الحمد لله رب العالمين وصلى الله على المبعوث رحمة للعالمين وبعد.. سورة القصص من السور المكية وعدد آياتها 88 آية وهي السورة الـ 49 في عداد نزول سور القرآن، نزلت بعد سورة النمل، وقبل سورة الاسراء، فكانت هذه الطواسين يعني (طسم) الثلاث متتابعة في النزول كما هو ترتيبها في المصحف، وهي متماثلة في افتتاح ثلاثتها بذكر موسى عليه السلام، وسميت هذه السورة ب«القصص» ووجه التسمية وقوع لفظ (القصص) فيها عند قوله تعالى: (فلما جاءه وقصّ عليه القصص)، فالقصص الذي أضيفت إلى السورة هي قصص موسى الذي قصه على شعيب عليهما السلام. وسورة القصص أخذت عنوان القصص وفي هذه التسمية إشارة إلى أهمية القصص القرآني وانه يختلف عن غيره من القصص في ناحية أساسية هي ناحية الهدف والغرض الذي جاء من أجله، ذلك ان القرآن الكريم لم يتناول القصة لأنها عمل (فني) مستقل في موضوعه وطريقة التعبير فيه، كما انه لم يأتي بالقصة من أجل المتحدث عن أخبار الماضين، وتسجيل حياتهم وإنما كان عرض القصة في القرآن الكريم مساهمة في الأساليب العديدة التي سلكها لتحقيق أهدافه وأغراضه الدينية التي جاء الكتاب الكريم من أجلها، بل يمكن ان نقول: ان القصة هي من أهم هذه الأساليب والأهداف حيث يهدف القرآن الكريم من خلال القصص ومن جملة ما يهدف إليه إبراز الصلة الوثيقة بين الإسلام الحنيف وسائر الأديان الإلهية الأخرى التي دعا إليها الرسل والأنبياء، ليحتل الإسلام منها مركز الخاتمة التي يجب على الانسانية ان تنتهي إليها، ويسد الطريق على الزيغ الذي يدعو إلى التمسك بالأديان السابقة على أساس انها حقيقة موحاة من قبل الله تعالى، اضافة إلى ذلك تظهر الدعوة على انها ليست بدعاً في تاريخ الرسالات وإنما هي وطيدة الصلة بها في اهدافها وأفكارها ومفاهيمها: (قل ما كنت بدعاً من الرسل) «الأحقاف: 9» بل انها تمثل امتداداً لهذه الرسالات الإلهية، وتلك الرسالات تمثل الجذر التاريخي للرسالة الاسلامية، فهي رسالة اخلاقية وتغييرية لها هذا الامتداد في التأريخ الانساني ولهذا هذا القدر من الانصار والمضحين والمؤمنين. وعوداً على اسم السورة (القصص) ولماذا كان هذا العنوان ولماذا جاء السياق في السورة حاملاً الكثير من القصص التي حدثت بين الأنبياء وأممهم وذكرت فرعون وغيره لأنه يظهر من خلال تتبع القصص القرآني ان طبيعة بعض الأمم الشرقية فيها الداء الوبيل الذي يصيب الحاكم والمحكومين، فترى الحاكم أول مرة يتظاهر بالتقى والصلاح والإخلاص للمبادئ الفاضلة والمثل العليا ثم لا يلبث ان يجرفه تيار المادة وان يصيبه داء الملك فيصبح فرعون مصر، يتعالى ويتكبر ويفسد ويتنكر لكل صديق وحبيب وتكون الطامة الكبرى إذا أصبح حيوان الجنس والمال، وإما المحكومون فلا يلبث ان يصيبهم داء الخضوع والذل والحقارة والضعة حتى يصبح معه متشيعاً له ولو قال انا ربكم الأعلى، والعلاج لمثل هذه الحالات جاءت به سورة القصص، وهو ان نضع الدين والقرآن نصب أعيينا، وان نغرس في أنفسنا تقوى الله والتوكل عليه حقاً حتى لا نغتر بدنيا ولا جاه ولا نخشى إلا الله، فلا نقول إلا ما يرضي ربنا ويوافق ديننا، وإذا نظرنا إلى ما أشارت إليه سورة القصص من عظات وعبر لوجدنا حلاً لمشكلاتنا اليومية التي حيرت الصغير قبل الكبير، لأن الانسان بطبعه ميال إلى التملك وفيه نزعة التحكم والاستقلالية ولا يرضى من الآخرين إلا بالقليل وعلى ذلك فقس ما يدور حولك في اليوم والليلة تجد ان ما أقوله لك صواباً، لماذا لأن النفس إذا لم تقيد بدين لا تستقيم، وإن لم تلزم بقيم لا ترتاح بل تبقى تجري خلف شيء غير معروف، ومن هنا ننظر إلى هذه السورة بإجلال كبير حيث انها شرحت باطناب ما اختصر من سور أخرى وجاء هذا الشرح ليريح نفوس المؤمنين ويقوي عزائمهم أمام أهل الشرك والضلال، ونحن هنا كذلك نشير إلى أهمية أخذ الزاد لمواجهة الأعداء ومن قبل كان أعداء المؤمنين معروفين بين مشرك وكافر ومنافق، ولكن اليوم أعداؤنا كثير ليس لهم حصر سواء كان هذا العداء من جانب الكفار وغيرهم من الأمم الأخرى، أم من المسلمين انفسهم حيث أصبح المسلم اليوم لا يأمن أخيه المسلم لماذا لأنه يخاف ان يجحف عليه سواء في ماله وأهله وعياله ونفسه، ولهذا فإن صلاح المجتمع اليوم ليس بظاهر العبادة كالصلاة والصوم، ولكن صلاحهم بالإيمان الحقيقي الخفي الذي يخاف المسلم الله ولا يتعرض لأخيه المسلم، ولا يؤذيه فكم من مصل وصائم للأسف الشديد تراه يرمي اخوته ويسفههم وكم في المحاكم من مشاكل ونحن أهل ملة لماذا كل هذا البلاء، كل هذا البلاء لأن الفراعنة قد كثروا وقديما كان المسلمون لا يسمون فرعون والآن صار شهرة ولفت النظر وهذا دليل على قسوة القلوب وبعدها عن الله، فلنرجع إلى ما في سورة القصص ونطلع عليها حتى نخشى الله ونتعلم ما حدث للأمم الأخرى حتى يصلح الله حالنا، اللهم هذا حالنا لا يخفى عليك وأمرنا بيديك وضعفنا منا إليك، اللهم اصلح حالنا وحال المسلمين آمين وصلى الله على سيدنا محمد وإلى اللقاء غداً. والسلام. د. سيف الجابري