الصيام ركن من أركان الاسلام وفريضة من فرائضه. وقد شرع الله سبحانه وتعالى صيام شهر رمضان تهذيبا للنفس، وتقوية للارادة، وسموا بالروح. وذلك وصولا الى التقوى التي أكد عليها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم قائلا: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون». حول هذه الفريضة السامية.. يقدم لنا الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر كتابه الجديد: «الصيام في الاسلام». شروط مخصوصة! في البداية يعرف المؤلف الصيام ويبين حكمته.. موضحا أنه يعني في اللغة الامساك.. حيث قال الله عز وجل اخبار عن مريم: «اني نذرت للرحمن صوما» بمعنى الامساك عن الكلام. أما الصيام في الشرع.. فهو الامساك عن الأكل والشرب وجميع المفطرات من طلوع الفجر الى غروب الشمس بشروط مخصوصة. وعرفه بعض العلماء: بأنه الامساك عن شهوتي البطن والفرج في جميع أجزاء النهار.. بنية قبل الفجر.. فيما عدا زمن الحيض والنفاس وأيام الأعياد.. وفرض صوم شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة في شهر شعبان. وعن الصيام في القرآن الكريم: يقول الله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وان تصوموا خير لكم ان كنتم تعلمون. شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من ايام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون». ونرى ان الآيات الكريمة قد وضحت ان الصيام فرض على هذه الأمة.. مثلما هي فرض على الذين من قبلنا من أهل الملل السابقة والأمم السالفة. وبينت الآيات الكريمة ثمرة هذه العبادة والحكمة منها في قوله تعالى: «لعلكم تتقون». وليس الصيام للدهر كله.. ولا لبعض من الوقت يسير.. بل هو أيام معدودات. وهي أيام شهر رمضان. ومن طلوع الفجر الى غروب الشمس. اذا لو كان الصوم للدهر كله أو لليوم والليلة لكان فيه مشقة.. ولو كان لبعض اليوم ما كان له من اثر.. وانما كان على هذا النحو من الفجر الى الغروب وأياما معدودات. والى جانب هذه الرحمة.. فان الانسان الذي به مرض ويضره الصوم. والمسافر سفرا طويلا ويشق عليه الصوم. شرع الله تعالى لكل من المريض والمسافر ان يفطرا ويقضيا أياما بقدر الأيام التي أفطر فيها رحمة وتيسيرا. وأكد الله سبحانة وتعالى اختصاص شهر رمضان بالصوم لأنه الشهر المبارك العظيم الذي أنعم الله تعالى فيه على عباده بأجل نعمة الهيه.. وهي نعمة نزول القرآن الكريم فيه. الخيط الأسود! ويتحدث المؤلف عن أركان الصيام مؤكدا أنها تتمثل في الامساك والنية. أما الامساك: فيكون عن كل المطعومات والمشروبات والمعاشرة الزوجية منذ طلوع الفجر الى غروب الشمس.. لقوله تعالى: «فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا وأشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام الى الليل». أي ان الله تعالى أباح الأكل والشرب وجماع الزوجة في أي وقت من الليل من بعد المغرب الى الفجر. حيث يتبين ضياء الصباح من سواد الليل.. وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود ورفع اللبس بقول: «من الفجر». وأما النية: فقد عدها الشافعية ركنا من أركان الصيام وعدها غيرهم شرطا من شروطه. والنية لغة: القصد.. وشرعا: قصد الشيء مقترنا بفعله. فان تراخي عنه سمى عزما. والدليل على النية قول الله تعالى: «وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء».. بقوله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم: «انما الأعمال بالنيات وانما لكل أمرئ ما نوى». وعن حفصة أم المؤمنين رضى الله عنها ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له».. فهذا الحديث يدل على أنه لا يصح الصيام الا بتبييت النية.. وهو ان ينوي الصيام في أي جزء من الليل.. وأول وقتها الغروب وآخره الفجر.. فلابد ان تكون النية قبل الفجر في كل ليلة.. وبالنية تتميز