عندما وصلنا هانز وانا من تلك البوابة العامرة ودخلنا فضاء ذاك الزمن بحثاً عن عثمان الخياط، وجدنا انفسنا نقف امام رجل ملتح ذي وقار فاعتذرنا للرجل على هذا التطفل وسألناه فيما اذا كان يعرف الرجل الذي نبحث عنه فقال لقد وصلتما فأنا هو من تبحثان عنه. ـ لكنك تبدو مختلفا عن الرجل الذي أتينا نبحث عنه! ـ وهل تعرفانه؟ ـ لا، بل نعتقد أنه لا يحمل علامات الطيبة والهدوء، ودلالات النبل والرحمة. فهو لص شرس، ومخادع من الطراز الأول. ـ عذراً أيها السادة، من نقل لكما تلك الصور المغايرة عني فقد ارتكب في حقي خطيئة لا تغتفر. ـ نستميحك العذر يا سيد عثمان عن تلك السقطة، فقد استعجلنا الحكم عليك.. وبما أننا الآن في دارك هل تفسر لنا وقد جئنا من زمننا خصيصا لك لماذا كنيت بالخياط؟ ـ لقد سميت بذلك لأنني نقبت عن أحذق الناس وأبعدهم في صناعة التلصص، وسددت النقص وكأنني قمت بخياطته ولكما ان تعلما انني ما سرقت جاراً وإن كان عدوا، ولا كريماً ولا كافأت غادراً بغدره. ثم التفت الى أصحابه وقد عملوا حلقة كبيرة فتوسط حلقتهم قائلاً: إضمنوا إلي ثلاثاً أضمن لكم السلامة: لا تسرقوا الجيران واتقوا الحرم، ولا تكونوا أكثر من شريك مناصف، وإن كنتم أولى بما في أيديهم لكذبهم وغشهم وتركهم إخراج الزكاة، وجحودهم الودائع. ومن جديد عاد فالتفت لنا قائلاً: هكذا نحن أيها السادة في عاداتنا وصناعتنا. وبينما نحن نحدّق في الوجوه الحاضرة، نهض واحدٌ منهم قائما وبكل احترام وأدب قال موجهاً كلامه لأستاذه ومعلمه: حدثتهما يا أستاذي عن أبي معن الزنجي. نظر إلينا عثمان الخياط وعلامات الهدوء ترتسم على محياه فقال: ضربته يوماً بشمراخ رطب، فالتوى التواء الحية، وكاد يواثبني فقلت: هذا صبرك؟ فقال: إنك لم تتعمد، أحسبت صبري على السياط طبيعة، إنما هو الكظم والصبر على قدر النظارة، ألا ترى أنه قيل، أصبر الناس من ضرب في السجن خمسين سوطاً، لانه إذا لم يكن من يمدحه تألم، واذا كان بين الناس بحيث يرونه فهو العزم والمروءة والقيام بالفتوة. ـ قلت: هكذا أنتم إذن، أهل عزم ومروءة وفتوّة! ـ نعم، وإذا أردت المزيد عنّا فأقرأ ما كتبه الجاحظ عن حكاياتنا ومواقفنا، أو اقرأ أخبارنا واشعارنا المبثوثة في كتب الأدب والتاريخ والجغرافيا والمتناثرة بين خطوط الطول والعرض على مساحات الزمن. نظرت إلى المكان وإلى تلك الوجوه المتراصة وكأنها تنظر إلى كائن غريب نزل عليها من الفضاء وقلت للخياط: هل تأذن لنا يا استاذي بمغادرتكم إلى أوراق أخرى من تاريخكم وحكاياتكم؟ ـ بامكانكما مغادرة المكان والتنقل دون ان يمسسكما أحد من هؤلاء، فأنتما في أمان وتحت رعايتي. شكرت كبيرهم وقلت لهانز الذي وقف وعلامات الوجوم تبدو على وجهه.. هيا نغادر المكان. ـــ ـ بعد أن إلتقط هانز أنفاسه اللاهثة قلت له: نحن الآن نجول في أوراق وأزمنة متناثرة من التاريخ القديم، وعلينا أن نقف عند مفرق الحكايات والمواقف، التي تحدث عنها التاريخ ونتفاعل معها. ـ قال هانز: نعم كلامك صحيح، ولكن كيف نحدد هذا المفصل المهم؟ ـ لا عليك، سأطلب من جهاز الكمبيوتر أن يحدد لنا حكاية جديدة وسنترك له خيار المساعدة دون ان ندخل في جدلية الزمان والمكان والحدث. .. وغداً نكمل