قيادة عسكرية أو حاكم وليد شورى عامة، ينقذ الأمة من ورطتها.. بينما كانت ترث الحكم أو الملك فتاة كل مؤهلاتها أنها بنت كسرى فهذا ما لا يعقل ولذلك اعتبره الإسلام خيبة من الفرس أنفسهم..ماذا يضيرنا لو تولت الأمر امرأة مسلمة تتمتع بحكمة ومقدرة بلقيس- ملكة سبأ- التي قادت قومها إلى الهدى..إنها اشرف من الرجل الذي دعته (ثمود)لقتل ناقة صالح». ومن المهم هنا أن نسجل أن الغزالى ليس من هواة تولى المرأة المناصب العليا، ولكنه لا يجد مخالفة شرعية في ذلك إذا استدعت الضرورة، فالرجل قال ما يرضى ضميره ليس تعصبا لجنس أو انتصارا لمذهب وإنما هو اضطلاع بمسئوليته بنزاهة وقام بدوره في تجديد الفكر الإسلامي. د. محمد يونس