عن زر بن حُبَيْش قال: جلس رجلان يتغديان مع أحدهما خمسة أرغفة ومع الآخر ثلاثة أرغفة، فلما وضعا الغداء بينهما مر بهما رجل فسلم، فقالا: اجلس وتغد، فجلس وأكل معهما، واستووا في أكلهم الارغفة الثمانية، فقام الرجل وطرح إليهما ثمانية دراهم، وقال: خذاها عوضاً عما أكلت لكما، ونلته من طعامكما، فتنازعا، فقال صاحب الخمسة أرغفة: لي خمسة دراهم، ولك ثلاثة، وقال صاحب الأرغفة الثلاثة: لا أرضى إلا ان تكون الدراهم بيننا نصفين، فارتفعا إلى أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فقصا عليه قصتهما، فقال لصاحب الثلاثة: قد ضن عليك صاحبك ماعرض وخبزه أكثر من خبزك، فارض بالثلاثة، فقال: والله لا رضيت عنه إلا بمُر الحق. فقال علي: ليس لك من مُر الحق إلا درهم واحد وله سبعة دراهم، فقال الرجل: سبحان الله، قال: هو ذلك. فقال الرجل: فعرفني الوجه في مُر الحق حتى أقبله. فقال علي: أليس للثمانية أرغفة أربعة وعشرون ثلثاً أكلتموها أنتم ثلاثة أنفس، ولا يعلم الأكثر منكم أكلاً ولا أقل؟ فتحملون في أكلكم على السواء. قال: فأكلت أنت ثمانية أثلاث، وإنما لك تسعة أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث، وله خمسة عشر ثلثاً، وأكل منها ثمانية، ويبقى له سبعة أكلها صاحب الدراهم، وأكل لك واحداً من تسعة، فلك واحد بواحد وله سبعة. فقال الرجل: رضيت الآن. أرأيت إلى الفطنة والذكاء وسرعة الفهم والقضاء! انه توفيق وفتوح، واقناع وانصاف، فبهذه المواقف ليقتد العلماء والقضاة والمفتون والمصلحون، هؤلاء هم سلفنا وصحابة نبينا صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء هم رجال الاسلام الذين حملوه ووعوه وفقهوه، وبلغوه ودعوا إليه، فأين رجالات الاستشراق وأين أصحاب الهمم الدنية والأهداف المادية والمقاصد الجاهلية!! أين الكفر من الإيمان، وأين الباطل من الحق، وأين الظلم من العدل، وأين الجهل من العلم، وأين الشرك من التوحيد وأين الثرى من الثريا! د. علي مشاعل