العبادات من العادات. والفرض عن التطوع.. ولا يشترط ان يلتفظ بالنية.. لأنها عمل قلبي.. فمن قام الليل وتسحر قاصدا الصيام فهو ناوله.. ويكفي ان ينوي بقلبه من الليل أنه يصوم اليوم الآتي.. ولا يضر من نوى الصوم ان يأكل أو يشرب أو يجامع زوجته بعد نيته ما دام ذلك كله يقع قبل الفجر.. وعند المالكية: انه تكفي النية الواحدة في كل صيام يجب تتابعه.. كصيام شهر رمضان.. وصيام كفارته.. وكفارة القتل أو الطهارة. مادام لم ينقطع التتابع. أما ان انقطع تتابع الصيام لعذر من الأعذار كالسفر أو المرض أو نحو ذلك.. فلابد ان تبيت النية في كل ليلة من الليالي. وأما الصيام الذي لا يشترط فيه التتابع كمن يصوم صوم كفارة ليمين.. أو يقضي أياما عليه من شهر رمضان مثلا.. فلابد في هذا الصيام من النية في كل ليلة. شهوات النفس! ويشير المؤلف الى الخصوصيات التي يتمتع بها الصائمون مبينا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ان في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل معهم أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيدخلون منه، فاذا دخل آخرهم أغلق فلم يدخل منه أحد». يوضح الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث فضل الصيام وكرامة الصائمين عند الله سبحانه وتعالى. لقد خصهم الله سبحانه بدخولهم الجنة من باب مخصوص. جزاء صبرهم على الجوع وتحملهم للظمأ.. واخلاصهم في صومهم لله تعالى سرا وعلانية.. فناسب ان يكون جزاؤهم على صبرهم على الجوع والظمأ ان يدخلوا من باب خاص هو: «الريان». وقد ناسب اسم هذا الباب ولفظه معناه.. فهو مشتق من الري.. وهو مناسب لحال الصائمين الذين امتنعوا عن الطعام والشراب وصبروا على كل شهوات النفس. ونلاحظ أنه بمعناه وهو الري قد اكتفى به عند الشبع. وذلك لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه.. أو يكون الظمأ أشد على الصائمين من الجوع.. قال الزين بن المنير: انما قال في الجنة ولم يقل للجنة ليشعر بان في الباب المذكور من النعيم والراحة في الجنة فيكون أبلغ في التشوق اليه. وقد أخرج النسائي وابن خزيمة هذا الحديث من طريق سعيد بن عبد الرحمن وغيره وزاد فيه: «من دخل شرب، ومن شرب لا يظمأ ابدا». انه كرم من الله رب العالمين للصائمين. وتكريم لهم جزاء اخلاصهم في عبادتهم.. ومعلوم ان الله سبحانه وتعالى قد تكفل بجزاء الصائمين كما جاء في الحديث القدسي: «الصوم لي وأنا أجزي به». وجزاء الله لهم وافرا وعظيم وغير محدد ولا معين. وأما دخول كل الصائمين من هذا الباب فهو زيادة لهم في الجزاء والتكريم. كمال الصوم ويتوقف المؤلف عند الشروط الواجبة لكمال الصوم وقبوله. معتقدا أنها لا تخرج عن كف الجوارح والشهوات والامتناع عن المفطرات وعن المعاصي ما ظهر منها وما بطن. والامتناع عن الزور وعن العمل به. عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في ان يدع طعامه وشرابه». والمراد بقول الزور: الكذب.. روى ليث بن مجاهد: خصلتان تفسدان الصيام: الغيبة والكذب. والذي يكف عن الطعام والشراب فيجوع ويعطش ولكنه لا يكف نفسه عن الغيبة أوالزور أو العمل به ولا يحفظ جوارحه عن الآثام أو يصوم ويفطر على الحرام أو على لحوم الناس بالغيبة ونحوها.. هذا الانسان لا يجني من صيامه الا الجوع والعطش.. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كم من صائم ليس له من صيامه الا الجوع والعطش». وعن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان وعرف حدوده وتحفظ مما ينبغي له ان يتحفظ منه كفر ما قبله». وقال صلى الله عليه وسلم: «اذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك ويدك». ان الصيام بهذا المعنى يكون كاملا مقبولا. ويتكفل الله سبحانه وتعالى بجزاء الصائمين كما جاء في الحديث القدسي كل عمل بن آدم له الا الصوم لي وأنا أجزي به».