الاسلام دين يصلح لكل زمان ومكان اذ يحمل بين دفاته كل عناصر المعاصرة والمواكبة والرقي والتحضر.. وقد قدم المسلمون منذ ازمان بعيدة الكثير من الابتكارات والابداعات التي اسهمت في مسيرة البشرية.. وفي زمن العولمة والتطور التقني ودخول عصر التكنولوجيا كثر الحديث عن صراع الحضارات وطرح العديد من القضايا المتداخلة بين الشرق والغرب وبين الاسلام والاديان الاخرى.. وموقف الاسلام من قضايا عصره ومدى تفاعله معها. طوال الشهر الفضيل سنطرح يومياً قضية مهمة ونلتقي بأحد العلماء والمفكرين لمعرفة رأيه معززا بالادلة ومؤكدا بالبراهين. الضيف هو الدكتور موسى شاهين لاشين أستاذ الحديث والتفسير.. عذب حديثه.. لين العبارة قوى الأسانيد.. رحلته تقدم تاريخا طويلا مع علوم التفسير والحديث وبحوث السنة والتشريع خبرته واسعة في مجال إخراج الموسوعات الإسلامية وكذا الاشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه سبق أن شغل منصب نائب رئيس جامعة الأزهر ويعمل حاليا نائبا لرئيس مركز بحوث السنة بجامعة قطر. معه دار الحوار حول قضية الساعة.. العنصرية وموقف الإسلام من التمييز بين بنى الإنسان وكيف أنه جعل الناس سواسية في الحقوق والواجبات. ـ الدكتور موسى كيف أكد الإسلام على عدم العنصرية ؟ ـ لم تتخلص البشرية من نزعة التفاضل بين الناس، رغم تقدمها الحضاري، وتفوقها التكنولوجي، فلا زالت نزعة التفرقة بين الأبيض والأسود تتحكم في سلوك كثير من المنتسبين للشعوب «المتحضرة» على الرغم من التناقض الواضح بين سلوكهم مع السود سلوكا همجيا، وادعائهم بأنهم «متحضرون»، فالحضارة ليست ادعاء، إنما هي ممارسة وشعور تجاه الآخرين. وتقرير مباديء حقوق الإنسان ليس قرارا يوافق عليه في مؤسسة دولية، وإنما إحساس يدفع الإنسان إلى العطف على أخيه الإنسان، ومساعدته، والأخذ بيده إلى عالم يشعر فيه بالأخوة، ويلمس فيه تحقيق التكافل والمساواة بين الناس في مجال التطبيق، لا في إطار النظريات فقط. كان لتأكيد الإسلام على وحدة أصل الجنس البشرى أثر كبير في غرس مبدأ المساواة بين الناس في نفوس المسلمين، فاختلطت مشاعرهم بهذا المعنى، وامتزجت أفكارهم به، فظهرت معالم المساواة في سلوكهم، ووضحت صورتها في نظرتهم إلى بعضهم، إذ جاء في القرآن الكريم وفي الأحاديث النبوية والتاريخ الإسلامي ما يعمق جذورها في أفتدتهم، وينشر آثارها في معاملاتهم، فبعد أن أعلن القرآن الكريم مبدأ المساواة في قوله تعالى : (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) [الحجرات : 13] وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ويعلن في خطابه الخالد أن : ».... الناس من آدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى». ولم يقتصر الأمر على إعلان المساواة في نصوص تقرأ، وشعارات ترفع، بل كانت عملا وتطبيقا، غاص في حياة الناس حتى صار أمرا عاديا، لا يلفت النظر، ولا يحتاج إلى تصنع، أو إبراز لمن يبحث عنه في السلوك الاجتماعي، أو يتصيد أمثلته من هنا وهناك، فقد كان أساس الحياة الإجتماعية، ومعالم سلوك المسلمين، طبق في المساجد حيث كان يلتقى فيها الأبيض والأسود على صعيد واحد من العبودية لله عزوجل والخشوع بين يديه، إذ لم يجد الأبيض غضاضة أو حرجا في وقوف الأسود بجانبه، وطبق في الحج حيث تلتقى العناصر البشرية كلها، من بيضاء وملونة على صعيد واحد، وبثياب واحدة دون تمييز بين أبيض وأسود، أو استعلاء من الأغنياء على الفقراء. ومن أروع الأمثال في بيان المساواة بين الناس ما حدث يوم فتح مكة، إذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا الحبشى أن يصعد فوق الكعبة ليؤذن من فوقها، ويعلن كلمة الحق. ومعروف أن الكعبة هي أشرف مكان عند المسلمين، وأطهر بقعة على وجه الأرض، فكيف يرتقيها عبد أسود كبلال ؟ بل كيف يطأها ملون بقدمه ؟ إن مثل هذا لا يتصور في العصر الحاضر في بلاد تدعي أنها «متحضرة»، كيف وقد حدث قبل أكثر من أربعة عشر قرنا. إنه الإسلام الذي لا يفرق بين الناس على أساس اللون، إنها العقيدة التي يتساوى في ظلها جميع البشر، لأنهم من أصل واحد، إنها الحضارة الحقيقية التي تعلن مساواة الناس، بعد أن ضاع هذا المعنى بين أديان محرفة، ومذاهب بشرية منحرفة. لقد كان صعود بلال على سطح الكعبة إعلانا لكرامة الإنسان، وبيانا بأنه يستحق هذه الكرامة لعلمه وعقله واخلاقه، لا لبشرته وبياضه، فما يقدم الإنسان بياضه إذا أخره عمله، ولا يؤخره سواده إذا قدمه ذكاؤه واجتهاده، ولذلك لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبى ذر وهو من أكرم صحابته أن يسب آخر فيقول له : «يا ابن السوداء !!!»... لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ذلك، بل قرعه وقال له : «أعيرته بسواد أمه ؟... إنك امرؤ فيك جاهلية» وهذا حد فاصل بين العلم والجهل، وبين الحضارة الإنسانية والحضارة الجاهلية. إن الحضارة التي لا يستعلى فيها عرق على عرق، ولا لون على لون هي الحضارة التي يصنعها الإنسان العاقل الكريم، وهي التي تسعد الإنسانية الواعية الكريمة. أما الحضارة التي يعلو فيها الأبيض ويمتهن الأسود، ويسعد بها ذوو البشرة البيضاء ويشقى بها الملونون هي الحضارة الجاهلية التي ترتد بها الإنسانية إلى الوراء مئات القرون، عمياء، متكبرة، جاهلة، حمقاء. «إنك امرؤ فيك جاهلية» هذا وصف للحضارة الجاهلية التي تنادي بالتمييز العنصرى، وهو ما كافحته حضارة الإسلام في كل ميادين الحياة : في المسجد، والمدرسة، والمحكمة، والقيادة، مع الأصدقاء والأعداء على السواء. ـ الاسلام دين يبتعد عن التكبر وينظر للإنسان بمنظار العطف والمحبة كيف ؟ ـ ضرب المسلمون أروع الأمثال في السلوك الحضاري، لم تعرفه أمم تدعي أنها «متحضرة»، بل لم تظهر معالمه حتى الآن في معاملتها مع الشعوب الأخرى، فعلى الرغم من ادعائها التحضر، وتزعمها ما يسمى بالعالم المتحضر، فلازال إنسان العالم الثالث بالنسبة لها مهضوم الحقوق، تعامله معاملة لا تليق بإنسانيته، وماذاك إلا لأنه من عالم متخلف كما يصنفونه، ويرمونه بالرجعية والجمود على التقاليد والعادات التي هي في نظرهم تعتبر من سيئات المجتمع البشري. ولو قرأوا تاريخ الإسلام ـ الذي يصفون أتباعه بهذه الأوصاف السالفة الذكر ـ لعلموا أن المسلمين كانوا المثل الحى للصورة الحضارية، إذ يعلن سلوكهم عن حقيقة حضارية، وتنطق معاملتهم بأروع ألحان التقدم والرقي الإنسانى، حيث يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات دون تفريق على أساس اللون أو العرق، وتتاح الفرص للجميع دون تمييز بين أبيض وملون، وتطبق العدالة على جميع الناس دون محاباة لطائفة على حساب أخرى. ومن أراد بيانا عمليا فليقرأ بعضا مما رواه التاريخ في هذا الصدد: لما جاء المسلمون لفتح مصر وتوغلوا فيها حتى وقفوا أمام حصن بابليون، رغب المقوقس في المفاوضة مع المسلمين، فأرسل إليهم وفدا ليعلم ما يريدون، ثم طلب منهم أن يرسلوا إليه وفدا، فأرسل عمرو بن العاص عشرة نفر، فيهم عبادة بن الصامت وكان عبادة أسود، شديد السواد، طويلا، حتى قالوا : إن طوله عشرة أشبار، وأمره عمرو أن يكون هو الذي يتولى الكلام. فلما دخلوا على المقوقس تقدمهم عبادة بن الصامت، فهابه المقوقس لسواده، وقال لهم : نحوا هذا الأسود عني وقدموا غيره يكلمني، فقال رجال الوفد جميعا : إن هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلما، وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا، وإنا نرجع جميعا إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره، وأمرنا ألا نخالف رأيه وقوله، فقال لهم : وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم، وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم ؟ قالوا : كلا، إنه وإن كان أسود كما ترى، فإنه من أفضلنا موضعا، وأفضلنا سابقة وعقلا ورأيا، وليس ينكر السواد فينا. فقال المقوقس لعبادة : تقدم يا أسود وكلمني برفق فإني أهاب سوادك، وإن اشتد كلامك على ازددت لك هيبة، فقال عبادة ـ وقد رأى فزع المقوقس من السواد ـ : إن في جيشنا ألف أسود، وهم أشد سوادا مني..... أجل، لقد ظهر في المجتمع الإسلامي أعلام في كل ميادين العلم والأدب والسياسة وهم سود البشرة لم يمنعهم سوادهم أن يكونوا أدباء ينادمون الخلفاء، ولم يكن سوادهم عقبة في تبوئهم مراكز الفقهاء، يؤلفون المراجع الهامة في الفقه الإسلامي، كـ : عثمان بن على الزيلعى، شارح الكنز في الفقه الحنفى، والحافظ جمال الدين أبي محمد بن يوسف الزيلعي، مؤلف نصب الراية...... فكلاهما من زيلع في بلاد الحبشة. إن التمييز بين الناس على أساس اللون والدم عمل غير إنسانى، فهو يتنافي مع أبسط حقوق الإنسان، ويتعارض مع أدنى مظاهر الحضارة، وهو أسلوب همجي وسلوك بدائي، لا يشيع إلا في المجتمعات المتخلفة ولا يعتنقه إلا الجاهلون، ولا يدافع عنه إلا من سيطرت الأنانية على سلوكهم، وتغلغل حب الذات في دمائهم، وهذه هي مظاهر الشعوب التي لم تعرف مظاهر الحضارة الإنسانية، حتى وإن ملكت أساليب التكنولوجيا الحديثة، وسيطرت على مقاليد الأمور في المجتمع الدولي بآلاتها وأسلحتها، لأن من ينشد الحضارة فلابد أن يتخلص من أساليب القرون الوسطى، ويبتعد عن التعالي والتكبر الذي كان مسيطرا على حياة الشعوب البدائية، وينظر إلى الإنسان بمنظار العطف والمحبة، ويتعامل معه على أساس الأخوة والمساواة، وإلا فإنه يعيش بعقلية بدائية، ويسلك سلوك من لا يعرف أولى درجات السلم الحضاري. ـ ما مدلول أن الحقوق الانسانية في الاسلام أحكام وتشريعات واجبة التنفيذ.؟! ـ ولو فكر المصلحون تفكيرا جديا فيما ينبغى عمله للقضاء على مظاهر الوحشية في المجتمع الإنسانى، ومحاربة كل من تسول له نفسه استغلال أخيه واستعباده لاهتدوا إلى الإسلام، فهو أفضل أسلوب لعلاج هذا الانحراف الإنسانى لأنه يحد من غلواء المادية التي تسيطر على نفس الإنسان فتطمسها، وعلى روحه فتفسدها. ومتى تحرر الإنسان من هذه السيطرة صار تربة صالحة لغرس مباديء الأخوة الإنسانية في نفسه، وتعويده على عمل كل ما فيه خير له ولأخيه الإنسان، فإذا كانت الحقوق الإنسانية في المجتمع الغربى نداءات وشعارات فقط، فإنها في الإسلام أحكام وتشريعات واجبة التنفيذ، لايفرط فيها إلا من وهنت عقيدته، وضعف إيمانه، ولهذا يحرص كل مسلم على تنفيذها حتى لا يخسر دنياه وآخرته. وقد غرس الإسلام في قلوب المسلمين بذورا ربانية، فأرهفت حسهم، ورققت مشاعرهم، وأيقظت ضمائرهم، فصاروا رحماء مع إخوانهم يرقون للضعيف، ويتألمون للحزين، ويحنون على المسلمين، ويمدون أيديهم إلى الملهوف، كما دفعتهم هذه القلوب إلى أن ينفروا من الإيذاء، ويتجنبوا الجريمة، فصاروا بذلك رحماء على من حولهم، يشملونهم بالرعاية والعطف والحنان، ويدفعون عنهم كل أذى، فيمسحون أعينهم إذا بكوا، ويقدمون لهم الطعام إذا اشتكوا من الجوع، ويلقون عليهم بأرديتهم إذا تألموا من شدة البرد ولسع الصقيع. وتلك هي الحضارة الحقة، علمها الإسلام للمسلم قبل أكثر من أربعة عشر قرنا، وفرض عليه الإلتزام بها، فلا يتغنى بها كلاما خاليا من مضمون التنفيذ ـ كما يفعل أهل الحضارة المعاصرة مع إخوانهم في الإنسانية ـ، بل ينفذها عقيدة وشرعا، ولا يمارسها ـ أو جزءا منها ـ رياء واتقاء ـ كما نراه على الساحة الدولية ـ، بل يقوم بها كاملة، حبا وعطفا على أخيه الإنسان، وتنفيذا لقول الله تعالى : (وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) [البلد : 17]، فهو يرحم أخاه فلا يؤذيه، ويرحمه فلا يتركه فريسة العوز والفاقة، ويرحمه فلا يستغله في مال أو عمل. د. موسى شاهين لاشين